خطاب مؤتمر السلام المنعقد في 19/03/2016 ببيت الفتوح

آخر تحديث : الجمعة 1 أبريل 2016 - 9:18 صباحًا
2016 04 01
2016 04 01
خطاب مؤتمر السلام المنعقد في 19/03/2016 ببيت الفتوح

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بداية أود أن أغتنم هذه الفرصة لأعرب عن خالص امتناني لجميع الضيوف الكرام الذين قبلوا دعوتنا وانضموا إلينا هذا المساء. إن حضوركم جدير بالثناء بشكل خاص لأن هذا الحدث يقام في وقت يزداد فيه انتشار الخوف من الإسلام بسبب الأفعال المروعة والمشينة للجماعات الإرهابية. على سبيل المثال، في نوفمبر الماضي أصيب العالم بالذعر عندما وقعت الهجمات الإرهابية في باريس. وبصرف النظر عن هذا، كانت هناك تفجيرات وهجمات انتحارية في مختلف البلدان على فترات منتظمة. وبالنسبة للمملكة المتحدة، فقد حذّر مؤخرا مساعد مفوض الشرطة من أن داعش كانت تخطط لشن هجمات إرهابية هائلة هنا في المملكة المتحدة تستهدف أماكن عامة رفيعة المستوى. وعلاوة على ذلك، هناك التدفق المفاجئ للاجئين إلى أوروبا خلال العام الماضي، الأمر الذي سبب حالة من الخوف وعدم اليقين بل حتى الذعر في أذهان كثير من الناس. في ضوء كل هذا، فإن حضوركم ورغبتكم كغير مسلمين في حضور هذا الحدث الذي تنظمة جماعة مسلمة يثبت شجاعتكم وتسامحكم وسعة قلوبكم. مع أن الحقيقة البسيطة هي أنه ليس هناك داعٍ لأن يخشى أحد الإسلام الحقيقي. وفي حين أن بعض الناس يدّعون أن الإسلام دين التطرف وأنه يروج للهجمات الانتحارية وغيرها من أشكال الإرهاب، فلا شيء أبعد عن الحقيقة من ذلك. في الآونة الأخيرة، كتب محرر عمود إنجليزي مشهور في صحيفة وطنية حول تصاعد الخوف من الإسلام، وقال إنه قام بإجراء أبحاث مكثفة حول التفجيرات الانتحارية ووجد أن أول هجوم من نوعه وقع في الثمانينيات، على الرغم من أن الإسلام كان موجودا لأكثر من 1300 سنة. وختم أنه إذا أباح الإسلام، أو شجع مثل هذه الهجمات لحدثت منذ فجر الإسلام وطوال تاريخه. لقد كانت وجهة نظره صحيحة وقدمها بشكل جيد جدا وأثبت أن مثل هذه الهجمات تمثل الشر في العصر الحديث، وهي بعيدة كل البعد عن التعاليم الصحيحة والسلمية للإسلام. لا ريب أن الإسلام قد حرم بشكل واضح جدا جميع أشكال الانتحار، وبالتالي فليس هناك أي مبرر على الإطلاق للهجمات الانتحارية أو أي من أشكال الإرهاب الأخرى. هذه الأفعال الشنيعة تؤدي إلى القتل والذبح الهمجي للأبرياء من النساء والأطفال وغيرهم من العامة. ويقول مقال بحثي أجراه مؤخرا الدكتور كونسيداين من جامعة رايس في هيوستن بولاية تكساس بوضوح إن اضطهاد المسيحيين في ما يسمى بالدولة الإسلامية ليس له ما يبرره في سنة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). وقال كذلك إن رؤية النبي للأمة الإسلامية أن تتمتع بالتعددية الدينية والحقوق المدنية. وهكذا فليكن واضحا، أن مثل هذه الأعمال تتنافى تماما مع تعاليم الإسلام. وعندما أباح الإسلام الحرب فلم يكن ذلك إلا في حدود الحرب الدفاعية حيث فرضت الحرب عليهم. على سبيل المثال في الآية 40 من سورة الحج من القرآن الكريم قال الله تعالى “أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ” أي أعطي الإذن بالدفاع لأولئك الذين فرضت عليهم الحرب قسرا. وفي نفس تلك الآية يبين الله سبحانه وتعالى أنه في حالة الحرب الدينية فإن الله سينصر ويساعد المظلومين. في صدر الإسلام كانت الحروب التي وقعت حروبًا دينية حقيقية خيضت في سبيل إعلاء المبدأ الأساسي للحرية الدينية العالمية.

يثبت التاريخ أن الحروب التي خيضت بهذه النية، حققت النصر للمسلمين على الرغم من أن الحقيقة هي أن حفنة من المسلمين غير المجهزين قد حاربوا ضد جيوش ضخمة مجهزة تجهيزا جيدا. ومع ذلك، عندما أبحث كمسلم في الحروب التي يتورط فيها المسلمون اليوم أتيقن أنها لا يمكن أن تصنف في عداد الحروب الدينية. فأولًا معظم النزاعات في العالم الإسلامي إما صراعات داخلية مدنية أو مع الدول الإسلامية المجاورة. ثانيا، إذا تورط بها أي بلد غير إسلامي، فإنه لا يعلن الحرب على أنها دينية وإنما يدعي مساعدة الطرفين المسلمَين. وبالتالي، لا تخاض الحروب في يومنا هذا من أجل الإسلام أو من أجل الدين، وإنما من أجل تحقيق مكاسب اقتصادية أو جيوسياسية وهي لم تثبت سوى تشويه اسم الإسلام. وهكذا وبناءً على ما قلته للتو، آمل أن يكون واضحا الآن أنه ليس هناك حاجة للخوف من الإسلام، وأنه ليس دين التطرف، أو الدين الذي يسمح بالهجمات الانتحارية أو العنف العشوائي. ليست هناك حاجة لكراهية الإسلام، وذلك لأن تعاليم الإسلام الحقيقية هي السلام والتسامح والاحترام المتبادل. إن تعاليم الإسلام هي التمسك بالقيم الإنسانية، وحماية شرف وكرامة وحرية جميع الناس. ومع ذلك، نحن جميعا ندرك جيدا بالطبع أن هناك بعض المتطرفين الذين يسمون بالجماعات الإسلامية يرتكبون أبشع أشكال الوحشية باسم الإسلام. ومع ذلك، فإن الآية القرآنية التي اقتبستها آنفًا توضح أن مثل هذه الأعمال غير مسموح بها ولا يوجد ما يبررها بأي شكل من الأشكال في الإسلام.

هنالك مسألة هامة أخرى تقودني كمسلم إلى إظهار الحب للبشرية جمعاء بدلا من التوجه إلى الحرب والعنف، وهي أنه في الآية الثانية من السورة الأولى في القرآن الكريم قال الله سبحانه وتعالى، بأنه رب العالمين وفي الآية الثالثة إنه الرحمن، والرحيم.

وهكذا وحيث إن الله تعالى هو رب العالمين والرحمن والرحيم، فكيف يمكن له أن يُرِد لأولئك الذين آمنوا به أن يُقتلوا بلا رحمة أو كيف يمكن أن يُعنّف أو يضر خلقه بأي شكل من الأشكال؟

طبعا الجواب هو أن ذلك غير ممكن. ومع ذلك فالله سبحانه وتعالى قد أباح بالتأكيد اتخاذ الإجراء اللازم لوقف القسوة والوحشية والظلم. يأمر الإسلام المسلم بالسعي لكفّ يد الظالم وإنهاء جميع أشكال الظلم والعدوان.

وبحسب الإسلام هنالك طريقتان يمكن بهما تحقيق ذلك أولهما من الأفضل لو يمكن تحقيق ذلك من خلال الحوار والنقاش والدبلوماسية المتبادلة، ولكن إن لم يكن ذلك ممكنا عندها فقط يمكن استخدام القوة من أجل إيقاف الظلم بنيّة تحقيق السلام الدائم.

خارج السياق الديني هنالك قوانين في كل مجتمع وأمة إن تم انتهاكها يتم اتخاذ تدابير عقابية معينة. إذا كان بالإمكان الإصلاح بدون عقوبات أو عن طريق فرض بعض العقوبات الخفيفة فمن الأفضل فعل ذلك ولكن إن كان ذلك مستحيلا فتفرض العقوبة الكبيرة بما فيه مصلحة المجتمع الأوسع وكوسيلة لردع الآخرين. وبالانتقال إلى السياق الديني فالإسلام يسمح بالعقوبات لا كوسيلة للانتقام وإنما فقط لإنهاء الظلم والاضطهاد وكوسيلة للإصلاح الإيجابي، لقد قال القرآن الكريم إنه إن كان بالإمكان إصلاح شخص أو جماعة من خلال المغفرة والرحمة فيجب اتخاذ ذلك، وإن لم ينفع الحلم فيجب اللجوء للعقوبة كوسيلة للإصلاح والتحسن. لذلك فإن الهدف من فرض العقوبة في الإسلام مميز جدًا وهو بهدف الإصلاح وإعادة التأهيل والتحسّن، إنه من أجل تطوير أعلى معايير القيم الإنسانية بين الناس بحيث يكون التحلي بصفات الله وسيلة لاحترام الآخرين والاهتمام ببعضهم بعضا لذلك عندما تغتصب حقوق المرء أو الجماعات بشكل ظالم يسمح الإسلام بالعقوبة التي تناسب الجريمة، وعلى أية حال تبقى القضية أنه إن كان الإصلاح ممكنا بدوع عقوبات فهذا أمر مفضل، لذا قال الله تعالى في الآية 23 من سورة النور في القرآن الكريم “… وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” أي من الأفضل المسامحة والصبر، وكذلك قال الله تعالى في الآية 135 من سورة آل عمران “.. وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ”.

علاوة على ذلك وفي عدة أماكن أخرى يشير القرآن الكريم إلى أنه على المرء المسامحة قدر الإمكان لأن الهدف الأخير هو دائمًا الإصلاح وليس الانتقام. وفيما يتعلق بالصراع بين الدول أو الجماعات قدم الله مبدأ ذهبيا لتأسيس السلام الدائم، ففي الآية 10 من سورة الحجرات يقول تعالى: “وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”، أي عندما تنسحب الجهة المعتدية وتتبنى السلام فلا يجب تقييدها بدون وجه حق، بل يجب السماح لها بالمضي قدمًا كدولة مستقلة ومجتمع حر.وهكذا فإن رب العالمين -الله تعالى- يريد لكل الناس أن يعيشوا معا في سلام وأن يتحرروا من جميع أشكال الاضطهاد والظلم.

وفيما يتعلق بالدين فالإسلام يؤسس لمبدأ حرية الدين وحرية الضمير على مستوى العالم. ففي الإسلام لكل شخص حرية المعتقد وحرية نشر اعتقاده بسلام، فالإيمان يجب أن يكون دائما مسألة قلبية وهكذا لا يجب أن يكون هنالك أي إكراه في الدين، وفي حين أن الله قد ادعى أن الإسلام عبارة عن تعاليم كاملة إلا أنه ليس هنالك حق لأحد أن يكره أحدًا بالدخول فيه، كل شخص سواء أكان متدينا أو لا حرٌ في قبول الإسلام، ولكن النقطة الرئيسية في ذلك أنه يجب أن يقبله بحرية كاملة وأن يكون ذلك بمحض اختياره الشخصي فقط.

وبالمثل، إذا رغب مسلم بترك الإسلام، فله الحق، وفقا لتعاليم القرآن الكريم، في القيام بذلك. وحيث أننا نؤمن أن الإسلام دين عالمي ذو تعاليم خالدة، فإذا اختار أي شخص تركه فهذا خياره وحقه. تقول الآية 55 من سورة المائدة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ” فلا لحكومة أو جماعة أو فرد الحق في معاقبتهم بأي شكل من الأشكال. وبالتالي، فإن الادعاء بأن الإسلام يدعو لعقوبة الردة لادعاءٌ ظالم تماما وبلا أساس. ولذلك، فإن تعاليم الإسلام تدور جميعها حول الله وكينونته، وحول حقيقة أنه رب العالمين جميعهم، لذلك، إذا أراد مسلم التصرف بوحشية وبلا رحمة أو التورط بأي شكل من أشكال التطرف فعليه أن يرفض صفة الله بأنه رب العالمين. أو قد يكون أن بعض المسلمين يؤمنون بأن الله هو سيد الكون ورب العالمين، ولكنهم لم يفهموا جيدًا معنى ذلك، فابتعدوا بالتالي عن تعاليم الإسلام الأصيلة. وهكذا ولتنوير وتعليم البشرية حقيقة الإسلام فإننا نحن المسلمين الأحمديين نؤمن أن الله تعالى قد بعث مؤسس جماعتنا مسيحًا موعودًا ومصلحًا لهذا العصر وهو قد أبلغنا بأن عصر الحروب الدينية قد انتهى وأن الله سبحانه وتعالى يريد للناس أن يعيشوا بسلام وأن يفوا بحقوق خالقهم وحقوق بعضهم بعضًا. لقد قال المسيح الموعود ميرزا غلام أحمد القادياني (عليه الصلاة والسلام) ذات مرة مخاطبًا أتباعه: “وفقا للروح الحقيقية لتعاليم الإسلام، هناك جزءان للدين أو يمكن القول إن الدين يقوم على أساس هدفين، أولهما الاعتراف بالله الواحد مع اليقين المطلق والحب الصادق له وأن تُخضعوا أنفسَكم تماما في طاعته كجزء من متطلبات الحب والخضوع. والهدف الثاني هو خدمة الناس وتوظيف المرء جميع قدراته وملكَاته لخدمة الآخرين بمحبة، وأن تظهر دائما خالص الامتنان لمن هو جيد معك وأن ترد له الجميل في المقابل، سواء كان ملكًا أو حاكمًا أو كان من أبسط الناس فعليك دائمًا تقوية روابط المحبة معه”.

علاوة على ذلك، أوضح مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية أيضا المعنى الحقيقي للآية 91 من سورة النحل من القرآن الكريم التي يقول فيها الله عز وجل “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى”. لقد قال مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية إن الله قد أمر المسلمين في هذه الآية، بأن يكونوا عادلين ومنصفين مع الآخرين. لذلك، أُمر المسلمون أن يكونوا لطفاء وأن يحسنوا للآخرين جميعًا حتى لأولئك الذين لا يتعاطفون معهم أو لا يحسنون إليهم بأي شكل من الأشكال. وأخيرا، أوضح أن الآية تتطلب من المسلم أن يحب خلق الله لدرجة أن يعتبر كل شخص في العالم من عائلته المقربة. في الواقع، قد قال إن على المسلم الحقيقي أن يحب الآخرين بغض النظر عن خلفيتهم أو معتقداتهم تمامًا كما تحب الأم طفلها فهو بالتأكيد أعلى وأنقى أشكال الحب، لأنه وحسب شروط هذه المرحلة الثانية التي يظهر فيها الشخص العطف والإحسان، من المستحيل أن يبقى أي شيء من الأنانية فيه، سواء أكانت سرية أو علنية. عند نقطة معينة قد يذكّر المرء الآخر بلفتته الكريمة ويطلب معروفًا في المقابل، ولكن حب الأم غير أناني وإيثاري ورابطتها الفريدة مع طفلها هي لدرجة أنها على استعداد للتضحية بكل شيء من أجل أبنائها، ولا تريد منهم أي مقابل ولا حتى أي شكل من أشكال الثناء أو المدح. لذلك، هذا هو المعيار الأعلى الذي يدعو إليه الإسلام حيث عُلّم المسلمون حب البشرية جمعاء كما تحب الأم أبناءها، وهذه هي التعاليم الحقيقية للإسلام. لقد قال الله سبحانه وتعالى إن على المؤمنين به التحلي بصفاته، لذا من المستحيل للمسلم الحقيقي أن يكون قاسيًا ومن المستحيل للإسلام أن يسمح بأي شكل من أشكال الظلم والعنف والتطرف. على مر السنين، ذكرتُ هذه النقاط مرارا وتكرارا وأبرزت هذه التعاليم الإسلامية الأساسية. لقد نقلت مرارا من القرآن الكريم لأثبت أن ما أقوله مبني على تعاليم الإسلام الأصيلة. ومع ذلك، بقيت رسالتنا السلمية والشاملة لا تحظى بالتغطية على نطاق واسع في وسائل الإعلام. في حين، من ناحية أخرى، يتم إعطاء هؤلاء الحفنة من الأشخاص الذين يشاركون في الوحشية والمذابح التغطية الإعلامية والاهتمام في جميع أنحاء العالم دون توقف. ليس ثمة شك في أن وسائل الإعلام تلعب دورا كبيرا في التأثير على الرأي العام، لذا يجب على وسائل الإعلام استخدام هذه السلطة بطريقة مسؤولة؛ كقوة للخير، وكقوة للسلام. يجب أن تظهر للعالم ما هو الإسلام الحقيقي بدلا من التركيز على الأفعال الوحشية لأقلية. الدعاية هي الأكسجين الذين يدعم معظم الجماعات الإرهابية أو المتطرفة. لذلك ليس لدي أي شك في أنه إذا أخذت وسائل الإعلام على عاتقها ما قلته، فسنجد قريبًا أن الإرهاب والعنف الذي يعاني منه العالم بدأ بالتلاشي. أنا شخصيا، لا أستطيع فهم كيف يمكن للمتطرفين الذين شوهوا الإسلام وانتهكوا تعاليمه النبيلة، أن يسعوا لتبرير أفعالهم البغيضة باسمه.

إن تعاليم الإسلام السلمية تحظر جميع أشكال التطرف، إلى حد أنه حتى في حالة الحرب المشروعة، قد قال الله إن العقاب يجب أن يكون متناسبًا مع الجريمة المرتكبة. وأنه من الأفضل الصبر والصفح. وهكذا، كل هؤلاء الذين يسمون بالمسلمين، ممن يشاركون في العنف والظلم والوحشية إنما يستنزلون غضب الله وإن غضب الله على مرمى حجر منهم.

في الوقت الذي يتزايد فيه الخوف من الإسلام، اسمحوا لي أن أشدد مرة أخرى على أن القرآن الكريم قد أمر مرارا بالحب والرحمة والإحسان. وفي بعض الظروف القصوى، سمح القرآن بالحرب الدفاعية، وكان ذلك فقط من أجل إحلال السلام. اليوم نرى أن غالبية الحكومات أو الجماعات، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، متورطون في الحرب، ويدّعون أيضا أنهم يقاتلون في سبيل إحلال السلام. من حيث التصور يبدو أن معظم الناس على استعداد للتغاضي عن الحروب التي جرت من قبل بعض القوى العالمية أو على الأقل لا ينسبون أعمالهم لأي دين أو معتقد. ولكن وحيث نعيش في مناخ تُستهدف فيه تعاليم الإسلام، نرى أن جميع الأعمال الوحشية والحروب التي قام بها المسلمون تعزى مباشرة لتعاليم الإسلام. ولكن أصوات هؤلاء الناس وتلك الجماعات التي تسعى بجدية لنشر التعاليم الصحيحة والسلمية للإسلام غير مسموعة ولا يتم الإعلان عنها على نطاق واسع.

برأيي هذا أمرٌ مجحف جدًا ونتائجه عكسية. ففي وقت الصراع العالمي، علينا أن نتذكر هذا المبدأ الأساسي، وهو أنه يجب قمع جميع أشكال الشر والقسوة، ونشر جميع أشكال الخير والإنسانية. وبهذه الطريقة لن ينتشر الشر بعيدًا، في حين ستنتشر الفضيلة والسلام بين القاصي والداني وسوف تزين مجتمعنا. إذا ما نشرنا الخير الذي يحدث في العالم، يمكننا التغلب على أولئك الذين يسعون إلى تقويض قيمنا الثمينة من الرحمة والإنسانية.

ومع ذلك، لا يبدو أن العالم قد قبل أو فهم هذا المبدأ وهذا هو السبب في استمرار وسائل الإعلام بإعطاء الأولوية لتداول الأمور البعيدة عن السلام في العالم. إن وسائل الإعلام التي تركز بكل سرور على أقلية صغيرة متورطة في الوحشية تغذي الحملة الدعائية للجماعات الشريرة كداعش. ولكنها تفشل في أداء واجبها في تسليط الضوء على كل ما هو خير في العالم. هذا هو الظلم المتمثل في بذر بذور المزيد من الانقسام والصراع.

ومن حيث السياسة العالمية وهزيمة الإرهاب، من الضروري أن نقبل بأن إحلال السلام هو هدفنا الأسمى. وهكذا، فإن التنازلات مطلوبة من جميع الأطراف. وفي حال كنتم لا تثقون بكلام مسلم، اسمحوا لي أن أقدم لكم وجهات نظر أشخاص بارزين غير مسلمين ممن هم على دراية جيدة بالشؤون السياسية والذين يرغبون بإحلال السلام في العالم. على سبيل المثال متحدثًا عن كيفية هزيمة التطرف وبخاصة الجماعات الإرهابية قال وزير الخارجية النمساوي: “نحن بحاجة إلى نهج عملي، بما في ذلك إشراك الرئيس الأسد في المعركة ضد إرهاب الدولة الإسلامية. برأيي -وهذا قوله- إن الأولوية هي مكافحة الإرهاب وهذا غير ممكن بدون وجود قوى كبرى مثل روسيا وإيران” وعلاوة على ذلك البروفيسور جون غراي، وهو فيلسوف سياسي متقاعد درّس لسنوات عديدة في كلية لندن للاقتصاد، كتب مؤخرا عن أهمية إعطاء الأولوية للسلام على نوع النظام السياسي في مكان ما فقد قال: “إن نوع الحكومة ديمقراطية، أو استبدادية، أو ملكية أو جمهورية أمرٌ أقل أهمية من القدرة على تقديم السلام.” برأيي، كان هذا التعليق ثاقبًا جدًا، ولكن تواصل القوى الكبرى في العالم إعطاء الأولوية لتغيير النظام في البلدان التي كانت في السابق مستقرة نسبيا. على سبيل المثال، صمم الغرب على إزالة صدام حسين من العراق واستمرت العواقب المؤلمة لتلك الحرب ثلاثة عشر عاما حتى يومنا هذا. ومثال بارز آخر هو ليبيا، حيث أزيح الرئيس القذافي قسرًا من منصبه في عام 2011، ومنذ ذلك الحين تحولت ليبيا إلى دولة منعدمة القانون وتسودها الفوضى. وكانت النتيجة المباشرة للفراغ السياسي في ليبيا أن بَنت داعش الآن في تلك البلاد أساسا هامًا لها وشبكة إرهابية مستمرة في التمدد. الوضع الآن خطير جدًا، ليس فقط بالنسبة للمنطقة، ولكن أيضا لأوروبا وهذا هو الشيء الذي حذرت منه قبل بضع سنوات. وبالتالي فإن الأولوية في هذه البلدان لا ينبغي أن تكون تغيير النظام من أجل التغيير. بل يجب أن تكون ضمان منح الناس حقوقهم القانونية وإنشاء سلام طويل الأمد.

وبالعودة إلى سوريا، أنا أتفق مع وزير الخارجية النمساوي عندما قال إن الهدف الرئيس يجب أن يكون بناء السلام. وبالتالي يجب أن تكون القوى الكبرى على استعداد لفتح قنوات اتصال مع الحكومة السورية والسعي للحصول على مساعدة الدول المجاورة الأخرى التي لها نفوذ في المنطقة. تذكروا إن التغيير الإيجابي ممكن فقط إذا كان الجميع مستعدين للتخلي عن مصالحهم الشخصية لتحقيق الصالح العام وكانوا على استعداد للعمل بعدالة في جميع الأوقات.

كما قلت آنفًا، الإسلام يقول إن العدالة هي الأساس الذي يبنى عليه السلام. لذا يجب أن نلتفت إلى القضايا الملحة في عصرنا. حذرتُ لسنوات عديدة من أن العالم يتحرك بسرعة نحو حرب عالمية أخرى، والآن وصل البعض إلى نفس النتيجة. في الواقع يقول بعض الشخصيات البارزة الآن إنهم يعتقدون أن الحرب العالمية قد بدأت بالفعل. ومع ذلك، أعتقد أنه لا يزال لدينا وقت لوقف هذه الحرب في مساراتها، ولكن يبقى الحل، كما قلت، في العمل بعدالة، وترك جميع المصالح الخاصة جانبًا.

وفي عدد من المناسبات السابقة، تحدثت عن أهمية قطع خطوط التمويل لجماعة المتطرفين. إلا أنه لا يمكن القول إنه قد بذلت الجهود الكاملة في هذا الصدد. على سبيل المثال، ذكر تقرير صدر مؤخرا، ونشرته صحيفة وول ستريت جورنال أن داعش حصل على كميات ضخمة من الدولارات الأمريكية من المزادات التي تعقد من قبل البنك المركزي العراقي، وهذه الدولارات تقدم إلى العراق مباشرة من المجلس الاحتياطي الاتحادي في الولايات المتحدة. وذكر المقال أن الحكومة الأمريكية علمت بذلك منذ يونيو/حزيران 2015 على الأقل، ولكني شخصيا، أعتقد أن القوى العالمية عرفت عن هذا التداول منذ فترة أطول من ذلك بكثير. وعلاوة على ذلك وبالنسبة لبيع النفط، فمن المعروف أن الجماعات المختلفة وحتى الحكومات تقوم بشراء النفط من داعش.

لماذا لم توقف هذه التجارة؟ لماذا لم تُفرض عقوبات شاملة لمنع مثل هذه الأفعال؟ يبدو أنه عندما يتعلق الأمر بالنفط تخرج الأخلاق من النافذة. وكانت هذه هي النقطة التي علق عليها أيضًا البروفيسور ليف وينر من كينجز كوليدج في لندن في مقال نُشر مؤخرا حيث قال “إن العالم يتسامح مع جميع أشكال الفظائع من أجل كسب النفط. وعليه فإن دولًا قد اشترت النفط من داعش ومن السودان حيث الانتهاكات الكثيرة لحقوق الإنسان. يعتبر هذا انتهاكا لاقتصاديات السوق الأساسية المناسبة، حيث إن العنف يجب أن لا يعطي حقوق الملكية.” كذلك وفي مقال آخر نشر مؤخرا، أوضح مدير دراسات الطاقة في العراق كيف تبيع داعش نفطها حيث قال: “يتم نقل النفط الخام إلى الأردن عن طريق منطقة الأنبار، وإلى إيران عبر كردستان وإلى تركيا عبر السوق المحلية السورية، وإلى إقليم كردستان في العراق، حيث يُكرر غالبيته محليًا. إن هذا يظهر جليًا أن المسؤولين في الدولة متواطئون في هذا. لذلك، في حين يُزعم أن كل الجهود الممكنة تُبذل للقضاء على الإرهاب والتطرف، فإن الأدلة لا تثبت صدق هذا الادعاء. وبالنظر إلى كل هذا، كيف يمكن القول بأن هناك عدالة حقيقية في العالم؟ كيف يمكن الادعاء أن الصدق والنزاهة تعتبران ذات أهمية قصوى. وبالمثل فإن تغطية إعلامية واسعة النطاق توثق تجارة الأسلحة العالمية، فوفقًا لتقارير رسمية، صدّرت الولايات المتحدة في العام الماضي أسلحة بقيمة 46.6 مليار دولار، أي بزيادة أكثر من 12 مليار دولار عن السنوات السابقة. وأفادت التقارير أيضا أن غالبية تلك الأسلحة قد بيعت إلى دول في الشرق الأوسط. وكانت بالتالي تغذي الحروب في سوريا والعراق واليمن. وأكرر أنه إذا كانت مثل هذه التجارات تحدث، فكيف يمكن للعدالة والسلام أن يتأسسا؟ هذه الأمثلة القليلة التي ذكرتها كلها معروفة للجميع وهي وجهات نظر لمحللين ومعلقين معروفين. مالم تسُد مبادئ العدالة على جميع مستويات المجتمع، وبين الأمم، فإننا لن نرى السلام الحقيقي في العالم. ومن دون العدالة يمكن أن يأخذ الأمر عقودًا لهزيمة الشر الذي هو داعش والجماعات المتطرفة الأخرى. لكن لو قام العالم الذي يسمع هذه الرسالة بإظهار العدالة وبذل الجهود الحقيقية لقطع خطوط التمويل والإمداد للإرهاب، فأعتقد على عكس الجنرال العسكري الأمريكي المتقاعد الذي قال مؤخرا “إن الحرب ضد داعش ستستمر ما بين عشرة إلى عشرين عاما”، أن الشبكة الإرهابية التي تؤرق العالم يمكن تدميرها فورًا.

في الختام أعتقد أنه إن لم يعترف العالم بخالقه، ويقبله ربًا للعالمين، لا يمكن للعدالة الحقيقية أن تسود. ليس فقط لن تسود العدالة الحقيقية، ولكننا أيضا سنواجه حربًا نووية فتاكة، والتي ستواجه عواقبها الكارثية أجيالنا القادمة.

أدعو الله أن يتمكن العالم من فهم هذا الواقع. أدعو الله أن يلعب كلٌ منا دوره في خدمة البشرية. وأدعو الله أن يعم السلام الحقيقي القائم على العدل جميع أنحاء العالم. بهذه الكلمات أود أن أغتنم مرة أخرى الفرصة لأشكر جميع ضيوفنا على انضمامهم لنا هذا المساء. بارك الله فيكم جميعا. شكرًا جزيلًا.

رابط مختصر
أترك تعليقك
1 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.