خطبة الجمعة بتاريخ 08/04/2016

آخر تحديث : الخميس 8 سبتمبر 2016 - 6:35 مساءً
2016 04 12
2016 09 08
خطبة الجمعة بتاريخ 08/04/2016

خطبة الجمعة التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام يوم 08/04/2016 في مسجد بيت الفتوح بلندن

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. “بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّينَ”. (آمين).

ذات مرة تناول سيدنا المصلح الموعود رضي الله عنه موضوعًا أنه يجب علينا أن نفحص أنفسنا بانتظام لنتأكد هل تطابق أعمالُنا وأفعالنا وقراراتُنا القرآنَ الكريم والحديث أم لا.

حين لا نجد أي توضيح في القرآن والحديث في قضية ما نفكر كيف ننجزها، يجب العمل في مثل هذا الوضع بحسب سنة علماء السلف وقراراتهم. وفي هذا الصدد يقول حضرته رضي الله عنه: ذات يوم سُئل سيدنا المسيح الموعود عليه السلام: كيف ينبغي أن نحل مشاكلنا ومن أين يجب أن نأخذ التوجيه والإرشاد؟ فقال عليه السلام: إن منهجي أنه يجب أن نتحاكم إلى القرآن الكريم أولا، وإن لم نجد أي توجيه في القرآن الكريم فينبغي أن نبحث عنه في الحديث، وإن لم نجده حتى في الحديث فيجب أن نتخذ القرار بحسب استدلال الأمة. أي بحسب القرارات والأدلة التي صدرت في الأمة سلفًا. هنا أود أن أوضِّح أن المسيح الموعود عليه السلام قد قال أيضا: إن السنة فوق الحديث درجةً، لذا فالأمور التي ثبتت من السنة فلا بد من العمل بها حتمًا، وبعدها الحديث. فالسنة هي الأعمال التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم ثم تعلَّمها منه الصحابة ومنهم تعلَّم التابعون ومنهم تعلَّم تابعو التابعين، وبذلك عملت بها الأمة.

باختصار قد وجَّهَنا المصلح الموعود رضي الله عنه إلى أن نحاسب أنفسنا ونستعرض أوضاعنا بحيث يجب أن نقوم حصرا بما سمح لنا به الله عز وجل ورسولُه صلى الله عليه وسلم من أعمال. من الملاحظ أن بعض الناس يُبدون الحماس المفرط للحسنات فهم يبالغون فيها لدرجة يُلقون أنفسهم في المصيبة ويظلمون أنفسهم. وهناك أناس بل هم في الغالبية ينظرون إلى أحكام الله ورسولِه بنظرة عابرة ولا يعملون بها كما يجب. فالناس من كلا هذين النوعين يقومون بالإفراط والتفريط، ويَخرجون من نطاق أوامر الله ورسوله. فهناك أمثلة للذين يتحمسون بإفراط للحسنة. هنا قدَّم حضرته مثال امرأة كانت تريد إنجاز عمل باسم الحسنة بأسلوب لا يجوز، وهو ليس حسنة في الحقيقة، لأن الله ورسوله لم يأذنا بذلك. وفي هذا الحادث الذي أذكره درسٌ للذين يعيرون أحيانا أهمية قصوى لرؤاهم، مع أنهم لم يحوزوا مكانة عظيمة حتى يقال إن كل رؤيا لهم صادقةٌ وتتضمن رسالة ما. يقول المصلح الموعود رضي الله عنه: اليوم جاءتني امرأة من سكان قاديان القدامى وفي دماغها اختلال، فقالت: رأيت في الرؤيا أن المسيح الموعود عليه السلام قابلني وأمرني بأن أصوم لستة أشهر متواصلة فسوف يستعيد خليفةُ المسيح بذلك صحته. (هذا من أوائل أيام مرض المصلح الموعود رضي الله عنه) ثم قالت: لكن جميع العلماء الذين سألتُهم عن صيام ستة أشهر متواصلة قالوا إنه ممنوع. ثم قالت: لقد قال لي ميانْ بشير أحمد المحترم: يمكن أن تصومي كل يوم اثنين وخميس. ثم قالت: رأيت المسيح الموعود عليه السلام مرة أخرى في الرؤيا وقال لي: لقد قلت لكِ أن تصومي لستة أشهر متواصلة فلماذا لم تصومي؟ يقول المصلح الموعود رضي الله عنه قلت لها: مستحيل أن تفوق رؤياك إلهاماتِ المسيح الموعود عليه السلام. فحضرتُه أيضًا قال عن إلهاماته: إذا كان أي إلهام لي معارضًا للقرآن والسنة فسوف أرميه كالبلغم، أي أُخرجه من حلقي وأرميه. فإذا كان المسيح الموعود عليه السلام يجعل وحيه مطابقا للقرآن والسنة لهذه الدرجة، فيجب أن نجعل رؤانا أيضا مطابقة لأحكامه. فما دام قد ثبت من النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أفراد الأمة عن الصيام المتواصل أو لمدة طويلة، لذا يجب أن تعَدّ رؤياك المعارضة لهذا الحكم شيطانيةً، مهما قلت إنك رأيتِ المسيح الموعود عليه السلام يقول لكِ ذلك فلن تُعَدَّ من الله. فلو كانت رؤياك من الله لصدَّقتْ قولَ النبي صلى الله عليه وسلم وما عارضتْه. إذن إنْ كانت الرؤيا تعارض فتوى القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم وسنته فهي مردودة لا محالة. لأنه من المستحيل أن تكون الرؤيا المعارِضة للقرآن الكريم والسنة صادقةً، ولا يمكن أن تكون الرؤيا المعارضة للحديث الصحيح أيضا صادقةً.

فتأسيس قضية ما- حتى لو كانت من الحسنات- على الرؤى، وإلقاء النفس في مشكلة لا تطاق، خطأٌ وعمل غير صالح بل يصبح أحيانًا إثمًا. أما الذي قد أراد الله عز وجل أن يبعثه مأمورًا منه فمعاملته عز وجل معه مختلفة تماما. فهو لا يكون من العامة، ولا يقاس على شخص من العامة. قد يخطر ببال أحدكم أن المسيح الموعود عليه السلام كان قد صام لستة أشهر. فليكن واضحًا أولا أن الله عز وجل كان قد قدَّر أن يجعله نبيًّا، وثانيا قد قال المسيح الموعود عليه السلام نفسُه عن ذلك، وأقدِّم لكم ماذا نصحَنا في ذلك، يقول حضرته: “رأيت مرة في المنام شخصًا من أهل الله متقدِّمًا في السنّ، جميل المظهر، فقال لي ما مفاده: إنَّ من سنة أهل بيت النبوة الصيامَ لبعض الأيام من أجل الأنوار السماوية، وأشار إليَّ أن أتأسّى بسنة أهل البيت هذه. فرأيت من المناسب أن ألتزم بالصيام لفترة من الزمان… ومن العجائب التي حظيتُ بها من خلال هذا النوع من الصيام تلك المكاشفات اللطيفة التي كُشفت عليَّ؛ (لقد بدأ الله عز وجل بعده سلسلة من الكشوف والإلهامات، ثم بيَّن شيئا من التفصيل بذلك فقال): باختصار إن من العجائب التي ظهرت عليَّ في فترة الصيام تلك، ضروبٌ من المكاشفات. ولكني لا أنصح كل واحد أن يقوم بمثل هذا الصيام، كما لم أقم به أنا أيضًا بناء على رغبتي. اعلموا أنني لم أتحمّل هذه المشقة الجسدية إلى فترة ثمانية أو تسعة شهور- حيث ذقت الجوع والعطش- إلا بأمر من الله، تلقيته بواسطة الكشف الصريح، ولم أعُد إلى تكرارها إلا نادرًا.”

فلما كان الله عز وجل قد قدر له هذا المقام لذا أَذِن له بذلك. ثم بعد ذلك ترك العمل به على الدوام، ويقول كنت أصوم أحيانا، وقد نهى أتباعه أيضًا عن ذلك.

ثم من التهم التي تُلصَق بالمسيح الموعود عليه السلام أنه بإنشاء جماعة بعد بعثته قد خلَق فسادا حيث اخترع الفرقة الثالثة والسبعين، بينما كانت الحاجة ماسَّة إلى تقليل الفِرق، لكنه بإنشاء فِرقة جديدة زاد عدد الفِرق والفُرقة. ومن الجدير بالذكر أن مثل هذا الكلام يقال للأنبياء عند بعثتهم، إذ كان أهل مكة أيضا يتهمون النبي صلى الله عليه وسلم أنه فصَل الأخ عن أخيه، وبث فيهم الشقاق والعداء. مع أن الفساد كان منتشرا سلفا. وهذا هو حال المسلمين في العصر الحاضر إذ كان يسودهم الفساد سلفا. إنما يبعث الله نبيا لكي يزيل الفساد والفتن، ولكي يسعى الناس للاتحاد على يد واحدة، فالذين يؤمنون يكونون في أمن، ويشكِّلون وحدة ويبتعدون عن الفتن والفساد. أما الآخرون فيتورطون في الفساد والفتن. فمهما عارضَنا هؤلاء ومهما تحالفوا ضدنا، هم مفترقون فيما بينهم وقلوبهم شتى، وليسوا متوحدين، وتدور بينهم نزاعات على الدوام. فما داموا لا يؤمنون بالإمام سيبقى حالهم هكذا. وسواء كان عدُّونا مسلمين أو غير مسلمين ومهما سمَّونا لكننا مسلمون حقيقيون بحسب تعريف الله عز وجل للمسلم وبحسب تعريف النبي صلى الله عليه وسلم للمسلم، ولا يقدر أن ينزع عنا هذا الاسم أحد. يقول سيدُنا المصلح الموعود رضي الله عنه في بيان هذه الفتن: لقد ذكر لي أحد الإخوة أن أحدًا من أهل الحديث كان يصلي ذات يوم جماعةً مع الأحناف في مسجدهم، فرفَع السبابة في القعدة الأخيرة عند التشهد. فما أن رفعها حتى انهال عليه جميع المصلين قاطعين صلاتهم قائلين: يا ابن الحرام، يا ابن الحرام! وليكن معلوما أن الأحناف لا يرفعون السبابة عند التشهد في الصلاة، فلم يراعوا أنهم يصلّون وأن نقض الصلاة إثم شنيع. ربما كانوا ينظرون إلى إصبعه في الصلاة فقطعوا الصلاة وبدأوا يسبّونه ويضربونه. يقول المصلح الموعود رضي الله عنه لما كان مثل هذا الفساد سائدا قبل بعثة المسيح الموعود عليه السلام فقد قام بالإصلاح وإزالة الفساد. ثم يتساءل حضرته هل الذي يضرب أحدا يُعدَ مفسدًا أم الطبيب الذي يُقبل على العلاج بمبضع؟ فالجارحون نوعان أحدهما من يضرب أحدًا ويجرحه والثاني هو الطبيب الذي يقوم بعمل الجرْح قصد العلاج، فإذا كان المرء مصابا بالحمى وكان فمه مرًّا، وأعطاه الطبيب الكينا المرَّ، فلا أحد يصف الطبيب ظالما إذ قد زاد مرارة فم المريض بإعطائه الكينا. فما مبرر الاعتراض على إخراج الطبيب للبلغم من الجسم الفاسد؟ فلو ترك الطبيب العظم مكسورا ولم يستخدم المبضع والدواء المؤلم لتنظيف الجرح لما تحسن المريض قط بل كانت حياته في خطر. وفي هذه الحالة كيف يمكن أن يعدّ الطبيب ظالما. فحين يسبب الطبيب الألم للمريض فبقصْد العلاج.

يقول حضرته: سأل أحدهم المسيحَ الموعود عليه السلام عن الفُرقة والافتراق أنه ببعثته قد زادت الفرقة وكان الفساد يسود كثيرا سلفا. فسأله حضرته هل لحماية حليبك الجيد تضعه مع اللبن أم منفصلا عنه، (معلوما أن حماية الحليب تقتضي فصلَه عن اللبن لئلا تقع فيه أي قطرة من اللبن فيتخثر) فالواضح أن الحليب لا يبقى صالحا مع اللبن لحظة واحدة. لذا كان فصلُ جماعة المبعوث عن الآخرين ضروريا. فحين أنشأ فرقة جديدة أو جماعة منفصلة وجب فصلُهم عن الآخرين الذين كانوا قد فسدوا. كما أن الصحيح إذا جالَس المريض مرض هو الآخر. ومثل ذلك من سنة الله عز وجل أن يفصل جماعة المبعوث عن الله من المرضى الروحانيين. ولذلك أمر الله عز وجل أن تكون طقوسهم من جنازة وزواج وصلاة بمعزل عن غيرهم. يقول حضرته في خطاب في النساء إن النساء عادة يُثِرْن الاختلاف، لذا أنصح النساء وأقول إنه كما تكون رفقة الصحيح للمريض خطرًا على حياة الصحيح، فاعلموا أن هذه هي حالتكم لعلاقتكم بغير الأحمديين. غالبية النساء يقلن كيف يمكن أن نتخلى عن الأخ أو الأخت؟ يقول المصلح الموعود رضي الله عنه إنني أقول صدقا وحقا: إذا حدث زلزال أو شبَّ الحريق، فلن تبالي الأختُ بأخيها بل سوف تدفعه لتنجو بنفسها من تحت السقف المنهار. وإذا كان هذا هو الحال في الأمور المادية فلماذا لا يفكِّرنَ مثل ذلك في الأمور الدينية؟ في الحقيقة هذه الأفكار تخطر أيام الراحة أما في المصيبة فلن تخطر مثال هذه الأفكار أنه لماذا نُفصل ولمَ هذا الشقاق. يقول حضرته: هذا لا يحدث في المصيبة فحيث إنكم لم تدركوا الدين بعد لذا تستولي عليكم أفكار الراحة هذه، أما إذا كنتم تواجهون المصيبة فلن تخطر ببالكم هذه الأفكار ولن تظهر منكم ردة الفعل هذه. فإذا أرسل الله إلى أحدكنّ ليلا ملكَ الموت فقال لها: إنني أُمرت بإخراج روح أخيك أو أحد أقاربك لكنني أتركه وأُخْرج روحك، فلن تقبل بذلك أي امرأة. يقول الله عز وجل: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا”. فإذا زُوجتْ مؤمنةٌ بالمسيح الموعود عليه السلام من غير أحمدي، فسوف تبتعد حتما عن الأحمدية بسبب زوجها، أو ستموت متضايقة، فالملاحظ أنه تمارس عليها القسوة بعد الانتقال إلى بيت زوجها. وتُبعد من أقاربها بسبب التعصب الديني. هذا ما يحدث في هذه الأيام أيضا. فهذا أيضا نوع من النار، فهل من سيدة تلقي بابنتها في النار بيديها؟ ولكن الناس يلقون بالبنات في النار من أجل علاقات بسيطة. فيجب اجتناب هذا التصرف. عندما لا نزوّج بناتنا في غير الأحمديين نُتَّهم بأننا نخلق الفُرقة. ولكن الأمر ليس كذلك بل نسعى أن نجنّب أنفسنا المشاكل ونحاول أن نؤثر الدين على الدنيا. ولكن لن يفهم هذا الأمر إلا من يدرك روح إيثار الدين على الدنيا، وهذا الأصل ينطبق على الشباب الأحمديين الذين يعرضون عن الفتيات الأحمديات ويتزوجون غير الأحمديات. فعلى الشباب أن يعلموا بأنهم إذا كانوا يحسبون أنفسهم أحمديين حقيقيين فعليهم ألا يتّبعوا رغباتهم الشخصية بل يجب أن يتزوجوا الفتيات الأحمديات عندما يحين وقت الزواج، وعليهم أن يؤثروا الدين وأجيالهم القادمة على أهوائهم وإلا فليعلموا أن الأجيال لا تفسد بزواج الفتيات في غير الأحمديين فحسب، بل تفسد نتيجة زواج الشباب أيضا من عائلات غير أحمدية. على المرء ألا ينضم إلى الأحمدية نتيجة الضغط من المجتمع أو الأقارب بل يجب أن يكونوا أحمديين حقيقيين بفهم الدين جيدا. إذا بدأ الشباب بالزواج في خارج الجماعة فماذا ستفعل الفتيات الأحمديات؟ باختصار، يجب على الشباب أن يتأملوا هذا الأمر، وإن لم يأخذوا الحذر والحيطة في هذا الموضوع بعين الاعتبار- علما أن هذه الظاهرة في تزايُد في هذه الأيام- فستتفاقم هذه الظاهرة أكثر في المستقبل، ولن تبقى الأحمدية في أجيالهم القادمة إلا ما رحم ربي بوجه خاص. أقول عادة للشباب الذين يريدون الزواج في خارج الجماعة أن عليكم أن تؤدوا حقوق الفتيات الأحمديات أيضا، بمعنى أنه إذا تزوجتم في خارج الجماعة مضطرين فعليكم أن تُدخلوا شابا غير أحمدي في الأحمدية وتجعلوه أحمديا مخلصا ثم تزوِّجوه من فتاة أحمدية. وهذا الأمر سيوجّه أنظاركم إلى تبليغ الدعوة أولا، كذلك من الممكن أيضا أن يوجِّه هذا الشعور أنظاركم إلى الزواج من الفتيات الأحمديات.

باختصار، تواجهنا مشاكل فيما يتعلق بتزويج البنات، وهذه المشاكل لم تظهر للعيان اليوم بل لا تزال موجودة منذ البداية. يقول المصلح الموعود رضي الله عنه في هذا الموضوع ما مفاده: أريد أن أقول اليوم شيئا حول قضية مهمة وهي قضية الزواج بين الأحمديين وغيرهم، وفي هذا الموضوع تواجهنا قضية الكفاءة بين الزوجين بوجه خاص. المشاكل التي يواجهها أفراد جماعتنا في موضوع الزيجات كنت على علم بها من قبل، ولكن في غصون هذه الأشهر التسعة اطلعت على مشاكل وعراقيل أكثر من ذي قبل. (المراد من الأشهر التسعة هنا هي فترة خلافته، إذ عُقدت الجلسة بعد تسعة أشهر تقريبا من توليه منصب الخلافة وقد ألقى رضي الله عنه فيها خطابا في عام 1914م). يتبين من رسائل الإخوة أن أفراد جماعتنا يواجهون مشاكل كثيرة في هذا الموضوع. أقول: لا يزال الحال على هذا المنوال اليوم أيضا وهذه المشكلة ما زالت قائمة، وعلينا أن نحلَّها.

يقول رضي الله عنه بأن المسيح الموعود عليه السلام قدّم في هذا المجال اقتراحا أن تُسجّل أسماء الشباب والفتيات الأحمديات في سجلّ معين. وقد فتح  هذا السجل باقتراح من أحد الإخوة الذي قال له: سيدي نواجه مشاكل كثيرة في الزيجات إذ تقول بألا ننشئ علاقات الزيجات مع غير الأحمديين أما أفراد جماعتنا فهم منتشرون هنا وهناك، فماذا نفعل؟ فليكن هناك سجلّ تُسجَّل فيه أسماء الشباب والفتيات الأحمديات غير المتزوجات حتى يسهل أمر زواجهم. فألتمس من حضرتكم أنه كلما تقدم أحد للزواج يمكنكم أن تقدّموا اقتراحا لزواج مناسب بعد البحث من السجل لأنه لن يرفض اقتراحكم أحد من الأحمديين. هذا ما قاله الأخ المذكور للمسيح الموعود عليه السلام.

هناك بعض الناس الذين يقدّمون أمرا ويقدّمون فيه أهدافا شخصية وبالنتيجة يواجهون أنواع الابتلاءات حتما في نهاية المطاف.

يقول المصلح الموعود رضي الله عنه بأن الناس في بعض الأحيان يقدمون مشاكلهم ولكن تكون فيها أهدافهم الشخصية أيضا كامنة وبالنتيجة يواجهون الابتلاء. يبدو أن نية الشخص الذي قدّم الاقتراح المذكور أمام المسيح الموعود عليه السلام لم تكن صالحة. ففي الأيام نفسها احتاج أحد الإخوة المخلصين والصالحين إلى الزواج، وكان للشخص الذي قدم إلى المسيح الموعود عليه السلام اقتراحا لفتح السجل بنتٌ، فذكر المسيح الموعود عليه السلام للمتقدم للزواج اسم صاحب الاقتراح وقال: يمكنك أن تفتح معه موضوع الزواج. أي عندما تقدم شخص للزواج أرسل حضرته رسالة في هذا الموضوع إلى من قدم الاقتراح لفتح السجل ولكنه رفض ذلك مقدّما أعذارا واهية وزوّج ابنته في غير الأحمديين. عندما علم عليه السلام بذلك قال: لن أتدخّل في أمر الزيجات بعد اليوم. وهكذا توقّف العمل بالاقتراح المذكور، ولو بدأ العمل بذلك الاقتراح لما واجه الإخوة الأحمديون ما يعانونه من مشاكل اليوم في أمر الزيجات. ففي بعض الأحيان يتسبب إنكار حكم واحد للنبي في ابتلاء دائم للجماعة. إن معظم الناس يشعرون بخطئهم بعد فترة وجيزة من التزويج في غير الأحمديين ويطّلعون على مشاكل كبيرة تنتج عن ذلك. ففي هذه الأيام أيضا يكتب إليَّ كثير من الناس- كذلك الفتيات بأنفسهن أو آباؤهن- بأننا أخذنا هذا القرار والآن نواجه مغبته السيئة، إذ تضطر البنات إلى الابتعاد عن الدين. وإضافة إلى ذلك هناك بعض الأصهار أو الأزواج الذين يمنعونهن من اللقاء بآبائهن وأقاربهن. وهناك أناس آخرون يرفضون- بسبب كبرهم- اقتراح الزواج ولو جاء من قِبل الأحمديين المخلصين بينما تكون الفتاة والشاب راضيين بالزواج. ويحدث أحيانا أنني أنصح بعض العائلات بالتقدم في أمر زواج معين ولكنهم يرفضون بسبب كبرهم. على أية حال، كان هناك أناس رفضوا اقتراح المسيح الموعود عليه السلام فلا غرابة فيما لو رفضوا اقتراحي. ولكنهم يواجهون عاقبة وخيمة جدا عادةً.

لقد حدث حادث من هذا القبيل في ألمانيا مثلا إذ لم يزوّج الوالدان ابنتهما بحسب رغبتها أو إصرارها بل بلغ بهم الأمر إلى قتلها، والآن يقضون أيامهم وراء القضبان. فإذا كانت الفتاة والشاب الأحمديان راضيَين بالزواج فينبغي على الآباء ألا يتعنّتوا ولا يستكبروا.

ولكن يجب أن يكون واضحا للفتيات أيضا فيما يتعلق بأمور الزواج أنه مما لا شك فيه أن موافقة الفتاة ضرورية في أمر زواجها وقد ثبّت النبي صلى الله عليه وسلم موافقتها، ولكن إلى جانب ذلك فرض الإسلام أن الزواج لا يجوز بغير إذن الولي. يقول المصلح الموعود رضي الله عنه بأن الله تعالى قد أرسل المسيح الموعود عليه السلام وهو مبعوث من عنده فعلا وقد وضّح لنا أن شريعتنا الإسلامية تقول بأن النكاح بغير إذن الولي لا يجوز، غير أن هناك بعض الاستثناءات التي وضعتها الشريعة بنفسها، وإذا عُقد القران بغير إذن وليّ فهو باطل. ومن واجبنا أن ننصح مثل هؤلاء الناس وإن لم يقبلوا فيجب قطع العلاقة معهم.

إذًا، الأحداث من هذا القبيل كانت تحدث في زمن المسيح الموعود عليه السلام أيضا أحيانا. فمثلا كانت هناك فتاة أرادت الزواج من شخص ولكن لم يقبل والداها بذلك، فذهب هذا الشخص والفتاة إلى قرية قريبة من قاديان اسمها “نَنْغَلْ” وعقدا قرانهما على يد شيخ وروّجا أنهما متزوجان. ثم جاءا إلى قاديان ولكن المسيح الموعود عليه السلام أخرجهما منها، وقال بأن هذه الفعلة تنافي الشريعة؛ إذ عُقد القران بموافقة الفتاة فقط ولكن بغير إذن الولي. معلوم أن الفتاة في الحالة المذكورة كانت موافقة وقالت بأنها تريد الزواج من ذلك الرجل، ولكن لما كان القران قد عُقد بغير إذن الولي فأخرجهما المسيح الموعود عليه السلام من قاديان. كذلك عُقد قران في عهد المصلح الموعود رضي الله عنه أيضا على النحو المذكور فقال رضي الله عنه بأن هذا القران غير جائز. قالت والدة الشاب: ما دامت الفتاة موافقة فما المشكلة إذا تزوّج بها ابني؟ فقال لها المصلح الموعود: صحيح أن ابنك معجَب الآن بامرأة لذلك تقولين بأنه ما دامت الفتاة راضية فما الحاجة إلى إذن ولي، ولكن لديك أيضا بنات، وإذا كنّ متزوجات فستكون لديهن بنات فهل تحبين أن تهرب إحداهن مع رجل على هذا النحو؟

فكما قلتُ من قبل يجب ألا يكون الآباء متشددين دون مبرر فلا يمنعوا الزيجات بسبب حميتهم الزائفة وبغير سبب معقول، فيرتكبوا فعلة غاشمة مثل القتل، وكذلك لا يسمح الإسلام للفتيات أيضا أن يخرجن من بيوتهن ويعقدن القران بأنفسهن في محكمة أو على يد شيخ. أما إذا واجهن ظروفا قاهرة فلهن أن يكتبن إلى الخليفة وسيأخذ الخليفة قرارا بالمعروف نظرا إلى الظروف.

فإذا وضع الجميع مبدأ إيثار الدين على الدنيا نصب أعينهم فسوف يُكرمهم الله بأفضاله.

في إحدى الخطب بيّن المصلح الموعود رضي الله عنه موضوع ضرورة حب الله تعالى من أجل الإكثار من ذكره وإنشاء العلاقة معه وقال بأنه يجب على المرء أن يضع صفات الله في باله دائما ويتأمل فيها ثم يوطّد علاقة ذاتية مع الله بواسطة تلك الصفات، عندها فقط يدرك الإنسان حقيقة حب الله تعالى. وإن قانون الله السائد في الطبيعة هو أنه من الضروري لخلق العلاقة والحب المادي في الدنيا أن يكون المرء إما حائزا على قرب حبيبه المتوقع أو أن تكون أمامه صورته وملامحه على الأقل حتى يقدر على إظهار الإعجاب أو عدم الإعجاب به. فيقول رضي الله عنه مبيّنا أنه من الضروري للحب أن يكون الحبيب المتوقع موجودا أو صورته على الأقل. فمثلا يقول الإسلام أنه عندما تُقبِلون على الزواج يجب أن تَروا مَن تريدون الزواج منه. كما يطلب الناس الصورة في هذه الأيام أيضا قبل الزواج. وهذا الأمر ليس بجديد. فقال رضي الله عنه: يقول الإسلام أنه عندما تُقبِلون على الزواج يجب أن تَروا مَن تريدون الزواج منه. وإذا كانت الرؤية صعبة فيمكن رؤية الصورة. إن رؤية الصورة كانت ممكنة في تلك الأيام وفي هذه الأيام أيضا دون صعوبة. يتابع المصلح الموعود رضي الله عنه ويقول: عندما تزوجتُ كان عمري صغيرا، فكتب المسيح الموعود عليه السلام إلى الدكتور رشيد الدين أن يرسل صورة الفتاة ففعل وأعطانيها المسيح الموعود عليه السلام. وعندما قلت بأني معجَب بهذه الفتاة عندها زوّجنيها المسيح الموعود. كيف يمكن نشوء الحب بغير الرؤية؟ بل مَثله كمثل أن يظهر الله تعالى أمام أعينكم.

إذًا، بدأ الآن ذكر حب الله تعالى وكيفية نشوء حبه. فهل يمكن أن يمثل اللهُ تعالى أمامكم ثم تضعوا يديكم على عينيكم وتتوقّعوا أن ينشأ الحب مع الله بغير الرؤية، فالحب لا ينشأ على هذا النحو. يقول المسيح الموعود عليه السلام في بيت شعره ما تعريبه: “إن لم تتسنّ رؤية الحبيب فلا بد من الكلام معه على الأقل، فلير الإنسان آثار حُسن الحبيب وجماله”. أي يجب أن يستمتع الإنسان بشيء على الأقل، فإن لم يظهر الحبيب أمام الأعين فلنسمع صوته أو لنشاهد آثار حسنه وجماله على الأقل. هذا فيما يتعلق بالصورة، ولكن ما المراد من صورة الله الذي هو الربّ؟ إن صفاته تمثّل صورته فهو رحمن ورحيم ومالك يوم الدين وستار وقدوس ومؤمن ومهيمن وسلام وجبار وقهار، بالإضافة إلى صفاته الحسنى الأخرى. فهذه هي النقوش التي تُرسم في الأذهان. فعندما نتأمل في هذه الصفات باستمرار ونرسخ معانيها في الأذهان تشكّل صفة من تلك الصفات أذنا لله والأخرى عينه وصفة أخرى تصبح يده وغيرها تشكّل جسدا له ومجموع هذه الصفات كلها يكوّن صورة الله الكاملة. فإن حب الله يقتضي أن يضع المرء فكرة صفات الله تعالى في الحسبان دائما ثم يمكن أن يحظى بحب الله تعالى بصورة حقيقية، وعندئذ يسعى الإنسان لنيل قرب الله تعالى.

يجب على المؤمن الحقيقي أن يبدي غيرة وحماسا للدين. يقول المصلح الموعود رضي الله عنه في بيان هذا الأمر: لقد سمعت من لسان المسيح الموعود عليه السلام مرارا وهناك مئات الصحابة أيضا على قيد الحياة الذين يكونون قد سمعوا ذلك بأنه عليه السلام كان يقول أن بعض الناس لا يستطيعون أن يختاروا طريقا صحيحا بناء على طبيعتهم أو لا يمكنهم ذلك على الرغم من حسن نيتهم وحسن إرادتهم. كان المسيح الموعود عليه السلام يروي أن شخصا قال لصديقه أن يبحث عن زوج مناسب لابنته، وبعد بضعة أيام جاءه صديقه المذكور وقال بأني وجدت زوجا مناسبا لابنتك فسأله ما هي بيانات الشاب؟ قال: الولد طيب جدا، ونبيل، فقال: أرجو أن تخبر مزيدا عن ظروفه، فقال: ماذا أخبر عن الظروف، إنه غاية في الطِيبة، ثم سأله مرة أخرى: أخبر بشيء آخر عنه، الطِيبة وحدها ليست بشيء، فقال: ماذا أخبرك؟ قد أجبتُ، وقلت لك إنه طيب للغاية. فقال والد البنت: لا أستطيع أن أزوّج بنتي من الشخص الذي لا يتجاوز تعريفه حد الطيبة، لا يعمل شيئا ولا يملك كفاءة غير الطيبة، غدا لو خطف أحد ابنتي فسيبقى جالسا صامتا في طِيبته. فبعض الناس لا يتحلون إلا بالطيبة.

قال رضي الله عنه: إن بعض الناس لا يملكون غيرة دينية ولا حماسة للدين، أيْ في أمور الدين أيضا يُبدون “طيبةً” لدرجة لا يكون فيهم غيرة على الدين ولا حماس في أمور الدين، فلا شك أنهم يُدعون مؤمنين لأن نيتهم صالحة، ولكن تكون طيبتهم مُضرّةً لأنفسهم كما للجماعة، لذا لا بد لهم أن يُظهروا غيرة، ففي بعض الأحيان يعترض المعترضون على نظام الجماعة ويكون هؤلاء الطيبون جالسين في مجالسهم، وهذا شيء خاطئ في كل الأحوال، إنه ليس محلّ إظهار “الطيبة” بل الجلوس في مثل هذه المجالس يُصبح قلة الحياء، وأقل ما يمكن من إظهار الغيرة هو أن يقوموا من مجالس تُثار فيها مثل هذه الاعتراضات، وإذا كان مثل هذا المعترض مثيرا للفتنة الدائمة فلا بد من إخبار نظام الجماعة، ثم على نظام الجماعة أن يُعلم الخليفة بمثل هذه الأمور لكي تُتَّخذ الإجراءات المناسبة لتداركها.

والآن أبيّن واقعةً للمشايخ غير الأحمديين الذين كانوا يسعون ليبثُّوا الحقد والكراهية في قلوب الناس ضد المسيح الموعود عليه السلام ويُغووهم، فكانوا يكذبون ولا يزالون يكذبون ويرمونه عليه السلام بالتُّهم. يقول المصلح الموعود رضي الله عنه: كان هؤلاء الناس يسمّون المسيح الموعود عليه السلام أيضا ساحرًا، أتذكر أن شخصا أسمعني أن شيخا كان يُلقي خطابا في منطقة فيرزبور بأنه لا ينبغي قراءة كتب الأحمديين إطلاقا، هذا الشيخ كان يخبر غير الأحمديين أنه لا ينبغي لهم أن يقرأوا كتب الأحمديين، ولا ينبغي الذهاب إلى قاديان أبدا. وأثناء خطابه سرد على الناس هذا الكذّابُ واقعةً شخصية افتراها تأييدا لكلامه. فكّر أنه كيف يقيم لكلامه وزنا؟ فاخترع هذه الواقعة وسردها على الناس، فقال: ذات مرة ذهبتُ إلى قاديان وكان برفقتي أحد الزعماء أيضا، فذهبنا إلى قاديان، وأقمنا في دار الضيافة، وقلنا: نريد أن نلتقي بالسيد مرزا، فجاء بعد قليل المولوي نور الدين وبدأ يقول أقوالا معسولة، وبعد قليل جاء شخص بحلوى لنا، فقال لنا المولوي نور الدين: هذه الحلوى قد أُعِدّت من أجلكم. قال الشيخ: كنتُ أعرف، لذا فهمتُ أن هذه الحلوى مسحورة، فلم أقترب منها قط، ولكن رفيقي لم يكن يعرف فأكل منها، أما أنا فتسلّلتُ من هناك بحيلة، ولم يستطع المولوي نور الدين أن يعرف أنني لم آكل الحلوى، أيْ خدعتُه ببراعة، وبعد قليل بدأ رفيقي الذي أكل من الحلوى يقول: أخذ قلبي ينجذب لدرجة أردت أن أبايع، أيْ أثّرتْ فيه الحلوى، وقال الشيخ: لكن بما أنني ما كنتُ أكلتُها فلم أتأثّر من البيئة، وبعد قليل طلب السيد مرزا إعداد عربته العالية وجلس فيها هو نفسه وأجلس معه المولوي نور الدين كما أجلسني أيضا. ثم يواصل الشيخ كذبه ويقول: بدأ السيد مرزا يتحدث إليَّ وأنا بقيتُ أحرّك رأسي وكأنني أؤيد كلامه، ففهم السيد مرزا أن هذا الشخص سيقبل دعوته، لأنه أكل الحلوى فسيقبل بالتأكيد، لأن الحلوى كانت مسحورة. يقول الشيخ: قال السيد مرزا أولا إنني نبي، ثم قال بعد قليل إنني أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم (والعياذ بالله) ثم قال: إنني إله (والعياذ بالله)، قال الشيخ: وبعدما سمعتُ هذا الكلام قلتُ: أستغفر الله، هذا كله كذب. فسأل السيد مرزا المولوي نورَ الدين مستغربا: أَوَلم تُقدّم له الحلوى، لأنه لم يُسحر، فردّ قائلا: قد قدّمتُ له ولكن من الغريب أنه لم يُسحر.

ولكن الله تعالى في بعض الأحيان يفضح الكذب فورا، وهذا ما حدث هنا أيضا، ففي المجلس نفسه كان جالسا أحدُ المحامين أيضا، وكان غير أحمدي ولكنه كان شخصا طيبا وكان قد أتى من قبل إلى الخليفة الأول للعلاج، فلما سمع كلام الشيخ وقف وقال: كنتُ أسيء الظن بالمشايخ من قبلُ أيضا، وكنتُ أرى أن المشايخ كثيرو الكذب، ولكنني الآن فهمتُ أنه لا يوجد أكثر كذبا منهم. وقال المحامي للحضور أيضا: إنكم تعرفون أنني لستُ أحمديا ولكنني في الأيام الأخيرة زرتُ قاديان شخصيا للعلاج، وأقمتُ هناك؛ فكل ما قاله الشيخ كذبٌ تماما، لا توجد فيها حتى عربة حصان ودونك عربة عالية. وكانت في ذلك الزمن عربات الحصان، ولكن الشيخ يُبين بالتفصيل أنه جاءت عربة عالية وجلس فيها المسيح الموعود وأجلس الخليفةَ الأول وأجلسه، لم يكن هناك أي تصوُّر للعربة العالية في قاديان آنذاك حتى لم تكن عربة حصان عادية أيضا ميسرة، ومن عجائب قدر الله أن العربة العالية ليست متوفرة هنا إلى الآن أيضا. (أي في الزمن الذي يتكلم فيه المصلح الموعود رضي الله عنه) يقول المصلح الموعود رضي الله عنه: لا يزال هناك من يظن أن السحر يُمارَس هنا، والسبب في ذلك أنهم يرون أن الذين ينضمون إلى هذه الجماعة يتعرضون للضرب والشتم والإهانة والخسائر المادية، ومع ذلك يبقون أوفياء ولا يتركون الجماعة، فعندما يرى هؤلاء أن الأحمديين لا يتأثرون بالضرب والشتم والخسائر المادية في حين كان ينبغي أن يذعروا، فيظنون أنه لا بد أن ثباتهم على إيمانهم راجع إلى تأثير السحر فيهم. نجّى الله الأمةَ من مثل هؤلاء المشايخ المفترين ووفّق الناس لمعرفة الحق كما وفّقنا لإدراك أهمية واجباتنا.

بعد صلاة الجمعة سأصلي صلاة الجنازة على بعض المرحومين، إحداها حاضرة، وهي للسيدة “سكينة ناهيد” ابنة السيد محمد دين المرحوم من جمون كشمير، التي كانت زوجة الشيخ محمد رشيد المرحوم، والتي وافتها المنية في 3 نيسان/أبريل عن عمر يناهز 90 عاما. إنا لله وإنا إليه راجعون. لقد دخلت الأحمدية في عائلة المرحومة عن طريق والدها، وقد وُفّقت المرحومة للبيعة في الـ 16 من عمرها رغم المعارضة الشديدة في كشمير، وبعد زواجها أقامت في قرية “بتهان كوت”. وكلما كان الخليفة الثاني وأم المؤمنين رضي الله عنهما يزوران “دلهوزي” كانت تتشرف باستضافتهما، وبعد استقلال باكستان انتقلتْ مع زوجها إلى مدينة “بدوملهي”، حيث وُفّقت لخدمة الجماعة بوصفها رئيسة لجنة إماء الله لعدة سنوات. وفي 1974م نهب المعارضون بيتهم وأحرقوه، ولكنها بقيت متحلية بالصبر والثبات في تلك الفترة العصيبة. ثم انتقلت إلى بريطانيا حيث حظيت بشرف تعليم القرآن الكريم للأطفال بكل إخلاص، وكانت ترتبط بنظام الجماعة والخلافة بعلاقة الإخلاص، وكانت تأتيني للزيارة بين حين وآخر رغم مرضها وتقدُّمها في السن، وكانت مخلصة جدا، وكانت صالحة ومواظبة على صلاة التهجد والصيام، وكانت منضمة إلى نظام الوصية، وتركت ثلاث بنات وثلاثة أبناء. رفع الله درجاتها.

والجنازة الثانية للسيد شوكت غني الشهيد ابن القاضي عبد الغني الذي كان من سكان “ندهيري” في كشمير الحرة، وكان يسكن في آخر أيامه في ربوة. كان الشهيد جنديا في الجيش الباكستاني، ويشارك في عملية “ضربُ عضْب” الجارية في منطقة “غواردر” بإقليم بَلُوتشستان. وضحى للوطن بروحه في 3 نيسان/أبريل 2016م عن عمر يناهز 21 عام نتيجة إطلاق نار مفاجئ من قِبل الإرهابيين، ونال درجة الشهادة، إنا لله وإنا إليه راجعون. إن المشايخ يتّهمون الأحمديين بأنهم أعداء الوطن، مع أن الأحمديين هم الذين يُفدون الوطن بأرواحهم.

دخلت الأحمدية في عائلة الشهيد عن طريق القاضي فيروز دين بن القاضي خير الدين الذي ذهب مع السيد محبوب عالم من “كوئي” في كشمير الحرة إلى قاديان، وبايع على يد المسيح الموعود عليه السلام وانضم إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية، ومعه بايع أبو جد الشهيد من أمه السيد بهادر علي على يده عليه السلام، والتحق بالجماعة، كانت الإمامة في أسرة السيد فيروز الدين، وكانت لهم مكانة مرموقة في المنطقة، ولكن السيد فيروز الدين بعد البيعة تعرّض للمعارضة الشديدة من قِبل الأسرة، ولكن رغم مقاطعته من قِبل الأسرة وحرمانه من العقار ظل ثابتا على الأحمدية. كانت عائلة مخلصة جدا للجماعة. كان السيد فيروز الدين مصابا بمرض السل الشديد، فطلب الدعاء من المسيح الموعود عليه السلام، فقال عليه السلام: سيشفيك الله تعالى، فببركة هذا الدعاء ذهب السل للأبد، وعاش أكثر من ثمانين عاما.

لقد هاجر السيد عبد الغني، والد الشهيد، من كشمير إلى ربوة في فبراير 2013م واستقر فيها. لقد وُلد الشهيد في “ندهيري” في كشمير الحرة بتاريخ 4/5/1995م. تعلم حتى الثانوية ثم التحق بالجيش قبل عام ونصف كجندي، وأكمل التربية العسكرية قبل فترة وجيزة، وبعد اجتياز التربية الضرورية بدأ الوظيفة في منطقة “غوادر” في إقليم بلوشستان في الحملة العسكرية: “ضرب عضب” ضد الإرهابيين. وقد استُشهد في ليلة 3 أبريل الجاري. لقد نُقل جثمانه بعد الاستشهاد إلى لاهور عبر كراتشي ثم نُقل من لاهور إلى ربوة حيث دُفن بحسب المراسيم العسكرية المعروفة. كان الشهيد مشتركا في نظام الوصية ويتحلى بمزايا كثيرة. كانت دماثة الأخلاق والضيافة والمواساة من مزاياه البارزة فكان دائم الاستعداد لإعانة الناس. كان ملتزما بالصلاة ومخلصا جدا للخلافة. عندما كان في الوظيفة في مناطق نائية أيضا كان يسمع الخطبة مباشرة عبر الهاتف. وقبل استشهاده بيومين دفع كل التبرعات المترتبة عليه. كان صوته جميلا ففي أثناء الوظيفة أنشد قصيدة المسيح الموعود عليه السلام بصوت جميل على مسامع غير الأحمديين في حفلة تضمنت عددا لا بأس به من غير الأحمديين، وقد أشادوا بالقصيدة كثيرا وسألوه: لمن هذه القصيدة الجميلة إذ لم نسمع مثلها من قبل؟ كانت مواساة الخلق من مزاياه البارزة. في بداية الوظيفة أُعطي الشهيد بعض المؤخرات لأربعة أشهر معا فأرسل كل هذا المبلغ هدية إلى عائلة زميله الذي كان قد استُشهد في تلك الأيام مع أنه كان الكفيل الوحيد لعائلته.

يقول والد الشهيد بأنه رأى في الرؤيا ليلة استشهاده أن الشهيد جالس مع كبار العائلة الذين توفُّوا من قبل، ويقع على وجهه نور برّاق ساطع اللون فاستنار به وجهه بالكامل وكان النور يُرى في وجهه بصورة بارزة مقارنة مع جلسائه الآخرين.

عندما كان يسكن في ربوة وُفّق للخدمة في مناصب مختلفة فقد عمل زعيما في مجلس خدام الأحمدية إلى جانب خدماته الأخرى كما عمل خادما في المسجد إلى فترة وجيزة. لم يكن الشهيد قد تزوج بعد. ترك وراءه والده السيد عبد الغني وأُمّه السيدة غلام فاطمة، وأخوين وأختين. ندعو الله تعالى أن يرفع درجات الشهيد دائما ويلهم ذويه الصبر والسلوان. كان الشهيد مشتركا في نظام الوصية بفضل الله تعالى. بعد صلاة الجمعة سأصلي صلاة الجنازة على المرحومَين بإذن الله.

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.