خطبة الجمعة يوم 22/04/2016 في مسجد بيت الفتوح بلندن

آخر تحديث : الخميس 8 سبتمبر 2016 - 6:35 مساءً
2016 04 25
2016 09 08
خطبة الجمعة يوم 22/04/2016 في مسجد بيت الفتوح بلندن

خطبة الجمعة التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام يوم 22/04/2016 في مسجد بيت الفتوح بلندن

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. “بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّينَ”. (آمين).

بيّن المصلح الموعود رضي الله عنه ذات مرة أنّ هناك شيئَين تطهيرُهما ضروريٌّ جدا للإنسان؛ أحدهما التفكير وثانيهما العواطف اللطيفة أي عواطف الحسنة وعواطف الإنسان العميقة.. أي حاسة العواطف الدائمة، ليس المراد منها العواطف المؤقتة الناتجة عن طهارة القلوب مؤقتا. ويعني ذلك أن العواطف الدائمة والطاهرة والطيبة إنما تتولد حين يتطهّر القلب كاملا. وأما تطهير الأفكار أيْ بقاءُ البالِ والتفكيرِ والتأمُّلِ طاهرةً على الدوام إنما يتأتّى بتطهير العقل، وهو يُسمى في العربية “التنوير”. والتنوير هو أن ينشأ في داخل الإنسان نورٌ بحيث ينشأ فيه دوما تفكير صحيح، وليس التنوير أن يُنشئ المرء أفكارا طاهرةً بالاجتهاد، بل هو نشوء موهبة بحيث تتولد أفكار صحيحة دوما، ولا تنشأ أفكار سيئة أبدا، ومن البدهي أن هذه الأشياء لا تتولد إلا بالسعي الدءوب وبفضل الله تعالى.

على كلٍّ، يقول المصلح الموعود رضي الله عنه عن هذا الموضوع: إنني بنفسي سمعتُ ذلك من المسيح الموعود عليه السلام، ففي بعض الأحيان عندما كان يُسأل عن أية قضيّة فقهيّة، وحيث إن هذه المسائل يحفظها مَن يظلون منشغلين بها، فكان عليه السلام يقول: اذهبوا إلى المولوي نور الدين واسألوه أو اسألوا المولوي عبد الكريم أو المولوي سيد أحسن أو أحدَ العلماء الآخرين. وفي بعض الأحيان عندما كان عليه السلام يرى أن الأمر متعلق بحلّ قضية يجب عليه بصفته مأمورًا من الله أن يُرشِد العالم فيها، فكان يجيبُ بنفسه. ولكن عندما لم يكن الموضوع متعلقا بمصطلحات جديدة فكان يقول: اسألوا فلانا من العلماء، ولو كان ذلك العالمُ جالسا في مجلسه فكان يسأله كيف تكون هذه القضية. ولكن كان يحدث في بعض الأحيان أنه عليه السلام مع قوله بأن اسألوا فلانا كان يقول: إن فطرتي تقول بأن الأمر يجب أن يكون هكذا. ثم كان يقول: إننا جرّبنا أننا لو لم نعلم بقضية، فالذي يخطر ببالنا فطريا يثبت ذاتُه من الحديث والسنة فيما بعد.

يقول المصلح الموعود رضي الله عنه: هذا هو الشيء الذي يُسمّى “التنوير”، وهو أن ما يخطر ببال الإنسان يكون صحيحا. كما يكون المراد من الصحة أحيانا أن يقول الإنسان إنني سليم في هذا الوقت فهذا أيضا نوع من الصحة، وهناك نوع آخر وهو أن يبقى المرء سليما في المستقبل أيضا، على ذلك فالتنوير هو صحة التفكير التي بنتيجتها كل ما يخطر بالبال من خواطر يكون صحيحا. يقول رضي الله عنه: التنوير ضروري للرقي الروحي، وكذلك لا بد من وجود التقوى والطهارة للرقي الروحي، والحقيقة أن ما يعني التنوير بالنسبة للعقل يراد به بالتقوى بالنسبة للقلب. إن الناس يحسبون الحسنة والتقوى شيئا واحدا ولكن الحقيقة أن الحسنة هو ما قد فعلنا أو ننوي فعله، أما التقوى فهي أن يكون كل ما يتولد في الإنسان من عواطف صالحا. فكما ذكرنا أن التفكير أو التأمل الذي يتعلق بالعقل هو “التنوير”، وثبات عواطف الخير والحسنة هو التقوى، وهي تتعلق بالقلب. وعندما ينال الإنسان تنوير التفكير وتقوى القلب يُحفظ من هجوم السيئة. حينها يكون الإنسان محفوظا تحت ظلِّ فضل الله تعالى، كما قال المصلح الموعود رضي الله عنه أن المسيح الموعود عليه السلام كان يرسل بعض السائلين إلى علماء الجماعة للسؤال عن الأمور العادية، ولكن هناك كثير من الأسئلة التي كانت صغيرة في الظاهر ولكنه عليه السلام كان يقوم بإصلاح العلماء أيضا فيها. مثلا: في قضية قَصْر الصلاة أثناء السفر، قال المسيح الموعود عليه السلام ردّا على سؤال عن السفر الذي تُقصر به الصلاة: “إن مذهبي هو أنه يجب ألا يوقع الإنسان نفسه في الصعوبات، وليعمل بمسائل السفر الذي يُعدّ سفرا في العُرف، وإن كان فرسخين أو ثلاثة، إنما الأعمال بالنيات. في بعض الأحيان نتمشى مع الإخوة إلى ميلين أو ثلاثة، ولا يخطر ببال أحد بأننا مسافرون. ولكن عندما ينطلق الإنسان بِنية السفر حاملا حقائبه يكون مسافرا. الشريعة ليست مبنية على العسر. فالذي ترونه سفرا بحسب الأعراف عُدّوه سفرا.” (الحكم، العدد: 17/1/1901م، الصفحة 13)

يتّضح الأمر من هذا القول أن السفر هو الخروج بنيّة السفر. وفي الأيام الماضية ذهبتُ لافتتاح جامع في “لِستر” غالبا. وقبل العودة صلّيتُ هناك صلاة العشاء كاملة، فنشأ عند البعض سؤال، لماذا لم أقْصر؟ فكان في ذهني آنذاك قولُ المسيح الموعود عليه السلام هذا، أنه لما تسافرون حاملين حقيبتكم بنيّة السفر فيُعَدُّ ذلك سفرا، ولكن هذا لم يكن سفرا من هذا النوع، لذلك لم أقصر الصلاة. ثم يجب أن تضعوا أمام أعينكم قول “إنما الأعمال بالنيات”. فلو كان ذلك أمام الإنسان فلا يجلب لنفسه المصاعب كما لا يتحرى عن التسهيلات أكثر من اللازم. بل يكون قصدُه العملَ بأحكام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. يقول المسيح الموعود عليه السلام موضِّحا هذه النكتة أكثر: “يجب أن تفحصوا نيتكم جيدا. يجب مراعاة التقوى جيدا في مثل هذه الأمور. إذا كان أحد يسافر كل يوم لشغله العادي فهذا ليس سفرا، بل السفر هو الذي يختاره الإنسان بوجه خاص ويغادر بيته لهذا الغرض فقط، وكان يُعَدّ ذلك سفرا في العرف. ترون أنني أخرج للتنـزه مثلا بقدر ميلين كل يوم ولكن هذا ليس سفرا. ففي مثل هذه المناسبات يجب الاهتمام بما يطمئن به القلب. فإذا أفتى القلب أنه سفر بغير أن يحيك فيه شيء فهو سفر ولْتُقصر فيه الصلاة. يجب العمل بـ “استفتِ قلبك”. إن طمأنينة قلب المؤمن بحسن النية هو الأفضل وإن كان هناك ألف فتوى.” (جريدة بدر، العدد: 23/1/1908م، ص2)

إذًا، فيجب العمل بالنيّة واستفتاءِ القلب في بعض المناسبات، ولا بد أن تكون النية صالحة ويستفت القلبَ بِنية صالحة.

طُرح سؤال عن قصر الصلاة، أي طُرح هذا السؤال على المسيح الموعود عليه السلام، ولا يزال بعض الناس يطرحونه، أن بعض الناس يظنون أنه لا قصر للصلاة في المركز، عندما يذهبون إلى قاديان أو ربوة أو عندما يأتون هنا، فقال عليه السلام: “من يأتي إلى هنا لثلاثة أيام يجوز له القصر. أرى أنه إذا كان السفر عن عزم فيجوز القصر فيه وإن كان إلى ثلاثة أو أربعة فراسخ. …أما إذا كان الإمام مقيما فلا بد من الصلاة الكاملة وراءه.” (فحيثما تذهبون، سواء كان المركز أو مكانا آخر، إذا كان الإمام محليا ومقيما فسيصلي الصلاة كاملة والمسافر أيضا يصلي وراءه صلاة كاملة) قال عليه السلام: “جولة المسئولين لا يمكن أن تكون سفرا، إن مثلها كمثل شخص يتنـزه في حديقته، ولا قصر دون مبرر على أية حال. (جريدة الحكم، العدد: 24/4/1903م، ص10)

كيف كان المسيح الموعود عليه السلام يُصلح صحابته في بعض القضايا؟ يقول السيد قاضي أمير حسين رضي الله عنه عن هذا الموضوع: كنتُ أعتقد في أول الأمر أن قصر الصلاة في السفر لا يجوز في الحالات العادية بل هو يجوز في حالة الحرب خوفا من الفتنة، وكنتُ أجادل كثيرا الخليفة الأول رضي الله عنه في هذا الموضوع، يقول السيد قاضي: عندما كانت هناك قضية مرفوعة ضد المسيح الموعود عليه السلام في غورداسبور ذهبتُ أنا أيضا إلى هناك مرة. كان المولوي نور الدين رضي الله عنه والمولوي عبد الكريم رضي الله عنه أيضا موجودَين هناك، ولكن عندما حان وقت الظهر قال لي المسيح الموعود عليه السلام: صلّ بنا أنتَ. (أي قال للسيد قاضي، ويقول) عقدتُ عزما صميما في قلبي أنني وجدتُ اليوم فرصة فلن أقصر الصلاة بل سأصلّيها كاملة، وستنحلّ هذه القضية اليوم. عندما أُنهي الصلاةَ سيُفتي المسيح الموعود عليه السلام بنفسه. يقول السيد قاضي: ما إن كنتُ رفعتُ يديَّ بعد عقد هذا العزم (أي رفع يديه للتكبير بهذه النية أنه لن يقصر الصلاة) تقدّم فورا المسيحُ الموعود عليه السلام، الذي كان واقفا خلفي في الجانب الأيمن، وقال في أذني: أَوَ لن تصلي ركعتين؟ فقلتُ: بلى يا سيدي! سأصلي ركعتين. يقول السيد قاضي: منذ ذلك الحين انحلت قضيتنا وتخليتُ عن رأيي.

هكذا كان الصحابة رضي الله عنهم يُنهون خلافاتهم على الفور برحابة الصدر.

أود أن أخبركم ضمنيا أن المسيح الموعود عليه السلام قد تناول هذه المسائل الفقهية في مناسبات مختلفة، فلا يصحّ الظن أنه كان يحوِّل كل مسألة إلى العلماء فقط. كلا بل كان يجيب عن الأسئلة شخصيا أيضا. لقد جمعتْ نظارة الإشاعة في ربوة جميع هذه المسائل الفقهية التي بيَّنها المسيح الموعود عليه السلام في كتاب، وقد طبع هنا باسم “فقه المسيح”، حيث بذل جهودا كبيرة بعضُ العلماء بمن فيهم أساتذة الفقه في الجامعة الأحمدية والطلاب أيضا.

يجب أن يشتري أبناء الجماعة هذا الكتابَ للاطلاع على شتى المسائل فهو يضم هذه المسائل الكثيرة. جزى الله جميعَ الذين أسهموا في إنجاز هذا العمل فدوَّنوا هذه الأمور كلها في كتاب بأسلوب جذاب. على كل حال سأتناولها أنا أيضا بين حين وآخر إذا تسنَّتْ لي الفرصة.

عندما تُجمَع صلاة العصرُ مع الجمعة فيجب أداء السنة قبل صلاة الجمعة، يقول المصلح الموعود رضي الله عنه في هذه المسألة انطلاقا مما بيَّنه المسيح الموعود عليه السلام: ذات مرة طُرح عليَّ سؤال- حيث كان حضرته مسافرًا – لقد حصل اختلاف بين الإخوة عند صلاة الجمعة حول السنة قبل الجمعة إذا جمعت صلاة العصر معها وقالوا إن المسيح الموعود عليه السلام قد أفتى بأنه حين تُجمع الصلوات نُعفى من ركعات السنة قبل الصلاة وبين الصلاتين وبعدهما. ولا شك أن العصر حين يجمع مع الظهر فيُعفى من السنة قبل الظهر وبعدها، وإذا جُمعت صلاة العشاء مع المغرب فيُعفى من السنة بعد المغرب والعشاء. أما الاختلاف فهو أن أحد الأحمديين قال إنه كان في سفر معي (أي مع حضرة المصلح الموعود) فصليتُ الجمعة والعصر جمعًا، وأديت السنة قبل الجمعة أيضا فما السبب؟ فأقول: كلا الأمرين صحيح، إذ يُعفى من السنة في حالة جمع الصلاتين، والصحيح أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤدي السنة قبل الجمعة، فأديت تلك السنة في السفر عملا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو دأبي. وسبب ذلك أن النوافل التي تؤدَّى قبل الجمعة تختلف عن السنة التي قبل الظهر. وقد سنَّها النبي صلى الله عليه وسلم في الحقيقة إكراما وتعظيما للجمعة. ففي السفر يجوز أداء الجمعة وتركُها أيضا. أي إذا كان الإنسان على سفر فيمكن أن يصلي الجمعة ويمكن أن يتركها أيضا. وهذا لا يعني أن يترك الصلاة مطلقا بل المراد أنه يمكن أن يترك الجمعة ويصلي الظهر فقط، يقول حضرته: لقد شاهدتُ سيدَنا المسيح الموعود عليه السلام يصلي الجمعة في سفر ويتركها أحيانًا أيضا. ذات مرة كان حضرتُه في غورداسبور لمتابعة قضية ما، وكانت عنده أعمالٌ جمة، فقال: لن نصلِّي اليوم الجمعة لأننا مسافرون. فجاءه أحمديٌّ كان صريحًا معه عليه السلام فقال له: سمعتُ أنك قلت: اليوم لن نصلي الجمعة. فقال حضرتُه: نعم اليوم لن نصلي الجمعة. وكان سيدنا الخليفة الأول رضي الله عنه قد سافر مع حضرته إلى غورداسبور لكنه في ذلك اليوم كان قد عاد إلى قاديان لإنجاز عمل ما، فخطر ببال هذا الأحمدي أن حضرته ألغى الجمعة اليوم لأن حضرة المولوي نور الدين ليس هنا. إذ كان عادةً يؤم الجمعة هو. فقال لحضرته: يا سيدي، أنا أيضا أعرف كيف أؤم صلاة الجمعة. فقال له المسيح الموعود عليه السلام: لا أنفي ذلك لكننا على سفر لذا سنصلي الظهر. فقال لحضرته: يا سيدي، أنا أُتقن إمامة صلاة الجمعة، وقد صليتُها بالناس مرارًا، فحين لاحظ حضرتُه الرغبة العارمة عنده ليؤمّ الجمعة، قال: إذن سنصلي اليوم الجمعة.

يقول المصلح الموعود رضي الله عنه: لقد رأيت المسيح الموعود عليه السلام يصلي الجمعة في السفر ويتركها أحيانا أيضا. فحين أكون على سفر يوم الجمعة أؤدي السنة قبل الجمعة وينبغي أن تؤدَّى في رأيي، وهذه هي الفتوى العامة، لأنها تختلف عن السنة العادية قبل الظهر، فهي إكرام للجمعة. فحين تُجمع صلاة العصر مع الجمعة يجب أداء ركعتي السنة التي تؤدَّى قبل الجمعة.

في حياة الإنسان تأتي مناسبات الأفراح على صعيد شخصي وعلى صعيد الجماعة والأمة أيضا. وفي هذه المناسبات يكون إظهارُ الفرحة أيضا. لكن البعض يقومون بالإفراط والبعض بالتفريط في ذلك. أي بعضهم ينفقون أموالا طائلة للاحتفال بالأفراح وبعضهم يعدّون إظهار الاحتفال بالفرحة ذنبا مطلقا استنادا إلى الدين أو غيره. بينما الإسلام ينفي كلا الأمرين. ولقد وجَّهنا سيدُنا المسيح الموعود عليه السلام بحسب تعاليم الإسلام إلى اتخاذ الاعتدال في الشئون الدينية والدنيوية أيضا في كل أمر مهما كان صغيرا وبسيطا. لقد ذكرتُ الصلاة آنفا.

والآن أتناول بيان كيف وجَّهنا حضرته فيما يخص إظهار الفرحة بمناسبات دنيوية. وفي هذا المجال أقدم لكم ما ذكرَه لنا المصلحُ الموعود رضي الله عنه من عمل المسيح الموعود عليه السلام. يقول حضرته: إنه ثابت من عمل المسيح الموعود عليه السلام أنه قام بإنارة المباني احتفالا بمناسبة خاصة. وهذه المناسبة كانت يوبيل الملكة فكتوريا حيث كانت الإنارة في قاديان بأمْر من المسيح الموعود عليه السلام فهو قد أمر بالإنارة مرتين من أجل الملكة فكتوريا أو بمناسبة يوبيل الملك إدورد. وربما كان اليوبيلان كلاهما للملكة. وإنما أتذكر جيدا أن الإنارة حصلت. يقول المصلح الموعود رضي الله عنه: إن الأولاد يحبون مثل هذه الأمور، لذا أتذكر جيدا أن القناديل أضيئت على حافة سطح المسجد المبارك. فنفد الزيت فأرسل المسيح الموعود عليه السلام رجلا لإحضار مزيد من الزيت. يقول حضرته: قد أضيئت القناديل على سطح بيتنا وسطح المسجد والمدرسة أيضا. وقد شهد على ذلك ميرُ محمد إسحاق المحترم أيضا. لذا لا تجوز معارضةُ الإنارة بتاتا. إذ يقول البعض إن الإنارة ممنوعة ولا تجوز، لكن ذلك ليس صحيحا.

يقول حضرته رضي الله عنه أعتقد أن سيدنا المسيح الموعود عليه السلام لم يكن يقوم بأي تصرف معارض لنص القرآن بصفته حكَما عدلا، والثابت من عمله أنه أمر بالإنارة، وهناك شهادات على ذلك، وهو منشور في جريدة الحكم أيضًا. لذا لا داعي لأي نقاش حول موضوع الإنارة، هل هي تجوز أو متى تجوز أو إنها من الإسراف وما إلى ذلك من الأمور. باختصار يقول حضرته: إن احتفال المسيح الموعود عليه السلام بالفرحة بهذا الأسلوب تكمن فيه حكمة إذ لا يخلو أي عمل للمؤمن من حكمة. وخاصة إذا كانت الإنارة على نطاق واسع وفُرضتْ على كل بيت فهي مكلفة جدًّا ومقابلها لا تبدو أي فائدة حقيقية للنفقات الباهظة المترتبة على إنارتها. لكن إذا كانت المصالح الوطنية والسياسية تتطلب ذلك وكانت الحاجة إلى أضواء كثيرة فلا بأس فيها. كما وضَّح ذلك “مير صاحب” من خلال سنّة سيدنا عمر رضي الله عنه. فقد ورد في الروايات أن حضرته هيأ الإنارة أكثر من اللازم في المسجد. ويقول إن المسجد مكان يحتاج إلى الإضاءة الكثيرة لأن الناس فيه يقرأون القرآن الكريم والكتب الدينية الأخرى. فحين هيأ سيدنا عمر رضي الله عنه الإنارة في المسجد فذلك لحكمة. كما نرى أن الإسلام أمر بالاحتفال بالأفراح بما ينفع البشرية أكثر فأكثر. فبمناسبة العيد مثلا تُذبح القرابين ويجد الفقراء اللحم. كما بمناسبة عيد الفطر تُقدَّم صدقة الفطر للفقراء. فحيثما أمَر الإسلام بالاحتفال بالأفراح ركز على أن يكون الاحتفال بأسلوب يفيد الأمة والبشرية أكثر فأكثر. لكن الإنارة لا تكمن فيها أي فائدة في الظاهر. فحين قام سيدنا المسيح الموعود عليه السلام بالإنارة فإنما كانت لمصلحة سياسية. كما كان حضرته يشتري لنا ألعابا نارية أيضا، لكي نفرح نحن الأولاد. وكان يقول عليه السلام إنه بإحراق الفوسفور تُقتل الجراثيم. فليكن واضحا أن حضرته لم يكن يشتري الألعاب النارية لإفراح الأولاد فقط بل لأن هذه الألعاب تحتوي على الفوسفور الذي بحرقه يصبح الجوء نقيا. لذا قد اشترى لنا ألعابا نارية بأشكالها المختلفة. مع أنها مضيعة أموال نوعا ما ولكن فيها فائدة أيضا مؤقتا- وإن لم تكن كبيرة- إذ إن الأولاد يفرحون قليلا ويؤدي إلى تجنب كبت عواطف الأولاد الصغار. لم يقل عليه السلام للجماعة كلها أن يستخدموا الألعاب النارية، ولكن لو استخدمها الأطفال بين حين وآخر فلا ضرر فيها. وإذا استخدموها بنية أنها ستنقّي الجو فيحقق المرء كِلا الهدفين، أي يفرح الأولاد ويصبح الجوّ أيضا نقيا. لو قام الأطفال بشيء من الترفيه فلا ضير في ذلك فيجب ألا تُكبَت عواطفهم كليا. وليبق عند الأطفال شعور أن الإسلام لا يرفض طلباتهم المشروعة المتعلقة باللعب والترفية عندما يكونون في هذا السن. خذوا الإنارة والألعاب النارية مثلا فبواسطتها يشارك المرءُ مواطنيه في الأفراح على المستوى الوطني، ومن ناحية ثانية يُظهر علاقته مع بلده، وإضافة إلى ذلك يترفه الأولاد قليلا. إذًا، لا ضير في الاحتفال بمناسبة الفرحة بحسب مقتضى الأمر وفي حدود الاعتدال. ولكن يجب أن يُشرح للأولاد منذ صغرهم أن من واجبنا أن نعمل كل شيء من هذا القبيل بحسب تعليم الإسلام وبحسب مقتضى قانون الدولة.

لقد روى المصلح الموعود رضي الله عنه حادثين من طفولته فقال: أتذكّر دائما أنه حين كنت طفلا صغيرا سافر المسيح الموعود عليه السلام ذات مرة إلى مدينة ملتان ورافقته أنا أيضا في السفر وكنت عندئذ بالغا من العمر سبعة أو ثمانية أعوام، وأذكر حادثين حدثا في أثناء هذا السفر- علما أنني أذكر أحداثا منذ كان عمري عامين فقط- بل ذات مرة ذكّرني أحد الإخوة حادثا حدث في زمن كان عمري عاما واحد فقط وتذكّرتُه. ولكنني أذكر أمرين يتعلقان بالسفر المذكور آنفا. أولهما أن المسيح الموعود عليه السلام أقام في لاهور في طريق عودته وكانت في تلك الأيام تُعرض في لاهور صور مصنوعة من الشمع. (أي كانت الصور أو التماثيل تُصنع من الشمع وتُبيَّن بواسطتها وقائع الملوك ومشاهد بلاطاتهم. فقال شيخ رحمة الله- صاحب محل “English warehouse” الذي كان يُعرف في تلك الأيام بـ Bombay House- للمسيح الموعود عليه السلام أنه معرضٌ علمي ويحتوي على معلومات تاريخية كثيرة، فأرجو أن تذهبوا لرؤيته، ولكنه علهي السلام رفض ذلك. ثم بدأ شيخ رحمة الله يلحّ عليّ أن أذهب لمشاهدة تلك التماثيل المصنوعة من الشمع. ولما كنتُ طفلا صغيرا أصررتُ على المسيح الموعود عليه السلام أن يأخذني إلى هناك لرؤية التماثيل. فأخذني عيله السلام معه نظرا إلى إصراري. كانت وقائع ملوك مختلفين معروضة من خلال الصور، وقد صُوّرت مشاهد موت بعضهم ومشاهد أمراض بعضهم. فقال المصلح الموعود رضي الله عنه بأنني أذكر هذا الحادث.

لقد وافق المسيح الموعود عليه السلام على أخذ المصلحِ الموعود معه لسبب وحيد فقط أن كثيرا من الناس قد مدحوا المعرض وقالوا بأنه معرض علمي وتاريخي ولا ضير في رؤيته، ولم يذهب عليه السلام نظرا إلى إصرار الطفل فقط. ولو علم أنه شيء يعارض تعليم الإسلام لما ذهب لرؤيته مهما أصر الطفل. إذًا، فقد ذهب بالطفل لرؤيته لأنه كان معرضا علميا. يقول المصلح الموعود رضي الله عنه أن الحادث الثاني الذي أذكره هو أن أحدا استضاف المسيح للموعود  في لاهور فذهب حضرته للاشتراك في المأدبة، غير أن انطباعي هو أنها لم تكن مأدبة بل كان السيد مفتي محمد صادق أو أحد أولاده مريضا فذهب المسيح الموعود عليه السلام لعيادته. على أية حال، كان المسيح الموعود عليه السلام عائدا من داخل المدينة إذ رأيتُ قرب “المسجد الذهبي” ازدحاما من الناس وكانوا يكيلون الشتائم. وكان شخص واقفا في وسطهم، ولعله كان أحد المشايخ، وكان يتحدى في وقت غير مناسب كما هي عادة المشايخ. عندما مرّت من هنالك عربةُ تقلّ المسيح الموعود عليه السلام خطر ببالي نظرا إلى الازدحام كأن الناس مجتمعون في حفل شعبي. فأخرجتُ رأسي من العربة لأرى المشهد، ولم أنس إلى اليوم أنني رأيت في الازدحام شخصا مقطوع اليد وكانت يده مضمَّدة بضمادات الكركم. فكان هذا الشخص يضرب يده المقطوعة على يديه الأخرى بحماس شديد ويقول: لقد هرب المرزا، لقد هرب المرزا.

لقد سبق أن سردتُ هذا الحادث في سياق آخر أيضا ولكن انظروا في هذا السياق أن الشخص كان جريحا وعلى يده الضمادات ولكنه يزعم في حماس العداوة أنه سيقضي على الأحمدية بيده الجريحة أو سيدفنها، والعياذ بالله. انظروا ما أخطر هذه العداوة التي تكنّها قلوب بعض الناس وكيف بذلوا قصارى جهودهم ألا يأتي الناس إلى قاديان فلا ينضموا إلى الأحمدية. هناك كثير من الناس الذين ذهبوا في زمن المسيح الموعود عليه السلام إلى مدينة بطاله قاصدين المجيء إلى قاديان، ولكن المولوي محمد حسين صرفهم.

يقول المصلح الموعود رضي الله عنه: لقد سمعتُ أن المولوي عبد الماجد البهاغلبوري حُرم من الانضمام إلى الجماعة الأحمدية في البداية لأنه كلما جاء إلى بطاله أغواه المولوي محمد حسين وصرفه. هذا كان شغل المولوي محمد حسين البطالوي الشاغل كل يوم، فكان يذهب إلى محطة القطار كل يوم، وكان يقول للذين كانوا ينـزلون على المحطة للذهاب إلى قاديان ماذا ستجنون من الذهاب إلى هناك، بل سيفسد إيمانكم. وكان بعض الناس يرجعون حاسبين إياه عالما وظانين أنه إذا كان المولوي محمد حسين يقول ذلك فلا بد أن يكون كلامه صادقا. (فكان من معارضة المشايخ أنهم أثاروا عامة الناس لدرجة أن ذلك الشخص مقطوع اليد أيضا كان يهتف في المعارضة. كل هذه العداوة للمسيح الموعود التي قام بها المشايخ كانت ناتجة عن جهلهم ولتحقيق أهدافهم الشخصية. فكانوا يريدون تحقيق أهدافهم الشخصية بإثارة الناس باسم الدين، مع أن الأمر الذي جعله المشايخ مدعاة لمعارضة المسيح الموعود ولا يزالون يفعلون ويثيرون الناس، مع أن المسيح الموعود عليه السلام جاء لتوضيح تعليم الإسلام الحقيقي، وإقامة مقام ختم النبوة. الحق أن المسيح الموعود عليه السلام كان محبا صادقا وخادما صادقا للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان هدفه الوحيد أن يوضح للناس أنه لا نجاة للعالم الآن إلا بواسطة هذا النبي الأخير، خاتم الأنبياء محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم. ولكن من شقاوة هؤلاء المشايخ المزعومين أنهم- بدلا من الارتباط بهذا المحب الصادق للنبي وقبول ما يقوله- يتّهمونه بأنه ينكر ختم النبوة، والعياذ بالله، أو يحسب نفسه أعلى مرتبة من النبي صلى الله عليه وسلم بينما لا علاقة لعمل المسيح الموعود عليه السلام ولا لتعليمه بهذه الأشياء لا من قريب ولا من بعيد. لقد تحدى عليه السلام أصحاب جميع الأديان أن النجاة الآن تكمن في الإيمان بالإسلام وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم فقط.

على أية حال، لقد ظل هؤلاء المشايخ يبذلون جهودهم ومن ناحية أخرى ظلت الجماعة تتقدم. إنهم لا يزالون ولن يزالوا يسعون. ولكن من قدر الله أن جماعة هذا الخادم الصادق للنبي صلى الله عليه وسلم سوف تنمو وتتقدم. فهي لا تزال تتقدم وستظل تتقدم بإذن الله. ندعو الله تعالى أن يوفقنا أن نُحدث في أنفسنا تغيُّرا كان المسيح الموعود يتوقعه منا، ولنكون مثالا حقيقيا للمسلمين الصادقين، وأن نُنشئ في أنفسنا نورا ونملأ قلوبنا بالتقوى.

اليوم أيضا سأصلي بعد صلاة الجمعة صلاة الغائب على المرحومة أمة الحفيظ رحمن زوجة الدكتور عطاء الرحمن أمير الجماعة الأسبق في محافظة “ساهيوال” في باكستان، وقد توفِّيت في 15/4/2016م، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كانت المرحومة زوجة ابن السيد ميان عظيم الله، صحابي المسيح الموعود عليه السلام وحفيدة صحابي آخر اسمه السيد حسين بخش رضي الله عنه. كان والدها السيد مَلِك محمد خورشيد سكرتيرا للجنة البناء في ربوة في أوائل الأيام. لقد خدمت المرحومة رئيسةً للجنة إماء الله في مدينة ساهيوال إلى فترة طويلة. كانت تتحلى بصفة التوكل على الله، وكثرة العبادة والدعاء، مضيافة وتراعي الفقراء، سباقة في التضحيات المالية. كانت مخلصة جدا للخلافة وكانت سيدة صابرة وشاكرة. في أيام قضية أسرى الجماعة في مدينة ساهيوال كان كثير من الناس يأتون لملاقاة زوجها الذي كان أمير الجماعة حينذاك كانت المرحومة تقوم بضيافتهم على أحسن وجه. لقد وُفِّق زوجها الدكتور عطاء الرحمن لخدمة الجماعة إلى أربعين عاما تقريبا وأعانته المرحومة على خير ما يرام. كانت تهتم كثيرا بالضيوف القادمين من مركز الجماعة، وقد ربّت أولادها كلهم على هذا الأساس فكلهم مخلصون وعلى صلة متينة بالخلافة. كانت المرحومة موصية بفضل الله تعالى وتركت وراءها خمسة أبناء وثلاث بنات. ندعو الله تعالى أن يوفق أولادها للاستمرار في الحسنات ويجعل أجيالها القادمة أعضاء مفيدين في الجماعة.

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.