خطبة الجمعة بتاريخ 14/11/2014

آخر تحديث : الجمعة 21 نوفمبر 2014 - 7:49 مساءً
2014 11 21
2014 11 21
خطبة الجمعة بتاريخ 14/11/2014
Microsoft Word - PR - Calgary Friday Sermon

خطبة الجمعة التي ألقاها أمير المؤمنين والخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز في مسجد بيت الفتوح بلندن بتاريخ 14/11/2014

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. [بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّينَ]، آمين.

اليوم أيضا سأتناول بعض الأحداث التي سردها سيدنا المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وهي تلقي ضوءا على جوانب مختلفة لحياة المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام وكذلك تُبرز بعض الجوانب من حياة المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أيضا. يقول رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:

أقول من الناحية العلمية أنه لم يكن إيماني بالمسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام نابعا من أنه والدي، بل عندما بلغت نحو 11 عاما من العمر عقدتُ العزم على أنه إذا ثبت أنه عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام كاذب، والعياذ بالله، بحسب تحقيقاتي فسوف أغادر البيت. ولكنني فحصتُ صدقه جيدا وفهمته وظللت أزداد إيمانا، وعندما توفي عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام زدت إيمانا أكثر من ذي قبل.

كذلك يقول المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: عندما كنت في العاشرة من عمري وبايعتُ على يد المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام هاج بحر شعوري لدرجة لا توصف.

ثم يذكر المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كيف كان المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام يرغّب الأولاد في الأدعية منذ صغرهم ويحضهم عليها فيقول: المبعوث الرباني أي المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام الذي قال الله له: “أجيب كل دعائك إلا في شركائك”، طلب مني- حين كان عمري 9 سنوات فقط- الدعاء في القضية المتعلقة بـ “هنري مارتن كلارك”. وطلب أيضا من الخدام والخادمات العاملين في البيت أن يدعوا للغرض نفسه. فإذا كان الذي وعدَه الله تعالى بأنه سيجيب كل أدعيته يرى طلب الدعاء من الآخرين ضروريا، فكم حريّ بالآخرين أن ينتبهوا إلى هذا الأمر.

لعل جميع الإخوة لا يعرفون خلفية الإلهام الذي قرأته عليكم قبل قليل أي: “أجيب كل دعائك إلا في شركائك”، فبيانه أن المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام تلقّاه حين كان يدعو في أمر قضيةٍ رفعها على عائلته بعضُ أقاربه ليشتركوا في بعض العقارات العائلية. وكان أخوه مرزا غلام قادر يتابع القضية في المحاكم. وفي الجانب الآخر كان هناك شخص آخر من أقاربه وكان مسئولا كبيرا أيضا في الحكومة. كان مرزا غلام قادر واثقا من أنه سوف يربح القضية لأن العقار المعني كان كابرا عن كابر تحت تصرف أفراد العائلة الذين كان يمثّلهم. ولكن عندما دعا المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام في أمرِها تلقّى إلهاما: “أجيب كل دعائك إلا في شركائك”.

فقال لأفراد العائلة بألا يضيعوا أموالهم على المحامين لمتابعة القضية عبثا لأنهم خاسرون القضية لا محالة، ولكن أخاه الأكبر كان متأكدا من أنه سيربحها. فبُتّ فيها لصالحه في المحكمة الابتدائية، ولكن رُفعت القضية بعد ذلك في المحكمة العليا وخسرها فيها. قال المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام: كيف يمكن أن يربح القضية وقد قال الله تعالى بكل وضوح من قبل ما يخالف ذلك؟

بعد ذلك ذكر المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أمرا آخر عن الأدعية موضحا الموضوع للأطباء. ترى في هذه البلاد أنه إذا كان الأمر خطيرا تجلس لجنة الأطباء ويتشاورون فيما بينهم، وكذلك الحال في باكستان وفي بلاد أخرى أيضا. ولكن في بعض الأحيان يظن بعض الأطباء أنه لا حاجة إلى استشارة طبيب آخر، لأنّ علاجهم كافٍ. كان الموضوع حينها يتعلق بالسيدة سارة بيغم زوجة المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وقد توفيت عند الإنجاب، فقال رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بتلك المناسبة أنه كان ينبغي على الأطباء أن يتشاوروا فيما بينهم، ولو فعلوا ذلك فلعله كان يمكن إنقاذ حياة نفس. فقال رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بأن الذي وعده الله تعالى بإجابة أدعيته كلها كان يطلب الدعاء من الآخرين أيضا. لذا فالذين يزاولون مهنًا مختلفة كلما واجهوا موقفا يتطلب الاستشارة أو الأدعية يجب أن يعملوا بهذا الأسلوب.

كذلك سرد المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حادثا آخر يتعلق به فقال: لقد جاء الدكتور مرزا يعقوب بيك- في أثناء السفر الذي توفي فيه المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام- إلى بيت الدكتور محمد حسين شاه ليخبر عن مجيء قاضٍ هندوسي متقاعد جاء لمقابلة المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام، فقال المسيح الموعود بأني مريض في هذه الأيام، وكذلك محمود أحمد أيضا مريض غير أن مرض محمود أحمد يقلقني أكثر، لذا عليكم أن تهتموا أكثر بعلاجه.

أقول: لقد نسي حضرته عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام مرضه وفكّر في ابنه لأنه كان يعرف أنه سيكون المصلح الموعود.

القضية المتعلقة بالجدار معروفة جدا في الجماعة وقد رُفعت في زمن المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام إذ بنى معارضوه من عائلته جدارا وسدّوا الطريق، فيقول المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مبيّنا هذه القضية:

كنت طفلا صغيرا ولكني أذكر جيدا أن بعضا من أقاربنا كانوا ينصبون أوتادا خشبية في الطريق ليتعثر القادمون إلى الصلاة في أثناء الظلام بسبب هذه الأوتاد الخشبة في الطريق. فكان يحدث ذلك على صعيد الواقع. وإذا أُزيلت تلك الأخشاب كان هؤلاء الأقارب على استعداد للشجار.

أذكر جيدا أن المعارضين كانوا قد بنوا جدارا أمام المسجد المبارك فثار بعض الأحمديين وأرادوا أن يهدموه، ولكن المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام قال بأن علينا أن نصبر ونعمل بحسب ما يمليه علينا القانون. وأذكر أيضا أنني كنت صغيرا وكنت أرى بفضل الله تعالى رؤى صادقة في الصغر أيضا. فقد رأيت في الرؤيا أن الجدار يُهدَم وأن الناس يأخذون لبنة لبنة ويرمونها بعيدا. وبدا لي أيضا أن مطرا خفيفا أيضا كان قد نزل قبل ذلك بقليل. ورأيت في هذه الحالة في المنام أن حضرة الخليفة الأول قادم من جهة المسجد.

ثم يقول حضرته: لما حُسمت القضية وهُدم الجدار، حصل تماما كما رأيت، حيث نزل المطر في وقت هدم الجدار ورجع الخليفة الأول من درس القرآن والجدار يهدم. كنتُ واقفا هناك آنذاك، وكنت قد ذكرت رؤياي هذه لحضرته من قبل، فما إن رآني حضرته وهو قادم حتى قال: حبيبي، لقد تحققت رؤياك اليوم.

ويتحدث حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه عن تلك الأيام نفسها ويقول: في حياة المسيح الموعود عليه السلام سدَّ المعارضون الطريق المؤدي إلى المسجد، حتى اضطر حضرته مرارًا أن يأمر أهل بيته بالاستتار وراء الحجاب، وأخذ الناسَ إلى المسجد مرورا بفناء بيته، بينما كان الكثيرون يضطرون لأن يأتوا من طريق آخر بعد أن يلفّوا لفّة طويلة. ظلّ هذا الطريق مسدودا نحو ستة أشهر، وأخيرًا رُفعت القضية فهيّأ الله الأسباب لهدم الجدار.

سيذهب الإخوة بعد أيام لزيارة قاديان، وسيرون كيف أن الله تعالى قد وفق الجماعة بفضله لبناء طرق واسعة هناك.

ويذكر المصلح الموعود رضي الله عنه واقعة تبين كيف كان المسيح الموعود عليه السلام يلاطف الأولاد ويشجعهم، فيقول: أتذكر أنه في زمن طفولتي إذا غضبت أمي عليّ قالت: إن رأسه صغير جدا، فكان المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام يقول: لا بأس بصغر الرأس، فإن “راتيكن” المحامي الذائع الصيت في البلاد كلها كان صغير الرأس جدا. كِبَرُ الرأس ليس دليلا على ذكاء المرء. من حرَم أولادَه العلمَ والعرفان فهو جاهل وإن كان رأسه كبيرا. الذي لا يفهم ما الله وما الرسول وما القرآن فأنى له أن ينال العرفان؟

فالأمر الأساس هو أن نتدبر أحكام الله ورسوله ونفهمها، ونسعى لفهم القرآن الكريم، وهذا ما سينوّر عقولنا.

وقال رضي الله عنه عن الولاء للحكومة وطاعتها: عندما كنت طفلا صغيرا سمعت من لسان المسيح الموعود عليه السلام الأمر بالولاء للحكومة وطاعتها، ومنذ ذلك اليوم وأنا ملتزم بهذا الأمر حتى اختلفت مع أصدقائي الحميمين في هذا الشأن، بل مع كبار جماعتنا أيضا. يأخذ الفضول بعض الناس فيقولون علينا ألا نطيع الحكومة بسبب كذا وكذا، مع أن علينا طاعة الحكومة إلا حين تمنعنا من العمل بأحكام الشرع.

ثم يوضح حضرته الأمر أكثر ويقول: لقد قال المسيح الموعود عليه السلام إن الحكومة البريطانية رحمة من عند الله تعالى. ولكن هذا لا يعني أن الشعب الإنجليزي شعب صالح جدا وقريب من تعاليم الإسلام. كلا، بل يوجد بينهم الظالمون والغاصبون والفساق والفجار وأصحاب المساوئ بكل أنواعها كما هو حال الشعوب الأخرى، ويوجد بين الإنجليز طيبون أيضا كما يوجدون في شعوب أخرى، أما الرحمة التي أشار إليها حضرته عليه السلام فالمراد منها أن الحكومة الإنجليزية لا تتدخل في حرية الأفراد إلا قليلا، وعندنا فرصة توطيد تعاليم الإسلام فيما لا تتدخل فيه الحكومة، ومن هنا نقول إنه لمن فضل الله علينا أن جعل هذا الشعب ولاةً علينا.

علمًا أن حضرته يتحدث عن الزمن الذي كان فيه الإنجليز يحكمون الهند، وكانت الحكومة الإنجليزية لا تتدخل في حرية الأفراد إلا نادرًا.

عقدنا مؤخرا مؤتمر السلام هنا، وقال لي أحد الصحفيين عندها: إن الأوضاع هنا أيضا مماثلة، فقلت له: لا شك أن الحكومة لا تتدخل في أمور الدين، لذا لا نستطيع القول إن الأوضاع هي كأوضاع باكستان أو البلاد الأخرى التي فرضت على الأحمدية القيود.

على أية حال، يقول المصلح الموعود رضي الله عنه: لو كانت النازية أو الفاشية حكمتنا فربما كانوا أحسن معاملة من الإنجليز في أمور أخرى، وربما كانوا أكثر منهم عدلاً وخشيةً من الله تعالى، ولكنهم ما كانوا ليمنحونا الحرية الفردية كما منحنا إياها الإنجليز. ربما كانوا أفضلَ لبعضنا بشكل فردي، ولكن لا بد أن يكونوا ضارين بنا من حيث الجماعة، أي ربما كانت علاقتهم مع بعض الأفراد جيدة، ولكن كانوا سيضرون بالجماعة حتمًا، وعندها ما كان بوسعنا توطيد تعاليم الإسلام إلا في نطاق ضيق جدا، ما لم تقم حكومة إسلامية. فالمسيح الموعود عليه السلام لم يعدّ الحكومة الإنجليزية رحمةً إلا بهذا المعنى.

يعترض البعض أن الأحمدية غراس الإنجليز، فيردّ عليهم المصلح الموعود رضي الله عنهم يقول: إنما مدَح المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام الإنجليزَ واعتبرهم رحمةً لأنهم منحوا الحرية الدينية، ولم يكن يقصد بذلك أنهم أعدل من الشعوب الأخرى، بل كان من الممكن أن تكون حكومة أخرى أعدل منهم، ولكن مما يُحمَد في حضارة الشعب الإنجليزي أنه لا يخول للحكومة حق التدخل في أمور شخصية فردية.

وقد ذكر المصلح الموعود رضي الله عنه أمرًا بشأن الجهاد بالقلم، فقال: إن قلوب الأنبياء جدُّ شاكرة، وتشعر بامتنان كبير على معروف بسيط، ففي الأيام التي كانت كُتب المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام تُطبَع ليل نهار كان حضرته لا ينام ليالي كثيرة، ومع ذلك إذا جاء أحد بالبروفات ليلاً كان حضرته يقوم من مقامه على سماع نداء القادم ويأخذ منه البروفات ويقول له: جزاك الله أحسن الجزاء. ويذكُرهم قائلا: كم يعاني هؤلاء وكم يتكبدون من مشقة، جزاهم الله خيرا. هذا مع أن حضرته كان لا ينام طول الليل كما قلت، فكم من مرة نمت وهو يعمل، وكلما استيقظت ليلا وجدته يعمل أيضا، حتى يطلع الصبح. لا شك أن الآخرين أيضا كانوا يعملون لوجه الله تعالى، ولكن حضرته كان يشعر بعنائهم جدا. لماذا؟ لأن قلوب الأنبياء تشعر بامتنان كبير على معروف بسيط. كم كان صحابة المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام يكنّون له من الأدب والاحترام وكيف كانوا لا يبالون بأحد في هذا الشأن، يذكر المصلح الموعود رضي الله عنه بهذا الشأن واقعة، ثم ينبهنا إلى أهمية ذلك قائلا: إن على شبابنا أن يتذكروا أن هناك أخلاقًا وآدابا إسلامية لا بد لنا من مراعاتها. وقال حضرته في إحدى خطبه: لقد رأيت أنه ليس هناك اهتمام بتعليم شبابنا الآدابَ الإسلامية، حيث تجدهم يمشون وقد وضع أحدهم يده على رقبة صاحبه بدون تكلف، حتى إنهم لا يتورعون على فعل ذلك أمامي، وذلك لعدم إدراكهم بأن هذا عيب. إن آباءهم وأساتذتهم لم يهتمّوا بإصلاح خطئهم هذا، مع أن مثل هذه الأمور تترك وقعًا قويا على حياة المرء. لا أزال حتى اليوم أشعر بتأثير التربية التي تلقيتها من بعض الإخوة في طفولتي بهذا الشأن، وكلما تذكرتُ تلك الواقعة فار قلبي بالدعاء لذلك الأخ تلقائيا. فذات مرة كنت واقفًا مُسنِدا مرفقي على منكب طفل آخر، فجاء الأستاذ قادر بخش (والدُ المولوي عبد الرحيم درد) فنهاني عن ذلك قائلا: هذا عيب. كان عمري عندها 12 أو 13 عاما، ولكني كلما تصورت ذلك المشهد فاض قلبي بالدعاء له.

وأتذكر واقعة أخرى نصحني فيها السيد صوبيدار محمد أيوب خان الساكن في مراد آباد. كانت والدتي من دلهي، وسكّان دلهي بل سكان مدينة لكهنو أيضا يخاطب بعضهم بعضا بلفظ: “تُمْ” (أي: أنت) وذلك إذا كان بمثل سنّه، أما إذا كان أكبر منه فيخاطبه بلفظ: “آپ” (أي: أنتم)، ولكن لم يكن لأمي أي أقارب كبار في قاديان لتخاطبهم بلفظ “آپ”، حتى نتعلم منها هذا الأسلوب للخطاب، ومن أجل ذلك كنت أخاطب المسيح الموعود عليه السلام بلفظ “تم” حتى بعد بلوغي الحادية عشرة. وغفر الله للسيد صوبيدار محمد أيوب خان، فإنه رآني ذات مرة أخاطب المسيح الموعود عليه السلام بلفظ “تم”، وذلك في مدينة غورداسبور حين كان عليه السلام هناك بشأن قضية، فأخذني السيد محمد أيوب بعيدا عن الناس، وقال: أنتم نجلُ المسيح الموعود عليه السلام، وأنتم محلُّ أدب واحترام لنا، ولكن عليكم أن تتذكروا أن لفظ “تم” يُستعمل لخطاب من يكون في مثل سن المخاطِب، ولا يخاطَب به من هو أكبر منه سنا، وإني لا أطيق بتاتًا استعمالَ لفظ “تم” للمسيح الموعود عليه السلام. كان هذا أول درس تلقيته بهذا الشأن من هذا الأخ.

لذا فعلينا أن نهتمّ بالآداب الإسلامية خاصة. يقدّم شبابنا في هذه الأيام برامج مختلفة في قناتنا ايم تي اي، وهي بفضل الله جيدة على العموم، ولكن هناك برنامج أُعِدّ في ربوة باكستان من قبل بعض دعاتنا وآخرون من الذين قد نذروا حياتهم للدين، وجِلْستهم فيه ليست مناسبة البتة، فهم جالسون فيه على الكراسي وأرجلهم ممدّدة بما لا يليق، كما أنهم يتحركون ولا يظهر عليهم أي وقار، وهم حاسري الرءوس. مثل هذه البرامج التي تُعَدّ في ربوة لن تُقبَل بأي حال، فعلى العاملين في ايم تي اي هناك أن يراعوا هذه الأمور. إذا لم يكن مظهر مقدِّم البرنامج على ما يرام فلن يُبَثّ ولو كان جيدا، وقد أمرت بعدم بثّ ذلك البرنامج. على دعاتنا الاهتمام بهذا الأمر خاصة، فلهم وقارهم ومكانتهم، وعليهم أن يدركوا أن عليهم المحافظة عليها. إذا كان شاب عادي يتصرف هكذا فيمكن السكوت عليه، ولكن إذا كان أحد الدعاة يتصرف هكذا فهذا غير مقبول على الإطلاق. لقد كتب لي البعض منبهًا لهذا الأمر، فأكثر من واحد شعر بأن برنامجا أُعِدَّ في ربوة ولم يُراعَ فيه الوقار.

يذكر المصلح الموعود رضي الله عنه واقعة أخرى فيقول: كنا نلعب في الصغر ألعابًا مختلفة، وكنت ألعب كرة القدم عادة، فجاء إلى قاديان شباب يلعبون الكريكيت، فكوّنوا فريقا، وجاءوني يوما وقالوا: اذهب وقُلْ لحضرة المسيح الموعود عليه السلام أن يأتي ليلعب الكريكيت. فدخلتُ على حضرته وكان يكتب كتابا، فأخبرته بقصدي، فوضع القلم من يده وقال: أما أنت فلا تقدر أن توصل كُرَتَك خارج الملعب، أما أنا فألعب لعبةَ كريكيت سوف تصل كرتُها إلى أرجاء العالم.

فانظروا هل وصلتْ كرتُه إلى أنحاء العالم أم لا؟ اليوم يعرفه الناس في أميركا، وهولندا، وإنجلترا، وسويسرا، والشرق الأوسط، وإندونسيا وغيرها من بلاد كثيرة. الحكومة الفيليبينية لا تسمح لنا بإرسال داعية هناك، ومع ذلك بدأت البيعات تصلنا من هناك. فقبل بضعة أيام جاءتنا رسالة من شخص قال اعتبِروها رسالة بيعتي، وابعثوا لي بالمزيد من المنشورات. (كانت الأوضاع هكذا في زمن المصلح الموعود رضي الله عنه، ويتابع صاحب الرسالة قائلا) حيثما أعلم أن أحدًا يخدم الإسلام أراسله، وقد بعثت برسالة إلى مؤسسة “أنجمن إشاعة الإسلام” بلاهور، وكذلك رسالة على عنوان مسجد فضل بلندن، ورسالة على عنوان واشنطن بأميركا. فانظروا كيف أن الناس في الفيليبين يرغبون في الأحمدية تلقائيا مع أنه لم يفِد إليها أي من دعاتنا. هذه هي الكرة نفسها التي ضربها المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام جالسًا في قاديان، وهي تصل الآن إلى أقصى أنحاء العالم. ولقد بلغ وصولها إلى العالم إلى حدّ مدهش، إذ نرى كيف يعرّف الله تعالى بنفسه العالمَ على المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام. ولقد ذكرتُ أحداثًا كثيرة بهذا الخصوص في مناسبات مختلفة وهي توضّح كيف يرشد الله تعالى الناس بنفسه ويعرّفهم على المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام. يعرِف بعضُهم فورًا بمجرد رؤيتهم صورةَ المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام وصورَ خلفائه أنهم قد رأوا أصحاب هذه الصور في رؤاهم حيث كانوا يبلّغونهم رسالة الإسلام الصحيح.

ثم يقول رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إنه لا يمكن للمرء أن ينال عزةً في مجال ديني أو دنيوي دون بذل الجهد. كان المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام يقول بأن الله تعالى في هذا الزمن قد أناط بي الجاه كله، (أي في هذا الزمن الذي هو زمن المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام قد أنيطت به عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام العزة كلها) فإما أن ينال الجاه أتباعي أو معارضيّ. (أي أن المعارضين أيضا سينالون العزة بسبب المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام) فقد قال عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام: انظروا إلى المولوي ثناء الله، فإنه ليس بشيخ كبير بل هناك آلاف المشايخ أمثاله يعيشون في البنجاب والهند، إلا أنه إذا نال الجاه فقد ناله بسبب معارضتنا. باختصار، إن الجاه الآن إما في معارضتنا أو في تأييدنا سواء اعترف بذلك هؤلاء المعارضون أم لا، أي أن وجودنا هو النقطة المركزية للجاه الآن فلا يناله المعارضون إلا بسببنا.

لقد شرح حضرته رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هذا الأمر أكثر وذكره في مكان آخر على النحو التالي: لا ينال الإنسان إنعامًا ما لم يحرز كمالاً، ولا يفيد المرءَ بعد اعتناقه الدين إلا الكمال. كان المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام يقول بأنه لا يستفيد منا إلا من كان على علاقة عميقة معنا؛ فإما أن يكون معارضا مثل صغار المشايخ أمثالَ المولوي ثناء الله وغيرهم الذين لم يكن أحد يهتم بهم، وإما أن يكون من المخلصين الكاملين.

ولقد اتخذ صِغار المشايخ معارضة المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام مصدر رزق لهم في مناطقهم. فإذا كانوا ينالون لقمة العيش أو الجاه فإنما ينالونه لهذا السبب.

يقول حضرته: العلاقة الفاترة غير مجدية، بل الحقيقة أن الفضل لا يُنال إلا بالكمال، وبدونه يظل الإنسان محرومًا من الأفضال. وإذا سار الإنسان إلى الله بعد قوله: “لقد أدخلت سفينتي في النهر فليحدث ما يحدث الآن”، فسيتلقى ما تلقّاه الأولون، فليست لله عداوة مع أحد، بل هناك حاجة أن يقدم الإنسان نفسه أمام الله تعالى كاملا ويخرّ على عتبته، وبهذا سينال تلقائيًا كل مراده ورقيّه الذي هو بحاجة إليه.

فينبغي على كل أحمدي أن يراعي أنه إذا آمن فعليه أن يخضع نفسه كليًّا أمام الله. كتب عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام بأن الذي يجلس عند النار فإن أعضاءه كلها تتدفأ، وستجدونه دافئًا حيثما لمستموه؛ من وجهه ويده وقدمه وغيرها؛ فكيف يمكن إذن أن لا يتجلى وجود الله تعالى من خلال مَن يتخلى عن كل شيء ويأتي إلى الله ويجلس عنده؟ إذا دخل الحديدُ النارَ أخذ يُظهر صفاتِ النار مع أنه لا يتحول نارا. كذلك يعامل الله تعالى الحائزين على قربه معاملةً خاصة حيث يلبسهم الله تعالى رداء: “كن فيكون” حتى إن الجهال يعدّونهم إلهًا في حين أنهم لا يعكسون إلا صفات الله تعالى. فإذا أراد أحد الاستفادة من الدين فطريقه أن يقدّم نفسه كاملا أمام الله تعالى، وإنْ فعَل الجميع ذلك فسينالون أفضالا خاصة من الله تعالى ويحرزون نجاحًا في كل ميدان. يجب على جماعتنا أيضا أن تُقْدم على هذه الخطوة، ولكن يقتصر كثيرٌ من الناس على التفوّه بهذه الأمور في حين أنه ينبغي أن نحب الله تعالى حبًّا يتحوّل إلى جزء من طبيعتنا. ينبغي أن لا يبقى ادعاؤنا ادعاءً كاذبًا لأنه لا يمكن أن يجتمع الكذب مع حب الله تعالى، إذ إن الكذب ظلمة وحب الله تعالى نور، فكيف يمكن أن يجتمع النور مع الظلمة. فعلينا العمل بمحاسبة أنفسنا دومًا، وإنني أنبهكم إلى هذا الأمر كثيرًا أنه ينبغي أن نبدو مختلفين عن غيرنا بعد مبايعتنا للمسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام، وينبغي أن نبدو مختلفين عن الآخرين في إيماننا بذات الله واليقين به بل يجب أن نزداد عبادةً لله ونبدو مختلفين فيها أيضا عن غيرنا، وأن نزداد في بلوغ المستويات العليا في هذا المجال. ويجب أن نتبوء مكانةً مميزة في الأخلاق العليا أيضا، وينبغي أن يُضرَب بنا المثل في التقيّد بالقوانين. باختصار، ينبغي أن يكون الأحمدي مميزًا في كل شيء عن غيره، وإذا فعلنا ذلك استطعنا الاستفادةَ من البيعة كما أراده المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام.

وهناك حدث آخر يذكره رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وهو يتعلق بالإحسان والمعاملة الحسنة. جاء أحد الضباط الحكوميين إلى قاديان للقاء المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام في قضية معينة. كان بعض سكان قاديان من الهندوس وغيرهم يرفعون ضد حضرته بعض الشكاوى غير الصحيحة. فجاء هذا الضابط إلى قاديان مرة وقال لحضرته: إنهم رعاياك فينبغي أن تعاملهم برفق. فقال له المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام مشيرا إلى شخص يُدعى “بدهي شاه”: اسألْ “بدهي شاه” نفسَه: هل حدث أن سنحت له فرصة واحدة للإضرار بنا ولم يغتنمها؟ ثم اسألْه ثانية: هل حدث أن سنحت لي فرصة يمكن أن أحسن فيها إليهم فلمْ أغتنمها؟ فلم يكن من “بدهي شاه” إلا أن ظل جالسًا خاضعًا مطرقا رأسه دون أن ينبس ببنت شفة. كان ذلك نموذجًا عظيمًا من أخلاقه عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام. وعلى جماعتنا أيضا أن تكون نموذجًا في الأخلاق. ويجب أن يكونوا نزيهين في التعامل بحيث لا يلمسوا الأمانات ولو لم يكن لديهم مليم واحد، وأن يتكلموا بعذبِ الحديث المفيض بالمحبة بحيث يؤثر في القلوب.

قال رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وهو يذكر أنه كلما اعتاد الإنسان شيئًا لم يَعُدْ يتأذى به: لقد سمعت بلسان المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام هذه النقطة مرارًا أن هناك نوعين من الابتلاء الذي يتعرض له الإنسان من قِبل الله تعالى، نوعٌ يعطى فيه للعبد خيار في تدبير أمورِ راحته، وكان عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام يذكر مثالا له قائلا: لاحظوا، أن الوضوء أيضا ابتلاء. إذا كان الوقت شتاء حيث يشعر المرء بالبرد القارس، وهبّت الرياح الباردة التي يتأذى بها الإنسان. (لا يوجد الآن تصور للحالة المذكورة لأن نظام التدفئة موجود في الحمامات أيضا ويتوفر الماء الساخن أيضا. فلو لم يكن هناك تدفئة، واضطر الإنسان للخروج للوضوء، وكان الماء باردًا ففي هذه الحالة يمكن إعطاء صورة لهذا الوضوء المذكور في الشتاء.) قال حضرته: يؤمر الإنسان من الله تعالى أن يتوضأ قبل الصلاة. ولكنه أحيانًا لا يجد ماءً ساخنًا عند وقت الصلاة، أو هناك إمكانية ليتوفر له الماء الساخن إلا أنه ليس موجودًا في الموعد المحدد، وهناك حالة أخرى بحيث لا يتوفر له الماء الساخن البتة، فلا بد له أن يتوضأ بالماء البارد جدًّا ويصلي. كان عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام يقول بأن مثل هذا الوضوء أيضا ابتلاء قدّره الله تعالى للمؤمنين ولكن أعطاه خيارًا فيه أي سمح له أن يسخّن الماء إذا كان باردًا، وكأنه ابتلاء اختياري. ويمكن أن تقدّم للابتلاء الخياري أمثلة أخرى كثيرة. قال حضرته بأن الله تعالى أمر بالوضوء قبل الصلاة ثم سمح للإنسان بتسخين الماء إن لم يستطع الوضوء بالماء البارد، وسُمح له لتسخين الماء أن يقتبس نارًا من جيرانه أيضا، ثم سُمح له أن يلبس جيدًا ألبسة دافئة حتى لا يشعر بالبرد الشديد. وبعض الناس يبنون في المساجد حمامات تتوافر فيها مياه ساخنة، فمن لا يستطيع تسخين الماء في البيت فبإمكانه أن يتوجّه إلى المسجد ويتوضأ هناك. (يمكن أن يتصوّر هذه الحالة أفرادُ البلاد غير المتطورة أو قليلة التطور، ولعل بعض الكبار منكم أيضا يفهمون ذلك، أما الذين وُلدوا هنا فلا يتصورون ذلك لأن الماء الساخن ميسّر لهم هنا. أما الحالة التي تحدث في باكستان والهند وغيرهما أثناء الشتاء فيعرفها الكثيرون منا.)

ثم يقول حضرته: فإن لم يكن هناك حمامات دافئة في المسجد فيمكن لمن يقدر على ذلك أن يستخرج من البئر دلوًا من الماء ويتوضأ به، وهكذا ينجو من وطأة البرد (وذلك لأن ماء البئر يكون دافئًا نوعًا ما في الشتاء) فمن ليست عنده إمكانية أخرى فيسعه درء أذاه بهذه الطريقة.

ثم يقول: هكذا أمر الله تعالى الإنسان أن يستيقظ صباحًا باكرًا ويصلي صلاة الفجر. فما أصعب الاستيقاظ عند الصباح الباكر على الإنسان، ولكنه إذا كان يتمتع بأدوات لازمة فلا يشعر بهذا الأذى. فمثلا إذا كان معتادًا على صلاة التهجد فعليه أن يُحكم إغلاق الأبواب حتى تظل الغرفة دافئة ولا يدخل إليها الهواء البارد، كذلك إذا توجّه إلى المسجد لأداء صلاة الفجر فيمكن لمن ليست عنده سترة أن يرتدي رداء صوفيًا أو دافئًا، ومن عنده سترةٌ يلبسها ويذهب للمسجد، وإذا كان فقيرا فيمكنه ارتداء الكنـزة أو السترة القديمة البالية، وبهذه الطريقة يمكنه إنقاذ نفسه من أثر البرد. أما إذا كان الإنسان فقيرًا معدما بحيث لا يملك رداء صوفيًا ولا كنـزة ولا سترة فلا يتأذى كثيرًا لأن مثل هذا الشخص يعتاد على تحمل البرد. وهذا هو قانون الله تعالى أن ما اعتاده الإنسان توقى إيذاءه. لقد رأينا كثيرًا وفي باكستان أيضا خلال فترة الشتاء حيث نلبس ألبسة دافئة في حين أن فقيرًا معدمًا يمرّ هناك وهو يرتدي ألبسة عادية وبدون أي جوارب ولا يشعر بأي برد، ذلك لأنه اعتاده.

ثم يقول حضرته: لقد رأيت أن بعض النسوة اللواتي يعملن في أماكن حرق الأخشاب والفحم أنهن يخرجن الجمرات من الموقد بأيديهن دون أن يتأذين، أما نحن فلا نستطيع الاقتراب منها. لأنه إذا اعتاد الإنسان شيئًا فلا يتأذى منه.

وعليه فالأمر الأول هو أنه إذا كان هناك ابتلاء فينبغي على المرء أن يتحمله لوجه الله، ولكن إذا كانت هناك طريقة لدرء هذا الأذى فينبغي العمل بها بحسب قوانين الله تعالى، ولكن إن لم تكن هناك إمكانية لذلك فعليه أن يعتاده ويروّض نفسه للتماشي بحسبه، لأنه إذا اعتاده فلن يبقى مؤذيا له.

لم يذكر حضرته النوع الثاني للابتلاء، ولكنني سأقرأ مقتبسًا للمسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام وضّح فيه الحِكَم من الابتلاءات. فقال حضرته:

اعلموا أن الله ﷻ كان قادرا على أن لا يدَع أي أذى يصيب عباده ويجعلهم يعيشون بمنتهى الرفاهية والراحة، وأن تكون حياتهم تشابه حياة الملوك، وتتيسر لهم دومًا أسباب الترف والمتعة. لكنه لم يفعل ذلك، ففي ذلك تكمن أسرار كثيرة، فانظروا كيف تكون الابنة محببة إلى والديها بل تكون أحب إليهما من الأولاد الذكور، ومع ذلك تأتي ساعة حين يفصلونها عنهما ورؤية ساعة الفراق تلك تكون صعبة جدا، وحالة الجانبين يرثى لها (أي أن الوالدين أيضا يبكيان عند توديعها والبنت أيضا تفيض بكاء)، إذ يكونان قد عاشا معا في بيت واحد لمدة 15 عاما أو 16، ولأجل ذلك تكون ساعة فراقهما أخيرا مثيرةً للعواطف والشجون، وإذا وصف أي غبي هذا الفراق بالقسوة والجفاء فيحق له ذلك نظرا لهذا الموقف المشاهَد. لكن يحدث كل ذلك لأن هذه البنت تتحلى بمزايا لا تظهر ولا تتحقق إلا بعد عشرتها مع زوجها في أحمائها، ويكون ذلك مدعاة للبركة والرحمة لكلا الفريقين.

وهذا هو حال أهل الله إذ تكمن فيهم بعض الأخلاق التي يستحيل ظهورها دون أن تصيبهم الشدائد والمحن. فانظروا، كيف نبين أخلاق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بمنتهى الفخر والشجاعة، وسبب ذلك لأنه قد أتى عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم كلا الزمنين وإلا كيف كان يمكن لنا بيان فضائله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، (أي أتى عليه زمن الرفاهية وزمن الشدائد والمصائب أيضا). فلا تنظروا إلى عصر الحزن بنفور؛ ذلك لأنه يجذب اللذة من الله وقربه، فلنيل هذه اللذة التي ينالها المقربون إلى الله لا يجد المرء بُدًّا من تطليق الملذات السفلية المادية، فلا بد للإنسان أن يتحمل الأحزان لنيل قرب الله ﷻ ويشكره، فهو يواجه كل يوم موتا جديدا، وحين يتمكن الإنسان من إيراد الموت على نفسه من ناحية الأهواء والأطماع عندئذ ينال تلك الحياة التي لا تفنى أبدا، ولا يموت الإنسان بعدها. (الملفوظات، ج 5، ص 200-201)

فهذا هو البيان الموجز للحكمة الكامنة وراء الابتلاء.

لقد قال المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ذات مرة: كنتُ في التاسعة أو في العاشرة من عمري، وكنت أنا وطالب آخر نلعب في البيت، وجدنا في الخزانة كتابا ملفوفا في ثوب أزرق وكان زمنه عائدا إلى أيام جدي. كنا حديثين في دراسة العلوم من هذا القبيل. عندما فتحنا الكتاب وجدنا مكتوبا فيه بأن جبريل لا ينـزل الآن. قلت: هذا ليس صحيحا، إذ هو ينـزل على أبي. قال زميلي إن جبريل لا ينـزل، وهذا مكتوب في الكتاب، فتجادلنا في الموضوع، وذهبنا إلى المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام أخيرا وبيّن له كل واحد منا موقفه، فقال: ما ورد في الكتاب ليس صحيحا فجبريل ينـزل الآن أيضا.

ثم سرد المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حادثا يتعلق بشخصه فقال: أذكر حادثا من أحداث سذاجتي، وكثيرا ما ضحكتُ عند تذكُّره، وفي كثير من الأحيان اغرورقت عيناي أيضا بذكره. ولكنني أقدّره أيما تقدير وأبجله، وهو من أحداث حياتي التي أعتز بها، وهو أننا كنا ذات ليلة نائمين في باحة الدار في أيام المسيح الموعود في الصيف، فتراكمت السحب ورعدت بشدة. وفي هذه الأثناء سقط البرق قرب قاديان وكان صوت الرعد شديدا لدرجة ظن سكان قاديان كلهم كأن البرق سقط في بيتهم. فدخل الناس كلهم بيوتهم بسبب الرعدة وتراكمت السُّحُب. كنا حينها نائمين في باحة الدار ولكن عندما رعد البرق دخلنا البيت. أذكر ذلك المشهد إلى اليوم أنه عندما أوشك المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام على الدخول وضعتُ كلتا يديّ على رأسه واضعا في الحسبان أنه إذا سقط البرق فليسقط على يديّ وليس على رأسه عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام. ولكن عندما عدتُ إلى صوابي بعد هنيهة ضحكتُ على تصرفي هذا لأنه عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام كان السبب في نجاتنا من البرق وليس أن يُجَنَّبَه بسببنا.

ثم يقول رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في بيان وفاة المولوي عبد الكريم:

لقد مرض المولوي عبد الكريم في عام 1905م وكنت حينها في السابعة عشرة، وكانت هذه الفترة فترة اللعب والاستمتاع بالنسبة إليّ. كان المولوي عبد الكريم مريضا وكنا نرتع ونلعب طول النهار. ذهبت إليه ذات يوم بالحساء ولا أذكر أنني ذهبت لعيادته ما عدا هذه المرة. وكنتُ أظن بناء على الأفكار في ذهني في تلك الأيام أنه لن يموت بل سيموت بعد وفاة المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام. كان المولوي عبد الكريم ذا طبيعة حادة بعض الشيء. لقد قرأت على يده درسا أو درسين من كتاب ألف ليلة وليلة ثم توقفتُ. ولم أكن على علاقة معه أكثر من ذلك. غير أن نقاشا حادا كان يجري في تلك الأيام حول موضوع: من هو الملاك على يمين المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام ومن هو على يساره؟ فكان البعض يقولون بأن المولوي عبد الكريم هو الملك الذي على يساره عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام وأستاذي المحترم الخليفة الأول رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الملك الذي على يمينه، أما أنا فما كنتُ قادرا على المقارنة بين مستوى علمهما وأعمالهما. أي كان سنّي سن الطفولة، لا سن التفكير، وكنت أرى أنني ممن يفضلون نور الدين، وذلك بسبب ما كنت أكنّه من حب لحضرته. وذات مرة كنا سألنا المسيح الموعود عليه السلام عن هذا الأمر فكان أن أيد رأيي بأن نور الدين هو الأقرب إليه. باختصار، لم تربطني بالمولوي عبد الكريم علاقة وطيدة، اللهم إلا أنني كنت من المشيدين بخطبه المؤثرة وحبه العميق للمسيح الموعود عليه السلام، ولكن ما إنْ سمعتُ خبر وفاته إلا وتغيرت حالي تماما، فقد نزل عليَّ ذلك الصوت كبرق سرى في كياني كله. لما سمعت نعيه لم أتمالك نفسي، وجريت إلى غرفتني وأغلقت عليّ الباب، ثم ارتميت على السرير كجثة هامدة، وأخذت الدموع تفيض من عيني. لم تكن دموعًا بل كانت نهرًا. أخذت مشاهد شتى تدور أمام عيني، مِن عدم بقاء الدنيا، وحُبّ وخدمة المولوي عبد الكريم لحضرة المسيح الموعود عليه السلام. فمرة بعد أخرى كنت أفكر أن حضرته رضي الله عنه كان يساعد المسيح الموعود عليه السلام في أعماله كثيرا، وأن حضرته سوف يتألم كثيرا بوفاته، ثم غشت عيني غشاوةٌ وسالت منها الدموع أنهارًا مرة أخرى. لم آكل في ذلك اليوم، ولم تكفف عيني عن الدموع، حتى تعجّبَ المسيح الموعود عليه السلام من حالي إذ كنت لا أبالي بشيء قبل ذلك، فقال في حيرة: ما الذي حدث بمحمود، فلم يكن مرتبطًا بالمولوي عبد الكريم بهذا القدر، وأخشى عليه أن يمرض.

ثم يذكر المصلح الموعود رضي الله عنه ما حدث في سنة 1908، فقال: لم يكن ذلك الحادث مؤلما لي فحسْب، بل كان مرحلة جديدة في حياتي بل وفي حياة كل الأحمديين، ففي تلك السنة فارقَنا ذلك الذي كان بمنزلة الروح لأجسادنا، والنورِ لعيوننا، والضوءِ لقلوبنا المظلمة. لم يكن فراقًا بل قيامةً. خُسفت الأرض من تحت أقدامنا، وتزعزعت السماء من مكانها. واللهُ شاهد على أنني لم أفكر عندها في الأكل والشرب واللباس، بل استولت علي فكرة واحدة وهي أنني لن أتخلى عن المسيح الموعود عليه السلام ولو خذَله الناس جميعا، ولن أبرح حتى أقيم هذه الجماعة في العالم ثانية. لا أدري إلى أي مدى وفّيت بعهدي هذا، إلا أنني نويت دائما أن تكون أعمالي موافقة لعهدي هذا.

اليوم يشهد بفضل الله كل فرد من الجماعة بل سيشهد الآتون بعدنا أيضا على أن حضرته رضي الله عنه قد وفى بعهده أيما وفاء، بل أرشدنا أيضا إلى طرق تساعدنا على الوفاء بعهودنا. وفقنا الله تعالى للوفاء بها. آمين.

سوف أصلي على اثنين صلاة الجنازة، فإحدى الجنازتين حاضرة، وهي للسيدة ثريا بيغم زوجة الشودري عبد الرحيم المرحوم من ملتان، وكانت مقيمة في هذه الأيام في مانشستر بالمملكة المتحدة. لقد توفيت في 11/11 عن عمر يناهز 77 عاما. إنا لله وإنا إليه راجعون. كانت صالحة طيبة، مواظبة على الصلوات، خلوقة، صابرة وشاكرة، ومنخرطة في نظام الوصية. خلفت 6 أبناء و4 بنات. يخدم أحد أبنائها السيد عبد المتين الجماعةَ بصفة زعيم أنصار الله في مانشستر، وتخدم إحدى بناتها بصفة رئيسة لجنة إماء الله في مانشستر. سوف أصلي عليها الجنازة، رفع الله درجاتها ووفق أولادها للحفاظ على حسناتها. آمين.

والجنازة الثانية هي للسيد محمود عبد الله الشبوطي من اليمن، حيث توفي إلى رحمة الله في 9/11/2014 إثرَ مرض طويل. إنا لله وإنا إليه راجعون. بعَثه والده للدراسة في الجامعة الإسلامية الأحمدية في ربوة، حيث تخرج منها حاملاً شهادة “شاهد”، وعُيِّن داعيةً في اليمن بعد الداعية غلام أحمد. وُلد المرحوم في 24/5/1934. كان أبوه السيد عبد الله محمد عثمان الشبوطي أول أحمدي في اليمن حيث بايع بواسطة الداعية غلام أحمد.

بعثه والده في شهر يونيو عام 1952 للدراسة في الجامعة الإسلامية الأحمدية حيث تخرَّج في الجامعة. وبالإضافة إلى ذلك نال شهادة “مولوي فاضل” أيضا من جامعة البنجاب، وكان أول أجنبي ينال هذه الشهادة. بعد التخرج في الجامعة الأحمدية عاد إلى بلاده في عام 1960 لكن والده نصحه قبل العودة أن يتزوج هناك في ربوة. فرتَّبت له مؤسسة التحريك الجديد الزواج من نسرين شاه المحترمة ابنة سيد بشير أحمد المحترم وهو من عائلة حضرة السيد عبد الستار شاه التي كانت زوجة الخليفة الرابع رحمه الله أيضا منها. لقد كتب عن المرحوم الشبوطي ابنُه أن جميع طلاب الجامعة الأحمدية كانوا يصلون صلاة الفجر في مسجد محمود الواقع قريبا من مساكن التحريك الجديد لكن المرحوم كان يصلي الفجر في المسجد المبارك وبعد الصلاة كان يتنـزه مع حضرة ميان بشير أحمد رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. من زملائه في الجماعة الأستاذ عثمان الصيني المحترم والأستاذ المرحوم عبد الوهاب آدم. لقد ظل المرحوم داعيةً للجماعة حتى بداية السبعينات في اليمن حيث استقل اليمن عن الحكم البريطاني واستولى على الحكم الحزب الشيوعي الذي منع أي نشاطات دينية وأي تبليغ. فطلبت منه الجماعة أن يتوقف عن النشاط، إلا أنه ظل يدير أمور الجماعة الإدارية والمالية، كما كان يلقي خطب الجمعة والعيدين في مسجد الجماعة في عدن. كان هذا المسجد مِلكا لأحد الأحمديين وبعد وفاته طالب أهلُه غير الأحمديين بإعادة المسجد إليهم. فعرض المرحوم بيته ليتحول إلى مسجد، وظلت الصلوات تقام فيه.

لم يكن المرحوم يأخذ من الجماعة أي نفقة بل كان يسد جميع احتياجات الجماعة من جيبه الخاص ويرسل ميزانية الجماعة إلى المركز دون استقطاع احتياجات الجماعة المحلية. كانت الجماعة أعطت كل المبشرين الأوائل أرضا في ربوة وكان المرحوم منهم لكنه تبرع بها للجماعة، كما كان الأستاذ المرحوم عبد الوهاب آدم أيضا تبرع بها. لقد أنشأ المرحوم أولاده على حب الخلافة والجماعة، كان إنسانا محبا جدا، لقد جاء إلى هنا أيضا وقابلني، كان يصل الرحِم لكل أهله سواء كانوا أحمديين أو لا، وكان يزورهم دوريا. ترك خلفه زوجته السيدة نسرين شاه المحترمة وخمسة أبناء واثني عشر حفيدا وحفيدة. أحد أبنائه يقيم في كندا، والثاني ناصر أحمد مقيم هنا في بريطانيا. رفع الله درجات المرحوم، ووفَّق أولاده أيضا لاقتفاء أثره.

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.