خطاب أمير المؤمنين أمام لجنة إماء الله في جلسة بريطانيا 2016

آخر تحديث : الإثنين 19 سبتمبر 2016 - 7:34 مساءً
2016 09 19
2016 09 19
خطاب أمير المؤمنين أمام لجنة إماء الله في جلسة بريطانيا 2016

خطاب أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام يوم 13/08/2016م والذي ألقاه في خيمة النساء في حديقة المهدي بمناسبة الجلسة السنوية للجماعة في بريطانيا

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. “بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّينَ”. (آمين).

إن الغاية من خلْق النساء والرجال بحسب تعليم القرآن الكريم هي واحدة وهي الفوز برضوان الله عز وجل، ويريد الله عز وجل أن يعرف المؤمنون والمؤمنات- سواء كانوا من طبقة الأغنياء أو العامة أي سواء كانوا أثرياء أو فقراء- الغايةَ المتوخاة من خلقهم. يقول الله عز وجل: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” وهذا يشمل الذكور والإناث كلهم. فالذين يستجيبون لأوامر الله عز وجل ويؤدون حقه ويتبعون تعليم الله عز وجل سواء كانوا رجالا أو نساء فقد بشَّرهم الله عز وجل أيضا. فحين بشَّر الله عز وجل بالجنة فقد خاطب النساء والرجال منفصلين، وفي بعض الأحيان استخدم كلمة “الناس” أو “المؤمن” فقط. ففي سورة التوبة حين بشَّر الله عز وجل بالجنة فقد ذكر الرجال والنساء كليهما، حيث قال جل شأنه: “وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” ثم قال “وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ”، فواضح جدا أن الإنعام الذي يناله الرجال المؤمنون تناله نفسَه المؤمناتُ أيضا. فلم يَرِد قط في أي مكان أن النساء سينلن درجة ناقصة أو أقل من درجة الرجال، أو سيكون في الإنعام نقص أو زيادة، أو أن المكان الذي سيكون فيه الرجالُ لن تكون فيه النساء، فقد قال الله عز وجل أن اعملوا صالحا. فالعمل الحسن وتقديم الله عز وجل على كل ما سواه واجب، وعند الالتزام بهذا الأمر ستنال النساء أيضا الإنعامَ الذي يناله الرجال، فليس هناك تمييز للرجال. بل قال عز وجل في موضع آخر: إن الرجال والنساء كلاهما سينالون أجرا عظيما، بشرط أن يحرزوا أعمالا حسنة. ثم بيَّن الله عز وجل تفصيل الأعمال الحسنة، فقال: سبحانه وتعالى “إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا” (الأحزاب: 36)، فالأعمال هي التي يُنال بها أجرٌ عظيم. ثم كتب تفصيل هذه الحسنات وينبغي أن نتحراها إذا كنا نريد الفوز بحب الله ونريد رضوانه ونريد أن نكسب الأجر منه. ومثل ذلك قد ذُكر المؤمنون والمؤمنات منفصلين. صحيح أنه في مواضع كثيرة وُجِّه الخطاب إلى الرجال والنساء بكلمة “المؤمنين” فقط، فهذه الكلمة تشمل النساء أيضا. فمن ميزة القرآن الكريم أنه استخدم كلمة “المؤمنين” وحدها في المواضع التي كان لا بد فيها من لفت انتباه الرجال والنساء إلى مسئولياتهم. أما حين أراد الله تعالى الإخبار عن إقامة حقوق الرجال والنساء كليهما وعن إعطائهما أجرًا وتبشيرهما بالجنة وكان ثمة حاجة لذكر مسئولياتهم وذكر إنعاماته عز وجل بحثٍّ خاص وإظهار العلاقة به  فقد ذكر المؤمنين والمؤمنات على حدة.

يعترض المعترضون بهدف الطعن فقط حيث إن اعتراضاتهم لا وزن لها، إذ قد دحض القرآن الكريم اعتراضاتِهم. فكل واحد من هؤلاء الذين يعترضون على القرآن الكريم لا يرى أن أي كتاب ديني قبل الإسلام لم يذكر جميع حقوق المرأة والمسائل المتعلقة بها كما ذكرها الإسلام. إن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي وضَّح أن للنساء أيضا مشاعر وعواطف كالرجال، وأن للنساء أيضا رغباتٍ كما للرجال. فحين أقام الله تعالى حقوق الرجال قد ذكر في نفس الوقت حقوق النساء قائلا: “وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ” (البقرة: 229). أي أن حقوق النساء على الرجال كما لهم عليهن بحسب المعروف. وأيضا قد أقام الإسلام للمرأة حقوقًا لا حصر لها. فالرجال والنساء كلاهما متساوٍ في نيل الأجر على الحسنة كما ذكرتُ، وقد أعطى الإسلام النساءَ حقهن في الوراثة، وأعلن أن دخْل المرأة حقُّها وحدها، ونهى عن غصْب حق الميراث منها، فقال أعطوها حقها، ولا تسلبوا منها حق الميراث. ونهى عن زواج المرأة إلحاقا للضرر بها، وهناك أوامر كثيرة من هذا القبيل.

مرة قال لي صحفي: ألا ترى أن هناك حاجة للتعديل في تعاليم الإسلام كما تُجرى التعديلات في المسيحية بحسب مقتضيات العصر الحديث؟ فقلت له: كلا، ذلك لأن الإسلام قد حدد المسئوليات لكل واحد بحسب الطبع الإنساني، فلا داعي لأي تغيير. لأن الحاجة إلى التغيير تظهر حيث تلاحَظ النقائص، وتُغصب الحقوق سواء كانت حقوق الرجل أو المرأة، أو كانت حقوق الأولاد أو الوالدين، وسواء كانت حقوق العامل أو الأجير أو الموظف أو صاحب العمل، وسواء كانت حقوق المواطن العادي أو الحكومة، فقد تم تحديد جميع الحقوق بمنتهى العدل. إذا كانت جميع هذه الحقوق تؤدَّى كما رأينا نماذجها في الحكومة الإسلامية الصحيحة في صدر الإسلام، فمن الغباء المحض القول بأننا يجب أن نتبع التعليم الحديث وهو الذي يقتضي تغيير التعليم الديني. أما إذا كانت هذه الحقوق لا تؤدَّى فيجب بذلُ المساعي لتأديتها، والعملِ بالتعليم الإسلامي الصحيح. أما القول بأنه يجب تغييره فهذا لن يشكِّل حلا، لأن الحكومات أو الرؤساء الذين لا يؤدون هذه الحقوق الآن لن يؤدوها حتى بعد تغيير هذا التعليم. فالأصل أنه يجب بذل المساعي لإعطاء كل ذي حق حقه، ويجب أن ينفَّذ التعليم الإسلامي الصحيح. فحين أنظر إلى كتابي الديني القرآن الكريم أجده كلام الله عالمِ الغيب والشهادة، الذي يعلم ما حدث في الماضي وما يحدث في الحاضر وما سيحدث مستقبلا أيضا. فما دمنا نؤمن بهذا الإله ونوقن بهذا الكتاب الذي أحاط بكل شيء فلماذا نظن أنه ثمة حاجة لتغيير أحكام الإسلام؟ ثم لما كان الدين من الله تعالى، وكنت موقنًا حق الإيقان بوجود الله عز وجل، وأن الله عز وجل هو الذي يرسل الدين، فلا أجد مبررا لاتباع القوانين التي سنَّها البشر تاركا الله عز وجل.

يوم الأمس جاء كثير من الصحفيين وقت الجمعة حيث كان أول يوم من أيام الجلسة، فقال لي سكرتير الإعلام في الجماعة بعد الجمعة: لقد حضر الصحفيون إلى هنا ونحن قلقون بسبب مراسِلة (Chanal4) ، لقد قالت هذه السيدة: كل الأمور عندكم جيدة وصحيحة لكن تخصيصكم مكانا منفصلا للنساء عن مكان الرجال يُثبت أنكم أيضا متطرفون، فأنتم بذلك تغصبون حقوق النساء. فقلت له لا داعي للقلق. أولا قل لها ردًّا على اعتراضها: لن نرد عليك نحن الرجال, فاسألي النساءَ. وقد سرَّني كثيرا أن ممثلة اللجنة التي تسجِّل المقابلات في الصحافة قد ردَّت عليها ردًّا رائعا، فإن كانت تلك المراسلة قد اقتنعتْ به أم لا فهذا شأن آخر، إلا أنها لا تملك أي دليل للرد عليه. وثانيا: إذا أرادت تلك المراسلة نشْر أي خبر سلبي عن الجماعة أو تعليقا فلتفعل ما تشاء، فليست غايتنا المتوخاة إرضاء أهل الدنيا والصحافةِ أو أصحاب قناة معينة، إنما نريد أن نُرضي الله عز وجل وعلينا أن نسعى لذلك ونستجيب لأوامره. إنني أقول عادةً في مثل هذه المواقف: إن الله عز وجل يرسل الدين كي نتّبعه ليوصلنا إلى خالقِنا سبحانه وتعالى لا أن يتبع الدين الناسَ، فالدين لا يأتي لكي نُفرح الناس باتباع أهوائهم. إن الله عز وجل يبعث الرسل حين يكون الفساد مستشريا في الأرض.

كما ذُكر في القرآن الكريم أن الله تعالى أرسل النبي صلى الله عليه وسلم في زمن كان العالم كله مليئا بالفساد، ثم أرسل المسيحَ الموعود علسه السلام خادما للنبي صلى الله عليه وسلم في زمن حين كان الفساد منتشرا في العالم كله في كل حدب وصوب. والفساد الذي ذكره عليه السلام قبل مئة عام- والذي أخبرنا عن كيفية درئه في ضوء القرآن الكريم- نراه اليوم سائدا في كل مكان. إن علاج هذا الفساد هو ما ذكره القرآن الكريم قبل 1400 عام من اليوم، ولقد شرحه لنا المسيح الموعود عليه السلام في هذا العصر بكل وضوح. الناس الماديون الذين ابتعدوا عن الدين ويعيثون الفساد معترضين عليه سيرون مغبة أعمالهم يوما. كذلك الذين يُفسدون باسم الدين سيكون سلوكهم هذا سببا لبطشهم وإن كانوا من المسلمين. إن هؤلاء الناس الماديين الذين يعترضون اليوم على جلوس الرجال والنساء في المجالس منفصلين- وهذا هو أكبر اعتراضهم علينا- كانوا قد حرموا النساء من كل حق حتى إلى بضعة عقود. ثم عندما رفعت المرأة عقيرتها للحصول على حقوقها، وصلت الأمور إلى التفريط لأنها كانت نتاج المساعي البشرية. وقد قدِّم هذا الأمر أمام العالم باسم حقوق المرأة لدرجة قُضي على كرامتها بعذر عاطفة مواساتها وحريتها. المرأة الأوروبية لا تدرك أن شخصيتها تبرز للعيان وتشعر بحمايتها عندما تكون بين النساء فقط وتعمل مع مؤسسة نسائية وتكون كل حركة من حركاتها متسمة بالحرية. قبل عامين تقريبا نزلت عندنا سيدةٌ إنجليزية ضيفة، وهي كاتبة معروفة، فقضت يوما كاملا مع السيدات وقالت في المساء: استغربتُ في البداية لكوني في النساء فقط، ولكني عندما قضيت اليوم كله معهن شعرتُ بأنني أتمتع بالحرية والحماية أكثر ما يمكن. إذًا، عندما تُخبر المرأة بحقوقها مع الحفاظ على كرامتها فلا بد أن تشعر- وإن كانت غير مسلمة ووُلدت وترعرعت في أوروبا- أن الإسلام يحافظ على حقوقها وكرامتها أكثر، وأن جلوسها منفصلة عن الرجال لا يقضي على حريتها. قالت السيدة التي جاءت ممثلة للقناة الرابعة في محطة بي بي سي حين ذكرتْ المعرض أو موضوعا آخر بأن دخول النساء إلى ذلك المكان ليس مسموحا، ولقد كان من دواعي سروري أن كثيرا من الفتيات الأحمديات رددن على هذا الاعتراض بأن ما قالتْه ليس صحيحا.

إذًا، هذا رد فعلٍ يظهر للعيان في البلاد الغربية- التي تُعَدّ بلادا متقدمة- ضد قانون بشري سُنّ باسم حرية المرأة. ولأن المرأة تعرف أو تشعر بأنها بحاجة إلى رجل من أجل الحصول على حريتها، ويظهر ضعفها الطبيعي بصورة غير محسوسة فاستعانت بالرجل للحصول على حريتها. فاستغل الرجل ضعف طبيعة المرأة وحين ساعدها، حاول أن يجعلها عارية باسم الحرية إشباعا لرغباته. لقد كتبت سيدة إنجليزية مقالا قالت فيه بأن الرجال يسعون كثيرا أن يزيلوا حجاب النساء وأن تلبس النساء لباسا خفيفا جدا، وهم نشيطون جدا في هذا المجال، وأنهم يفعلون ذلك لإشباع أهوائهم أكثر من حرية النساء ليروا المرأة عارية. إذًا، هذا ما تقوله السيدات العاقلات الأوروبيات. إن هؤلاء الحائزين على التقدم المزعوم لم يروا إلا جانبا واحدا من الظلم الذي ارتُكب بحق المرأة باسم الدين والتقاليد. كذلك المرأة أيضا لم تر إلا جانبا واحدا من عبوديتها باسم المسيحية والدين والتقاليد. هذا الأمر لا يقتصر على العالَـم الثالث فقط بل هذا ما ظلّ يحدث في هذه البلاد أيضا إلى بضعة عقود ماضية، وقد سعت المرأة بكل ما في وُسعها للحد من هذا الوضع ونيل حريتها.

والمأساة الأخرى التي حلّت بالمسلمين هي أن بعضهم ألبسوا تقاليدهم القومية- التي لم تكن تقاليد إسلامية بل كانت تقاليد مختلف الأقوام- عباءة الدين وزعموا أنه لا أهمية للمرأة قط.

يقول المسيح الموعود عليه السلام حول هذا الموضوع: هؤلاء الناس يظلمون باسم الدين إذ يحسبون المرأة شيئا حقيرا ومهانا جدا بل كانوا يحسبونها مثل الحذاء مع أن الإسلام يؤسس حقوقها. لقد قال أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أنهم ما كانوا يرفعون صوتهم عند الحديث مع أزواجهم حتى لا تُرفع الشكوى ضدهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام. إذًا، هذه هي حقوق المرأة التي أقامها النبي عليه الصلاة والسلام. ثم تطرقت التقاليد القومية إلى المسلمين الذين جاؤوا فيما بعد من أقوام مختلفة، فكان الرجال يحسبون أنفسهم أقوياء مقارنة مع النساء، وكان بعضهم مع كونهم على مستوى لا بأس به من العلم الديني يعاملون النساء بقسوة بناء على هذين السببين أو لسبب آخر. لقد نشأ فيهم شعور- وإن لم يُظهروه علنا- أن النساء أقل درجة من الرجال، وأن احترام الرجل يكمن في أن يكون هناك فاصل بينه وبين المرأة وإن كانت زوجته، وألا يُسمح للمرأة بالكلام في وجه الرجل أثناء الحديث بينهما، وإذا خرج الرجل والمرأة للتنـزه في الشارع فليكن هناك فاصل بينهما.

ذات مرة كان المسيح الموعود عليه السلام يتمشى مع زوجته على المحطة في انتظار وصول القطار، فلما رأى ذلك المولوي عبد الكريم الذي كان عالما كبيرا، فقال المولوي عبد الكريم – نتيجة تأثير علماء الهند أو بناء على طبيعته- للمولوي نور الدين رضي الله عنه الذي كان موجودا هناك: إن المسيح الموعود عليه السلام يتمشى على المحطة مع زوجته، فماذا عسى أن يقول الناس؟ عليك أن تمنعه من ذلك. قال المولوي نور الدين: لا أستطيع أن أقول له ذلك إذ لا أرى في ذلك غضاضة، يمكنك أن تقول له بنفسك. فذهب المولوي عبد الكريم إليه رضي الله عنه وقال: سيدي، أنت تتمشى مع زوجتك هكذا، فماذا سيقول الناس؟ قال رضي الله عنه: ماذا سيقولون إلا أن مرزا غلام أحمد كان يتمشى مع زوجته على محطة القطار، فليقولوا ولا ضير في ذلك. فعاد المولوي عبد الكريم صامتا وناكسا رأسه. فقال له المولوي نور الدين مبتسما: هل تلقّيتَ جوابك، وهل اقتنعتَ؟ إذًا، مع أنه كان من المؤمنين بالمسيح الموعود عليه السلام وحائزا على بصيرة لكنه مع ذلك كان هناك تأثير للتقاليد المحلية فيه لدرجة كان يرى تمشي الزوجين معا في مكان عام معيبا. فنحن الأحمديين سعداء إذ قد بيّن لنا المسيح الموعود عليه السلام حقوق الرجال والنساء بكل وضوح في ضوء تعليم الإسلام. فإذا كانت نساؤنا يشعرن بدونية فعليهن أن ينبذن هذا الشعور. وبدلا من ذلك يتحتم عليهن أن يخبرن وسائلَ الإعلام- التي تتحين الفرص للاعتراض على الإسلام- بتعليم الإسلام الجميل ويقلن للمعترضين بأنكم تعترضون على الإسلام بينما يقول الإسلام بأن الرجال والنساء سيان من حيث الحقوق مع العلم أنه لم يُعطِ المرأة أيٌّ من أديانكم هذه الحقوق. كانت المرأة بمنـزلة الرقيق في الغرب، كما قلتُ من قبل، وكان زوجها يظلمها، ولكنها تلزم الصمت وتستمر في تحمّل المظالم بصمت. ولكن الإسلام أعلن قبل 1400 عام أنه إذا أرادت المرأة الانفصال عن زوجها نتيجة مظالمه، فلها ذلك. بل أعطاها الحق أيضا أنها إذا ازدادت كُرهها لزوجها إلى درجة لا تريد الاستمرار في علاقة زوجية فلها الحق في الخُلْع عنه. ولكن في هذه الصورة لا بد للمرأة أن تتخلّى وتتنازل عن جميع حقوقها، إن كانت تريد الخلع دونما سبب. وإن كانت تريد أن تمارس حقّها هذا فلا شك أنه يجوز.

ثم كما قلتُ إن للمرأة حق الـمُلكية لما تكسب من المال وأما الرجل فيكسب على حدته ولكن قيل له إن الإنفاق على الزوجة والأولاد مسئوليتُه ولا يجوز له أن ينظر إلى مال الزوجة. ثم بعض النساء بل أكثرهن لا يكسبن شيئا ولكنهنّ يردْنَ الإنفاق في سبيل الدين والتصدّق. جاءت امرأةٌ كهؤلاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت: إن زوجي يمنعني من التصدُّق فماذا أفعل؟ هل أستطيع أن أتصدّق دون علمه؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم، بل تستطيعين أن تتصدقي من مال زوجك بغير إذنه. فأعطى النبي عليه الصلاة والسلام المرأةَ الحقَ في هذه الأمور.

وإذا كان الزوجان ينفصلان بعد إنجاب الأولاد فأمر بأن “لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ”. (البقرة: 234) لأن الوالد والوالدة كلاهما يكنّان عواطف الحب لأولادهما. فهكذا أقام الله حقوق كليهما، لذا يجب على النساء والرجال -الذين يتعنتون في بعض الأحيان- ألا يؤذي أي منهما الآخرَ بسبب الأولاد، فالآباء الذين يسيطرون على الأولاد ولا يسمحون للأم أن تلتقي بأولادها وكذلك الأمهات اللواتي بسبب كراهيتهن -التي يُكْنِـنَّها لأزواجهن السابقين أحيانا- لا يسمحن للأولاد أن يلتقوا بآبائهم كلاهما مخطئان، ولا بد من إصلاح هذا الشيء. لذلك قال الله تعالى مع كل حسنة أنه يجب أن يكون رضا الله تعالى مقدَّما. وكذلك قرَّر الإسلامُ حقَّ المرأة في إرث والدَيْها وإرث زوجها وأولادها.

فالإسلامُ أقام كلَّ نوعٍ من الحقوق ومنح الله تعالى المرأةَ حقوقَها مراعيا فطرةَ البشر ونظرا إلى حاجاتِ الرجل والمرأةِ وتحقيقًا لمقتضيات العدالة. فكيف يمكن مقارنة هذه الحقوق مع الحقوق التي وضعها البشر. يُسعى اليوم باسم حقوق المرأة لإقامة حريّات وحقوقٍ يتبيّن منها أنها مجرد التظاهر والرياء أو الانتقام وإظهار البغضاء. سوف يأتي وقت يشعرون فيه بأنفسهم أن الله تعالى – وفق ما فطر عليه الرجل والمرأة- أقام حقوقا متساوية للجنسَين حيثما كان هناك اشتراك في طبيعتهما، وحيثما كانت المرأة تحتاج إلى حماية أكثر بسبب ضعف طبيعتها أعطاها الإسلام حماية أكثر، وفي أمور الرجال ألقى المسئوليةَ على عاتق الرجال. وحين سيرى هؤلاء الناسُ -الذين يزعمون أنهم متقدمون- عيوبا ونقائص فيما وضعوه من قوانين الحرية، وسيأتي وقت حين تظهر هذه العيوب، فسوف يبحثون عن حلٍّ أمثل لإزالة تلك النقائص، فحينها سيكون الإسلام وحده الذي يقدِّم الحلَّ الأمثل. فلا حاجة أن يكون لديكم أي شعور بالنقص. قبل فترة قليلة أعطى رئيسُ الوزراء السابق في بريطانيا النساءَ هذا الحق أنهن يستطعن الاشتراك في الوحدات المقاتلة من الجيش، فبدأ بعضُ الضباط الخبراء المحنكين يعلّقون على ذلك، وهذا سيتبيّن أكثر عندما تظهر النتائج، أما هؤلاء الضباط فيقولون: سيضعُف بذلك جيشنا وسيتوجَّه الجنودُ الرجالُ إلى حماية الجنديات النساء أثناء الحرب بدلا من أن يقاتلوا العدو ولن يستطيعوا التركيز على الحرب. وهذا هو الحق.

فالإسلام يقول إن مقام المرأة الحقيقي هو تربية الأولاد في بيتها، فالجزاء الذي سيناله الرجل الذي يعمل خارج البيت أو يجاهد الذين يريدون القضاء على الدين، ستناله بالضبط المرأةُ التي تُربّي أولادها تربية صحيحة في بيتها وتجعلهم نافعين للبلد والشعبِ. فالإسلام إذا منع المرأةَ من شيء فلم يحرمها من الأجر الذي يترتب على ذلك الشيء، بل أعطاها أجرا مساويا لقاء عمل لا يستطيع أن يقوم به الرجلُ. فالإسلام لا يعتبر المرأةَ أقل شأن ومنزلة. فما تتكبّده المرأة من معاناة أثناء الإنجاب وأثناء تربية الأولاد لا يمكن للرجل أن يتصورها أو يتحمّلها ولا يستطيع القيام بذلك. ومن هذه الناحية أعصاب المرأةِ قوية لدرجة لا يستطيع الرجل أن يبلغها. ونظرا لأهمية عمل المرأة قال النبي عليه الصلاة والسلام ثلاث مرات ردًّا على سؤال رجل: إن أمك أحق الناس بصحبتك وقال في المرة الرابعة: ثم أبوك. ولأن الأم تجعل الأولاد مواطنين صالحين طيّبين وعاملين نافعين وتُرَبِّيْهم تربيةً حسنةً لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: الجنة تحت أقدام الأمهات.

فكما قلتُ: علينا أن نخبر العالَم وأن نرسّخ في أذهان أجيالنا القادمة أن الإسلام يحافظ على حقوق المرأة ويعطيها مقاما، وسوف نكون قادرين في وقت من الأوقات على إقناعِ العالم والإثباتِ أن الإسلام وحده يقيم الحقوقَ الحقيقيةَ للمرأةِ وترسيخِه في أذهان أجيالنا، إذا كانوا ذكورا فيجب إخبارهم بأن الدين يفرض عليكم أداء حقوق المرأة، فلو ربّت كل أمّ ولدَها على هذا النحو لانحلّ كثير من المشاكل العائلية، ولو علَّمتْه أن الله تعالى جعله مسئولا لتأدية حقوق المرأة وإن لم يؤدِّها كان آثما، فسوف يكون الأحمديون القادمون حاملي لواء حقوقِ كل امرأةٍ مسلمةٍ بل حقوقِ كل امرأة، وبدلا من أن يهتمّوا بأمور مادِّية أو بكلام المادّيين وأن يحاربوا مثل المادِّيين من أجل حقوق المرأة سيسعون لإعطاء المرأة حقوقها وفق تعليم الإسلام. فإذا بدأت النساء بهذه التربية في بيوتهن حينها سيحارب الذكور من أجل حقوقهن، وبدلا من أن تذهبوا أو تذهب بَناتُنا إلى المنظّمات الدنيوية من أجل حقوقهن سيصبحْن المحافظات على الحقوق التي منحها الإسلامُ إياهن. ولو تم تعليم البنات بما يعطيهن الإسلام من حقوق، وإذا تم تعليم الأجيال القادمة أيضا ذلك فسوف ينشأ مجتمع جميل يقيم حقوق المرأة.

ويجب على النساء الأحمديات والبنات الأحمديات أن يُدركْنَ أهمية هذا الأمر ويحملْنَ هذه المسئوليةَ فالأجيال القادمة -من أي شعب كانت- ستُصبح مسئولة لحقوق المرأة، وسيسترشد العالمُ لإقامة الحقوق بالنظر إليكن. وأنتن تسبّبْن تحرير المرأة في كل شعب من أغلال العبودية وتُقمْن حقوقها بعد تحريرها. وأقول للرجال أيضا بأن يكونوا معاوني النساء في هذه المهمة العظيمة. القوى المعارِضة للدين اليوم تُبعد العالَم عن الدين باسم الحقوق الإنسانية، وهذا تحدٍّ كبير لنا وعلينا أن نقرّب العالَم إلى الدين باسم الحقوق نفسها. تقول الدنيا إن الدين لا يعطي حقوقا وعلينا أن نخبرها بأن الدين يعطي الحقوق ونحن ندعوكم إلى الدين بناء على الحقوق نفسها ونقرّبكم إليه، وعلى نسائنا أن يلعبْن دورا بارزا في هذا المجال وعلى الرجال أن يساعدوهن.

ندعو الله تعالى أن تكون كل امرأة ممن يؤدون واجباتهم وتعملُ بنفسها بتعليم الإسلام وتجعل أجيالها القادمة أيضا عاملةً به، وتُقدّم رضا الله تعالى لكي يتمكن العالَـم من رؤية الوجه الحقيقي لتعليم الإسلام ولحقوق المرأة الحقيقية. وفّق الله تعالى كل امرأة أحمدية لذلك. تعالوا ندعُ الآن، (الدعاء).

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.