خطاب أمير المؤمنين الإفتتاحي في جلسة بريطانيا 2016

آخر تحديث : الإثنين 19 سبتمبر 2016 - 8:17 مساءً
2016 09 19
2016 09 19
خطاب أمير المؤمنين الإفتتاحي في جلسة بريطانيا 2016

الخطاب الافتتاحي الذي ألقاه أمير المؤمنين سيدنا مرزامسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العز يز الخليفة الخامس للمسيح الموعود و الإمام المهدي عليه السلام يوم 12/08/2016 في حديقة المهدي في آلتون بمناسبة الجلسة السنوية للجماعة في بريطانيا

إن الجماعة الإسلامية الأحمدية في بريطانيا تولي جلستها السنوية لهذا العام اهتماما ملحوظا وربما بذلت جهودا حثيثة لرفع عدد الحضور أيضا، ويبدو أنه نتيجة لهذه الجهود المبذولة قد حصل ازدياد في عدد الحضور بفضل الله تعالى، والأحمديون يشاركون من خارج بريطانيا أيضا، لأنه يقال إن هذه الجلسة هي الجلسة الخمسون لجماعة بريطانيا. لقد قلت “يقال” لأنه من الحقائق التي ظهرت لاحقا تبيَّن وجود جلستين واحدة في عام 1949م وأخرى في عام1950م لم تُعدَّا من ضمن عدد الجلسات الخمسين لسبب. ثم بعد عام 1950م لم تُعقد الجلسات إلى عام 1964م، وأيضا بعد عام 1964م لم تعقد جلستان أي عام 1974م وعام 2001م. فبعض الأحمديين القدامى لا يعدُّون جلسةَ سنةَ 1949م وجلسةَ سنةَ 1950م من الجلسات، إذ كانت إحداهما في يوم عيد الأضحى وكانت كل واحدة ليوم واحد فقط، ولكننا نجد من جريدة “الفضل” أن الجلسة قد أقيمت في هاتين السنتين حتمًا.

على كل حال فإن الخطأ الذي حصل أو سوء الفهم في تعداد الجلسات السنوية لجماعة بريطانيا أو عدم عدِّهما ضمن الجلسات أصلا هو لكونهما ليوم واحد فقط. ومهما يكن من أمر من المؤكد أن تاريخ الجلسات السنوية في بريطانية هو خمسون سنة أو أكثر، وإذا عُدَّت الجلستان اللتان لا تُعدَّان عادة- وإن كان البعض يعدُّونهما- فنستطيع القول إن الجماعة في بريطانيا تحتفل هذا العام بالذكرى الخمسين لبدء الجلسات في بريطانيا وذلك بغضّ النظر عن العدد الحقيقي للجلسات. أهل الدنيا يحتفلون بيوبيل ذهبي عند اكتمال خمسين سنة على مناسبة ما، لكن ذلك لا يليق بالجماعات الدينية، ولا سيما الجماعة التي أقيمت بواسطة المسيح الموعود والمهدي المعهود للنشأة الثانية للإسلام بحسب وعود الله سبحانه وتعالى وتحقيقا لنبوءات النبي صلى الله عليه وسلم، فليس من أهدافها الاحتفال باليوبيلات المادية، بل غايتها أن تفحص هل حقَّقت الهدف الذي من أجله قد بُعث المسيح الموعود عليه السلام، أو هل تسعى لتحقيقه؟ فعلينا أن نستعرض ما هي المساعي التي بذلناها إلى الآن وما يجب علينا أن نبذله لتحقيق الهدف الذي من أجله بايعنا المسيح الموعود عليه السلام. علينا أن نستعرض هل جعلنا الهدف الذي بيَّنه المسيح الموعود عليه السلام لعقد هذه الجلسات جزءا من حياتنا بعد تحقيقه أم لا. فليس الهدف أن نحتفل بيوبيل فضي أو ذهبي أو ألماسي بعد مرور مدة معينة.

إن أهل الدنيا الماديين يظنون أنهم بالخوض في اللهو واللعب وتبادُل التهاني وإقامة المعالم التذكارية قد أحرزوا النجاح، فهم يهتمون بالضجيج والصخَب واللهو والمظاهر بكثرة، ولا يعبأون بحقوق الله عز وجل ناهيك عن الاهتمام بأداء حقوق العباد. وهذه الاحتفالات لا تتوقف على اليوبيلات فقط بل تقام بعض الاحتفالات كلما مرت بضع سنوات وتنفق فيها عشرات الملايين من الدولارات على اللهو واللعب والصخب. في هذه الأيام يقام الأولمبياد في البرازيل من أجل الألعاب وقد تم إنفاق بلايين الدولارات في أيام قليلة. فهذا البلد الذي لا يستطيع فيه عدد كبير من السكان تأمين طعامهم اليومي، ويقال إن رواتب الموظفين الحكوميين فيه بالكاد تكفي للقوت اليومي، قد بُني فيه إستاد للأولمبياد وشُيّدت شتى المرافق لتنفيذ إجراءات طارئة، بل قيل إنه قد مُدَّ خط الترام والقطار لنقل الناس من منطقة الأغنياء إلى موقع الأولمبياد مع أنهم سلفا يتنقلون في سياراتهم الخاصة ولم يكن هناك مبرر لتأمين هذه التسهيلات من أجل هدف مؤقت والتي لن تستخدم بعد هذه المناسبة، بل لن تستخدم حتى بعد مرور هذه الأيام أيضا، ثم إنها لم تستخدم في هذه الأيام دع عنك استخدامها في المستقبل! لقد أُنفقتْ هذه الأموال الطائلة دونما مبرر للرياء وإظهار الرونق والهيبة لمناسباتهم وإعلانا عن مدى رقي بلادهم. فلو هُيِّئت هذه التسهيلات للفقراء ومُدت خطوط الترام والقطار إلى مناطق الفقراء وأُمِّنت لهم المواصلات لكان ذلك أفضل. باختصار إنه بهذا الفعل قد تم إضعاف الاقتصاد الوطني -الذي هو سلفا متأزم بل قد تردَّى كثيرا- من أجل اللهو واللعب لأيام معدودات. وكل ما فُعل كان أملا في كسب الأموال من ثمن التذاكر، مع أن التجربة بعد كل أولمبياد تفيد أنهم يعقدون الآمال فقط ولا يستردُّون قط الأموال التي أنفقوها. باختصار إن الهدف من الأعمال المادية هو الرياء فقط وإثارة الصخب حتى لو كان ذلك يتطلب حرمان العامة من حقوقهم. ولذلك يثير العامة هناك ضجة في هذه الأيام. أما الذين يعملون ابتغاء مرضاة الله تعالى فهم دوما يراعون ويضعون في البال ما الذي يريده الله تعالى منهم. فالعاملون في جماعات إلهية هم فقراء ومستعدون لتقديم كل تضحية بكل سرور. ولإصلاح هذا الزمن قد بعث الله تعالى مصلحا أعلن أنه أرسل من الله عز وجل لإظهار محاسن تعليم الإسلام في العالم، وقال قد أرسلتُ لإقامة حقوق الله تعالى وحقوق العباد. فأعلنّا بعد مبايعته أننا سنوقن بواحدانية الله سبحانه وتعالى دوما ولن نشرك به أبدًا شركا خفيا ولا ظاهرا، وقلنا له سوف نجتنب الكذب وكل أنواع الأخلاق السيئة ساعين لتحقيق أهداف مبايعتك، وسنجتنب كل أنواع الظلم والخيانة والبغي. فقد بايعناه على أننا سنؤدي حق عبادة الله تعالى وسنتذكر منن الله عز وجل، وسنظل نصلي على النبي صلى الله عليه وسلم. وقلنا له: لن نهضم أبدًا حقوق خلْق الله تعالى ولن نؤذي المسلمين وسنتواضع دومًا ونجتنب التكبر ونستجيب لكل ما يأمرنا الله سبحانه وتعالى ورسولُه صلى الله عليه وسلم وسنُطيع دوما نظام الخلافة الذي أقيم بعد المسيح الموعود والمهدي المعهود عليه السلام. فحين أعلنّا وتعهدنا بأننا سنقوم بكل هذا وذاك، كانت الحاجة لمعسكر تربوي لمعرفة أعماق هذه الأمور بالتفصيل، فأسس لذلك سيدُنا المسيح الموعود عليه السلام هذه الجلسةَ السنوية. وأعلن: تعالَوا للاجتماع في المركز مرة واحدة على الأقل في السنة لإدراك تفاصيل عهد البيعة وزيادةِ إيمانكم ويقينكم ورفْع معايير أخلاقكم. وحيثما تتقدم الجماعة وتنتشر تقام هذه الجلسات. فهي تُقام في بلاد العالم المختلفة، وقد انتشرت هذه الجلسات في بلاد العالم بعد قاديان، وهدف الجلسة في كل بلد هو واحدٌ ألا وهو إطْلاع الناس على الغاية التي من أجلها كان المسيح الموعود عليه السلام قد أَسس هذه الجلسات. ويجب على كل أحمدي أن يجعلها جزءا من حياته. فقد قال حضرته عليه السلام: لن يتحقق هدف الجلسة إلا إذا تقدم كل أحمدي في معرفته وروحانيته وفي إنشاء العلاقة القوية بالله سبحانه وتعالى وازداد علمه الديني والحب والتآخي المتبادل. فعلى كل أحمدي أن يُظهر نماذج عملية بتطبيق تعليم القرآن الكريم على نفسه. ثم بلِّغوا العالم رسالة الإسلام الجميلة بعلمكم وعملكم. وإن التقدم في التقوى مهم جدا لتحقيق كل هذه الأمور.

فللجلسة هدفٌ موحد- سواء كانت رقم 50 أو رقم آخر بعده أو كانت جلسة اليوبيل أو كانت جلسة عادية تقام كل سنة- وهو أنه يجب أن نتقدم في أداء حقوق الله وحقوق العباد. فلم يكن لجلساتنا أي هدف مادي في الماضي ولا في هذه الجلسة. وإن لم يكن اتجاه تفكيرنا صحيحا فلن تفيدنا الجلسة الخمسون ولا الخامسة والسبعون ولا المائة. من سعادتنا أن المسيح الموعود عليه السلام لم يحدد لنا الهدف فقط بل قد وضَّح لنا طريقة تحقيق ذلك الهدف أيضا، فبيّن كيف يجب أن يكون إيماننا وما هي المعايير التي يجب أن ترتقي إليها عبادتُنا وكيف يجب أن نتصرف بعد مبايعتنا وما هي الأعمال التي يجب أن تصدر منا، وما هي المراحل التي نحتاج إلى المرور بها، وكيف يجب أن نقضي حياتنا. ما الذي كان حضرته عليه السلام يتوقعه من أبناء جماعته، ومَن هم الذين يجب أن نضع نماذجَهم في الحسبان، لكي نتمكن من تحقيق الهدف من انتمائنا إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية وحضورِ الجلسة؟ في هذا العصر الذي استشرى فيه الفساد في كل مكان، ونسي العالم فيه اللهَ تعالى، فإن الذين يدَّعون الإيمان بوجود الله تعالى هم أيضا لا يؤدون حقه، بل ومن المأساة أن جماعاتٍ من المسلمين تتمادى في الظلم والاعتداء باسم الله سبحانه وتعالى والإسلام، وبعد هضمهم لحقوق الله تعالى وحقوق خلْقه يحسبون أنهم يخدمون الإسلام. وفي هذه الحالة أخبرَنا الله سبحانه وتعالى ما الذي يريده الله منا وماذا يعلِّمنا الإسلام وكيف يمكن أن نؤدي حق الله تعالى وحقَّ مخلوقه، فقد قال حضرته عليه السلام مرة لافتا انتباهنا إلى تأدية هذين الحقَّين كليهما: “اعلموا أن الدنيا دار فانية والجميع سيموتون عاجلا أو آجلا، والقبور تنادي فاغرة أفواهها وكل شخص يدخلها بحسب نوبته. العمر غير جدير بالثقة والحياة فانية فلا يسع الإنسان أن يثق أو يتوقع هل سيحيا إلى أن يتخذ خطوة أخرى دعك أن يتوقع العيش إلى ثلاثة أو ستة أشهر. فما دام الحال على هذا المنوال وكانت ساعة الموت غير معلومة والموتُ أمر مؤكَّد ويقيني ولن يزول، فمن واجب العاقل الفطين أن يكون جاهزا له كل حين وآن. لذلك ورد في القرآن الكريم: “ا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ”. فما لم تكن معاملة المرء مع الله تعالى نزيهة وما لم يؤدِّ كِلا الحقَّينِ كما يجب لا تستوي الأمور. وكما قلت بأن الحقوق نوعان، حقوق الله تعالى وحقوق العباد. ثم إن حقوق العباد أيضا نوعان: أولا حقوق الإخوة في الدين سواء أكان أخا أو أبا أو ابنا ولكن بينهم أخوَّة دينية. ثانيا: مواساة صادقة مع بني البشر عامة.

إن أعظم حق من حقوق الله هو عبادته عز وجل وألا تكون العبادة بناء على هدف شخصي بل يجب أن يعبد المرءُ ربَّه وإن لم تكن هناك جنة أو جهنم. وألا يفتر الحب الذاتي الذي يجب أن يكنَّه المخلوق للخالق. ويجب ألا ينشأ سؤال الجنة أو الجحيم في أداء هذه الحقوق. (فهذا هو حق الله الذي يريده منا حضرته أن نؤدِّيه، أي أن تكون لنا علاقة حب عفيفة بالله سبحانه وتعالى، وهذه العلاقة حصرا تعصمنا من كل أنواع الشرك الظاهري والخفي.) فإن مذهبي في مواساة بني البشر أنه ما لم يدْع الإنسان حتى لعدوه لا يكون صدره نقيا. فحين قال سبحانه وتعالى: “ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ” فإنه لم يشترط أنكم إذا دعوتم للعدو فلن يجيبه، فلم يقل  ذلك. بل إن مذهبي هو أن الدعاء للعدو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. لقد أسلم عمر رضي الله عنه نتيجة الدعاء فحسب إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو له كثيرا. لذا يجب ألا يعادي المرء أحدا عداوة شخصية عنادا منه، ويجب ألا يكون الإنسان في الحقيقة مؤذيا. أشكر الله تعالى على أنني لا أجد عدوا لم أدعُ له مرتين أو ثلاثة، ليس هناك واحد مثله، وهذا ما أقوله لكم وأعلّمكم. (فهذا هو الدرس الذي يبلغ منتهى رحابة الصدر، فما دام يُتوقع من المؤمن أن يعامل الأغيار هذه المعاملة فكيف ينبغي أن تكون معايير حسن الخلق تجاه الأحبة، يجب عليهم أن يقدِّروا جيدا) إن الله بريء ممن يؤذي أحدا إيذاء حقيقيا أو يعاديه عنادا منه براءتَه من أن يُشرَك به أحد (أي يكره الله سبحانه وتعالى العداء دونما سبب، والمعارضة والشرك أشد الكراهية، أي كلاهما سيَّان). فهو لا يريد فصلا في مقام ولا يريد وصلا في مقام آخر، (أي لا يرضى الله سبحانه وتعالى أن ينشقَّ المرء عن بني جلدته ولا يؤدي حقهم)، أي لا يريد الانفصال بين بني البشر ولا يريد أن يوصل به أحدٌ، والسبيل الوحيد لذلك هو أن ندعو للمنكرين أيضا، فهذا يؤدي إلى صفاء القلب وانشراحه وبه تعلو الهمة.

يجب علينا أن نبدي رحابة الصدر على هذا النحو، فيقول عليه السلام: فلما لم ينصبغ أفراد جماعتنا بهذه الصبغة فلا فرق بينهم وبين غيرهم. إذًا، هذه هي المعايير العليا التي يجب أن نحققها، وقد بيّنها المسيح الموعود عليه السلام في شروط البيعة، أي يجب أن نواسي خَلق الله لوجه الله فقط.

ثم بيّن عله السلام من هو المؤمن الحقيقي وكيف يجب أن يكون سلوكه، وقد زاد هذا الموضوع شرحا في أحد خطاباته فقال: المسلم مَن يسلّم وينذر نفسه لله كليا وكان مقصوده ومرامه من حيث الاعتقاد والعمل هو رضا الله تعالى. (أي كما يعتقد ويؤمن ويوقن بأن نيل رضا الله تعالى ومرضاته ضرورية، كذلك يجب أن يُثبت ذلك عمليا أيضا) فقال عليه السلام: كل ما يصدر منه من الحسنات والأعمال الصالحة لا تصدر بالمشقة والصعوبة بل تكمن فيها لذة وحلاوة وجذب يحوّل كل معاناة إلى السعادة. (أي إذا كان المرء يكسب الحسنات فليس لأنه قد وقع عليه عبء كبير وأنه مضطر إلى كسبها بل يجب أن يستمتع بها ويتلذذ، ويكسبها بشوق وينجذب إليها عفويا، فيتحوّل كل نوع من المعاناة إلى السعادة، وأن يؤدي حقوق الله تعالى وحقوق العباد بسعادة قلبية ولا يؤديها مضطرا وخائفا، عندئذ فقط تتحول المعاناة إلى السعادة)

يتابع عليه السلام ويقول: المسلم الحقيقي يحب الله تعالى قائلا ومؤمنا بأنه حبيبي ومولاي وخالقي ومحسني ويضع رأسه على عتباته. وإذا قيل للمسلم الصادق إنه لن يُعطى أجرا على هذه الأعمال قط وليس هناك جنة ولا جحيم ولا راحة ولا ملذات لن يستطيع أن يترك أعماله الصالحة، وحب الله أبدا.

(أي لا يكسب الحسنات طامعا في الجنة ولا يتورع عن السيئات خوفا من الجحيم، بل يقول عليه السلام بأنه إن لم يكن أيّ شيء منها موجودا فمع ذلك يكسب الحسنات لنيل رضا الله تعالى وطاعة لأمر الله تعالى).

يقول المسيح الموعود عليه السلام: …لأن عباداته وعلاقته بالله تعالى وفناؤه في طاعة الله عز وجل لا يكون طمعا في الأجر بل يحسب نفسه أنه خُلق لمعرفة الله وحبه وطاعته في الحقيقة فقط.

(أي يجب أن يوصل عمله وتفكيره مبلغا حيث يُعرف المرء على أنه يحب اللهَ تعالى ويعمل لنيل رضاه، وأن يكون معيار حبه رفيعا حتى يرى العالم أنه من الذين يحبون الله ويطيعونه طاعة كاملة). يتابع حضرته عليه السلام ويقول: …ولا هدف له ولا غاية سواها. (أي أن هذا الشخص الذي لا يكون له هدف سوى ما ذكرناه، وهو حب الله تعالى وحده، ويكون حب الله عز وجل هو هدفه الوحيد، وتكون طاعته أيضا لنيل رضا الله تعالى، فلا يكون له هدف ولا غرض آخر، عندئذ يرى وجه ربه الحقيقي).. ولا ينظر إلى الجنة والنار. لو أُكِّد لي أنني سأعاقَب نتيجة حبي لله تعالى وطاعته أشد العقاب فأقول حلفا بالله أن طبيعتي مجبولة على أنها تكون مستعدة لتحمل كل هذه المصائب والبلايا كمتعة وبحماس الحب والشوق، وعلى الرغم من اليقين بالعذاب والألم ستحسب الخروج قدما واحدة من طاعة الله تعالى واتباعه أكبر من ألف موت بل من الميتات التي لا تعدّ ولا تحصى وستراها مجموعة من الآلام والمصائب. كما إذا أعلن مَلِك إعلانا عاما أنه إن لم ترضع أمٌّ ولدها سوف يسعد الملك بذلك ويعطيها جائزة، لن تتحمل الأم أن تهلك ولدَها رغبة وطمعا في الجائزة، كذلك إن المسلم الحقيقي يرى الخروج من طاعة أمر الله تعالى مدعاة لهلاكه مهما وُعد بالراحة والسعادة في حال عصيانه ذلك الأمر.

فمن الضروري للمسلم الحقيقي أن يتحلّى بهذا النوع من الطبيعة حتى لا يكون حبه لله تعالى وطاعته طمعا في الأجر أو خوفا من العقوبة بل يجب أن تكون خاصيّة طبيعية لفطرته وجزءا منها لا يتجزأ. عندها يخلق ذلك الحب جنةً له. وهذه الجنة هي الجنة الحقيقية. (عندما ينشأ هذا الحب يخلق جَنَّةً لصاحبه)

يقول عليه السلام: لا يدخل أحد الجنة ما لم يسلك هذا المسلك. لذلك أعلّمكم -الذين هم على صلة معي- للسلوك على هذا الطريق لأن هذا هو الطريق الحقيقي إلى الجنة.

أقول: هذا هو هدفنا المنشود لخلق الحب لله، ولا يمكن لأحد سوانا أن يرشدنا إلى السعي لنيل هذا الهدف، بل كل واحد منا يستطيع أن يفحص نفسه بنفسه الهدف ليرى مدى تطابقه مع المعيار الذي حدّده لنا المسيح الموعود عليه السلام.

لقد وضع المسيح الموعود عليه السلام أمامنا دستور العمل في الحياة، وكيف أن الله تعالى يعاملنا وينظر إلينا بالرحمة إذا عشنا بحسبما بيّنه لنا المسيح الموعود عليه السلام، فقال حضرته: استمروا في الاستغفار، وتذكّروا الموت، إذ ليس هناك شيء أكثر تحذيرا من الموت. عندما يرجع الإنسان إلى الله تعالى بصدق القلب يُنـزِّل الله عز وجل عليه فضله. عندما يتوب الإنسان في حضرة الله بصدق القلب يغفر الله تعالى له ذنوبه السابقة، ثم يبدأ حساب العبد من جديد. أما الإنسان إذا أساء إليه أحد ولو قليلا فيكنّ له العداوة والشحناء طول العمر، وإن أقرّ بلسانه أنه عفا عنه فإنه كلما يجد فرصة يُظهر بُغضه وعداوته. وإذا صدر من أحد بحقه خطأ فلا يكاد يغفر له ذنبه بل يبقى البُغضُ مترسخا في زاوية من زوايا القلب. (المراد من ذلك أنه يتم الصلح بين الفريقين ظاهريا ويقرّون أيضا بالعفو عن الفريق الثاني ولكن لو حدث حادث بسيط يظهر للعيان البُغض الكامن في القلوب تلقائيا)

يقول المسيح الموعود عليه السلام: عندما يتوب الإنسان عند الله تعالى بصدق القلب يغفر الله عز وجل له ذنوبه السابقة. لذا كونوا كما لم تكونوا من قبل. صلُّوا الصلوات بكل شروطها. الإله الموجود هنا هو موجود في كل مكان، فحذار أن تكون في قلوبكم الرقة وخشية الله تعالى ما دمتم هنا، وعندما تعودون إلى بيوتكم تصبحون غير هيابين، بينما يجب أن تخافوا الله عز وجل كل حين وآن.

إذًا، إن أيام الجلسة هذه، وهي ثلاثة أيام فقط، يجب أن تُلفت أنظارنا إلى فحص أنفسنا، كذلك كل ما نسمعه هنا يجب أن يصبح جزءا من حياتنا لا يتجزأ. لقد قدّم لنا المسيح الموعود عليه السلام نصيحة جميلة لنجعل حالتنا بحسب مشيئة الله تعالى دائما فقال: فكّروا جيدا قبل الشروع في أيّ عمل وانظروا هل الله تعالى سيرضى عنكم بسببه أم سيسخط. الصلاة ضرورية جدا وهي معراج المؤمن. الطريق الأمثل للدعاء إلى الله هو الصلاة. لم تُفرض الصلاة لتُصلّى بسرعة هائلة دون الانتباه إلى مغزاها أو ينقر فيها المرء بضع نقرات مثل الدجاجة. ولكن هناك كثيرون يصلّونها على هذا المنوال، وهناك كثيرون آخرون يصلّون الصلاة نتيجة حضِّ أحد، ولكن هذا النوع من الصلاة لا يعني شيئا. الصلاة الحقيقية هي ما يصلّيها المرء بحماس القلب. (هذا ما يجب أن يعتاد عليه المرء. صحيح أن المرء يصلّي في البداية نتيجة نصيحة الآخرين وحضِّهم، ولكن يُتوقع منه أن يصلّي بعد ذلك بحماس القلب رويدا رويدا. فيجب أن ينشأ الحماس لأداء الصلاة وأداء حقوق الناس من قلب الإنسان تلقائيا، ليس للرياء ولا نتيجة نصيحة أحد أو حضِّه) يتابع المسيح الموعود عليه السلام: الصلاة تعني الخشوع والخضوع أمام الله تعالى. والصلاة هي اسم آخر للصورة المركّبة لحمد الله تعالى واستغفار المرء لذنوبه. ولا صلاة قط لمن لا يصليها واضعا هذا الهدف في الحسبان. فعليكم أن تحسنوا أداء الصلاة. فإن قمتم فليُنبئ وضعكم بكل وضوح أنكم قائمون في طاعة الله تعالى متواضعين، وإذا ركعتم فليتبين أن قلبكم راكع، وإذا سجدتم فلتسجدوا كالذي يخشى قلبه. ولتدعوا في الصلاة لدينكم ثم لدنياكم.

يقول المسيح الموعود عليه السلام موجّها أنظارنا إلى أداء حقوق الخلق بعد أداء حقوق الله تعالى، علما أنني قد قرأتُ مقتبسا بهذا الشأن من قبل وهذا مقتبس آخر في الموضوع نفسه يقول عليه السلام فيه أنه يجب أن تتعلموا درس أداء حقوق العباد أيضا واضعين صفات الله تعالى أمامكم. ومن منطلق هذا الغرض فسّر سورة الفاتحة حيث قال حضرته: لقد استهل الله تعالى القرآن الكريم بسورة الفاتحة وبيّن فيها “رب العالمين” كصفة أولى قبل غيرها لأنها تشمل المخلوقات كلها. كذلك يجب أن يكون مجال مواساة المؤمن واسعا ليشمل الدواب والطيور والمخلوقات الأخرى كلها. ثم بيّن الصفة الثانية: “الرحمن” وهي تتضمن درسا؛ أنه يجب أن نواسي جميع المخلوقات الحية بوجه خاص. وفي صفة “الرحيم” درس لمواساة بني البشر. فباختصار، إن صفات الله تعالى التي ذُكرت في سورة الفاتحة هي في الحقيقة أخلاق الله عز وجل التي يجب أن ينال الإنسان نصيبا منها. وهي أنه إذا كان الإنسان يحظى بحالة جيدة يتحتم عليه أن يواسي البشر بالمعنى الحقيقي قدر الإمكان، وألا يُظهر الانقباض تجاه أي شخص سواء كان من أقاربه أو أعزائه أو غيرهم وألا يعاملهم كالغرباء بل يجب أن يهتم بحقوقهم. وإذا كان لأحد قرابة مع أحد وله عليه حق فليؤده بوجه كامل.

أقول: فهذا هو المبدأ الذهبي الذي ينير طريقنا لتحقيق شرط مواساة خلق الله تعالى وإفادتهم، وهذا ما يدفع الإنسان لتحقيق أهداف الجلسة ولخلق الحب المتبادل والمؤاخاة.

ثم نصحنا المسيح الموعود عليه السلام مشيرا إلى أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم السامية فقال: قد أظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم أخلاقه لدرجة صلّى صلاة الجنازة على منافق جبرا لخاطر ابنه الذي كان مسلما صادقا، (أي قد صلّى صلاة الجنازة على عبد الله بن أُبي بن سلول- الذي كان رئيس المنافقين- نزولا عند رغبة ابنه) بل أعطى ابنه قميصه المبارك أيضا.

“إن مهمة تحسين الأخلاق صعبة للغاية، ولا تنجح ما لم يواظب الإنسان على محاسبة نفسه. (أي لإصلاح الأخلاق ينبغي أن يحاسب نفسه ويستعرض سيئاته وسوءَ أخلاقه حين يستطيع أن يُصلح نفسه. فهنا أيضا وجَّهنا عليه السلام إلى محاسبة الأنفس واستعراض حالتنا والنظر إلى تقصيراتنا بدلا من البحث عن سيئات الآخرين) يقول عليه السلام: “إن استخدام اللسان السيّء يؤدّي إلى إنشاء العداوة بين الناس. لذلك ينبغي للمرء ضبط لسانه دوما. لا يمكن لأحد أن يعادي مَن يحسبه ناصحا أمينا له، فما أغبى الذي لا يرحم نفسه بل يلقي نفسه في الأخطار إذ لا يستخدم قواه كما يجب ولا ينمِّي قواه الأخلاقية، يجب على المرء أن يعامل الجميع باللين والدماثة وحسن الخلق، أما الذي يمرق عن الجماعة الجليلة أي من حظيرة الإسلام علنا ويشتم ويناصب عداوة شرسة فأمره مختلف، كما واجه الصحابة المصائب وسمعوا إهانة الإسلام من بعض أقاربهم فاضطروا ليؤثروا الإسلام على الرغم من علاقاتهم المتينة.”

أي إذا كان هناك من يعادي الإسلام ويكيل الشتائم ويبلغ من عدائه منتهاه ففي مثل هذه الحالة لا يمكن أن تبقى الصداقة بينه وبين المؤمن، بل تنتهي هنا جميع القرابات والصلات، ويُقدَّم الدين أي دين الإسلام. ولكن بعض الناس يعادون بسبب الجهل وسوء الفهم، فينبغي أن نبلِّغهم تعليمَ الإسلامِ الجميلَ ونُريهم عظيم أخلاقنا، ويجب إخبارهم بأن ما يفعلونه هو نتيجة سوء الفهم، فمِثل هؤلاء يصحّحون خطأهم، ولكن إذا أدّينا حق إزالة سوء الفهم وأخبرناهم بكل ما يلزم ولكنهم بالرغم من ذلك يزدادون عداءً فلا بد من قطع العلاقة معهم.

لقد شنَّ شخصٌ هجوما على مسجد لنا في أميركا وأطلق الرصاص عليه، فقالت له الجماعة: نحن نعفو عنك، وأخبرتْه ما هو الإسلام، وما هو تعليم الإسلام الجميل، وكيف يُوجّه الإسلام إلى حقوق الإنسان، وكيف يحافظ على الأديان الأخرى؟ فتأثّر هذا الشخص لدرجة بدأ بالبكاء وطلب العفو وحضر جلستنا الأخيرة في أميركا، وألقى خطابا قال فيه: أرى أننا أُخبرنا عن الإسلام بأسلوب خاطئ، واليوم قد عرفتُ الإسلام عن طريق الجماعة الأحمدية، وها أنا أعلن اليوم أن الإسلام هو أجمل دين على الإطلاق. (هتافات)

لا تصبح الجماعة جماعةً ولا تتقوى ما لم يكن الحب والوئام والإخاء بين أفرادها. كيف ينبغي أن يكون تعاملهم مع بعضهم لإنشاء هذه العلاقة؟ يقول حضرة المسيح الموعود عليه السلام ناصحا بهذا الخصوص: “الحق أن جميع أفراد الجماعة لا يكونون على مستوى واحد داخليا. هل ينبت القمح على مستوى واحد بعد زرعه؟ بل كثيرًا من الحبات تضيع (إن المزارع قليل الخبرة والمعرفة يلقي في الدُنم الواحد مئات الكيلو غرامات من القمح ولكن المزارع الخبير يعرف أن عدد الحبّات التي تُلقى في الدُنم ينبت منها الواحد بالعشرة ويثمر، وتضيع تسعةُ أجزاء. قال عليه السلام: بل كثيرًا من الحبات يضيع وتأكل العصافير بعضها ولا يثمر بعضها لسبب آخر. إذًا، لا يقدر أحدٌ أن يضيع من كان من الصالحين. (الحاصل أنه لا يستطيع أن يُضيع البذور الجيدة منها. قال عليه السلام: الجماعة التي تُعدّ لله تكون كزرع لذا تحرز التقدم أيضا على المنوال نفسه. ينبغي أن يكون مبدأنا إعانة إخواننا الضعفاء وتقويتهم. (الآن في بعض الأحيان ينبت البذر في الحقل ولكن ينبت معه عشب ضار آخر يُعيق نموه ويُضعفه، فمسئولية المزارع إتلاف الأعشاب الضارة، وبعدها يعود ذلك النبات للنمو بشكل قوي، كذلك قال عليه السلام عليكم أن تساعدوا إخوتكم. قال عليه السلام: “لو كان هناك أخَوان أحدهما يتقن السباحة والآخر يجهلها؛ فهل يليق بالأول أن يترك أخاه عندما يوشك على الغرق أم ينقذه؟ كلا، بل عليه أن ينقذه من الغرق. فقد ورد في القرآن الكريم: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى” (المائدة:3). فاحملوا أوزار الإخوة الضعفاء، وساعدوهم على ضعفهم العملي والإيماني والمالي أيضًا. (أي الذين هم ضعفاء عمليا أفهموهم بالحب وأصلحوا أعمالهم، وانصحوهم، واقتربوا منهم، وصادقوهم وواسوهم، وأَفهموا ضعفاء الإيمان منهم ثم ساندوا إخوتكم وساعدوهم ماليا) كما يجب مداواة ضعفهم الجسدي أيضا. (تخدم الجماعة في هذا المجال أيضا بحسب وسائلها. قال عليه السلام: لا تُعتَبر الجماعةُ جماعةً ما لم يساند الأقوياءُ منهم إخوتهم الضعفاءَ. والسبيل الأوحد لذلك هو ستْر عيوبهم. وهذا ما عُلّم به الصحابة رضي الله عنهم أيضا أن لا تضجروا من تقصيرات حديثي الإسلام لأنكم أيضا كنتم ضعفاء مثلهم. كذلك ينبغي على الكبير أن يخدم الصغير ويعامله بحب ولطف. ألا لا تكون الجماعةُ جماعةً إذا كان بعضها يأكل بعضها بحيث إذا جلس بعضهم شَكُوا من بعض إخوتهم الضعفاء وازدروهم وحقّروهم، ونظروا إلى الفقراء نظرةَ استخفاف وازدراء. يجب ألا يحدث هذا مطلقًا. بل يجب أن يؤدي اجتماعهم إلى القوة والوحدة اللتَين هما مجلبة للحب والبركات. قال عليه السلام: “أرى أنه يحدث بينهم خلاف على أدنى الأمور (هذا يجب أن تنصتوا له) أرى أنه يحدث بينهم خلاف على أدنى الأمور مما يدفع المعارضين الذين يراقبون كل صغيرة وكبيرة لنا أن ينشروا الأمور البسيطة مضخمة في الجرائد، ويضلون الناس. لو لم يكن بيننا هذه التقصيرات فكيف يمكن أن يتجاسر أحد على إغواء الناس بنشر مثل هذه المقالات والأخبار ضدنا. فلماذا لا نوسّع نطاقَ القوى الأخلاقية؟ وهذا يحدث عندما تعمّ المواساة والحب والعفو واللطف، ويُقدَّم الرحمُ والمواساة وعادة الستر على جميع التصرفات والسلوكيات. يجب ألا يتم البطش بالناس على أتفه الأمور بحيث يؤدي إلى جرح المشاعر والأذى.” (فعلى الذين يدَعون النـزاع يتفاقم فيما بينهم ويرفعون القضايا لأمور شخصية ويتنازعون، أن يراجعوا أنفسهم.)

ثم إن من شروط البيعة أن “يخضع لسلطة القرآن المجيد على نفسه بكل معنى الكلمة، ويتخذَ قول الله وقول الرسول دستورا لعمله في جميع مناهج حياته.” وهذا لا يمكن أن يحدث ما لم يقرأ المرء القرآن الكريم ويفهمْه، فقال المسيح الموعود عليه السلام وهو يوجّه إلى تعلُّم الدين والقرآنِ الكريم: “أعلّق أملي الأكبر على الذين لا يقللون شوقهم وتقدمهم في الدين، ولكن الذين يقلّلونه أخشى أن يسيطر عليهم الشيطان. لذا يجب ألا تتكاسلوا، واسألوا عن كلّ ما لم تفهموه لتزدادوا معرفة. السؤال ليس حراما بل يجب أن يُطرح السؤال في حالة الإنكار وللتقدم في العلم أيضا، والذي يريد التقدم في العلم عليه أن يقرأ القرآن بتدبر وإن لم يفهم أمرا فليسأل، وإن لم يفهم بعض المعارف فليستفد باستفسارها من الآخرين.”

قال عليه السلام: “القرآن الكريم بحر ديني وفي باطنه جواهر لا تقدَّر بثمن.” ثم يقول عليه السلام: ” يوجد فيهم في الظاهر أناس يدّعون أنهم يعرفون ترجمة معاني القرآن الكريم، إنهم تمرّنوا ولكن لا روحانية فيهم قط. (يدّعي المعترضون على الإسلام من العلماء غير المسلمين أنهم قرؤوا القرآن وترجمة معانيه وتمرّنوا على قراءته ولكنهم يفقدون الروحانية) لقد جربنا هذا الأمر مرارا.”

ومن ليست فيه الروحانية لا يستطيع أن يفهم القرآن الكريم بعمق ودقّة، ولذلك يقول المتطرفون الذين يمارسون الظلم والوحشية باسم الإسلام بأن الإسلام يأمرهم بذلك مع أنهم لم يفهموا القرآن الكريم وقد نفدت فيهم الروحانية لأنهم كفروا بذلك الشخص الذي أرسله الله تعالى إلى هذه الدنيا لإقامة الدين والروحانية. فثمة حاجة إلى كسب الفيض ممن منحه الله تعالى عرفانا أعظم في هذا الزمن ليُخرج اللآلئ النادرة من عمق القرآن الكريم، ولذلك نحتاج إلى قراءة كتب المسيح الموعود عليه السلام, وكل أحمدي يجب أن يتوجّه إلى ذلك أيضا بشكل خاص. (هتافات)

يقول المسيح الموعود عليه السلام أيضا وهو يوجهنا إلى قراءة القرآن الكريم ولأفضاله علينا ويُبيّن لنا أهـمّيته: “تذكروا أن القرآن الكريم قد أحسن إحسانا عظيما إلى الكتب السابقة والأنبياء السابقين، إذ أفضى صبغة علمية على تعاليمها التي كانت من قبل بصورة قصص وحكايات فقط.” قال عليه السلام: “أقول صدقا وحقا أنه لن ينجو أحد من تلك القصص والحكايات ما لم يقرأ القرآن الكريم إذ ورد في حقه وحده: “إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ” (الطارق: 14-15)، فهو ميزانٌ، ومهيمنٌ (أيْ محافظٌ) ونورٌ وشفاءٌ ورحمةٌ. والذين يقرأون القرآن ويعتبرونه قصة فكأنهم لم يقرأوه بل أساؤوا إليه. لماذا اشتدَّ معارضونا في معارضتنا إلى هذا الحد؟ لسبب وحيد فقط وهو أننا عازمون على أن نثبت أن القرآن الكريم -كما قال تعالى- كله نور وحكمة ومعرفة. ولكنهم يريدون ألا يعيروا له أهمية أكثر مما يعيرونها لقصص بسيطة، ونحن لا نستطيع أن نقبل ذلك أبدا. لقد كشف الله تعالى علي بفضله ورحمته أن القرآن الكريم كتاب حيٌّ ومنير، فأنّى لي أن أعير لمعارضتهم وزنا واهتماما؟ فأؤكد مرارا للذين هم على صلة بي (أي يخاطب عليه السلام الأحمديين) أن الله قد أقام هذه الجماعة لكشف الحقائق لأنه لا ينشأ نور في الحياة العملية بدونها. (فأقيمت هذه الجماعة لكشف الحقائق ولكشف حقيقة تعاليم القرآن وللعمل به، فما لم تُكشف أسرار القرآن الكريم، وما لم نفهم القرآن الكريم بعين المسيح الموعود عليه السلام، وما لم نعرف حقيقة القرآن الكريم لن ينشأ الضياء والنور)

قال حضرته: أريد أن يَظهر للعالم حُسن الإسلام بصدق العمل، وقد أمرني الله بالقيام بهذه المهمة. لذا فاقرأوا القرآن الكريم بكثرة، ولكن ليس باعتباره مجرد قصص، بل باعتباره فلسفة حقيقية. إن حقيقة الجنة والنار كما بيّنها القرآن الكريم لم يبينّها كتاب آخر، لقد قال بوضوح تام أن هذه السلسلة تبدأ من هذا العالم فقال: “وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ” (الرحمن: 47)، أي إن المرء ينال إحدى الجنتين في هذه الدنيا لأن خشية الله تمنعه من ارتكاب السيئات، والسعي إلى السيئات يخلق في قلبه قلقا واضطرابا وهو جهنم خطيرة بحد ذاتها. ولكن الذي يخاف الله تعالى يجتنب السيئات ويتخلص مباشرة من هذا العذاب والألم الذي ينتج عن أَسر الشهوات وعبودية أهواء النفس، ويتقدم في الإنابة إلى الله بإخلاص وبالنتيجة يُعطى متعة وسرورا، وبذلك تبدأ حياته في الجنة من هذا العالم. (وكما بيّنتُ من قبل فإن حياة الجحيم تبدأ بالعمل على النقيض من ذلك. فحين يكسب المرء أعمالا سيئة، يقع في أَسر الأهواء النفسانية وتتغلب عليه العواطف النفسانية)

يتابع المسيح الموعود عليه السلام ويقول: ولكن الذي يخاف الله تعالى يجتنب السيئات ويتخلص مباشرة من هذا العذاب والألم الذي ينتج عن أَسر الشهوات وعبودية أهواء النفس، ويتقدم في الإنابة إلى الله بإخلاص وبالنتيجة يُعطى متعة وسرورا، وبذلك تبدأ حياته في الجنة من هذا العالم. كما تبدأ الحياة الجهنمية نتيجة العمل على النقيض من ذلك.

ثم يقول عليه السلام ناصحا إيانا: إن الله تعالى أسس هذه الجماعة وأظهر في تأييدها مئات الآيات، والغرض منها أن تصبح هذه الجماعة مثل جماعة الصحابة ويعود زمن “خير القرون”. ولأن الذين ينضمون إلى هذه الجماعة يدخلون في عداد: “وَآخَرِينَ مِنْهُمْ” لذا عليهم أن يخلعوا لباس المشاغل الباطلة ويصوِّبوا جُلّ اهتمامهم نحو الله تعالى، ويعادوا “الفيجَ الأعوج”.

لقد مرّت على الإسلام ثلاثة أزمنة: أولها زمن “فيج أعوج” بعد القرون الثلاثة وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن أهله: “لَيْسُوْا مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُمْ. والزمن الثالث هو زمن المسيح الموعود وهو ملحَقٌ بزمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل الحقيقة أنه زمن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، لو لم يذكر النبيُّ عليه الصلاة والسلام زمن فيجٍ أعوج لكان القرآن الكريم نفسه أيّدنا، ويتبين من: “آخَرِيِنَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ” بصراحة تامة أن هناك زمنا يخالف زمن الصحابة. وتوحي الأحداث أن الإسلام كان دريئة المصائب والمصاعب الكثيرة خلال الألف عام الماضية. فقد تخلى الجميع عن الإسلام إلا أناساً معدودين، وقد نشأت فِرق كثيرة مثل المعتزلة ومذهب الإباحة. (أي الذين يحسبون أنه لا حاجة إلى القرآن الكريم ولا إلى الوحي بل تُحَلّ المسائل كلها بالعقل فقط، أو الذين يغيّرون الدين.)

يقول عليه السلام: نعترف أنه لم يكن هناك زمان لم توجد فيه بركات الإسلام، ولكن الأبدال وأولياء الله الذين خلوا في الزمن الوسطي كان عددهم قليلا لدرجة لم يكن شيئا يُذكر مقابل عشرات ملايين الناس الذين انحرفوا عن الصراط المستقيم وابتعدوا عن الإسلام. لذا فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الزمن بعين النبوة وسماه “فيج أعوج” ولكن الله تعالى أراد الآن أن يخلق جماعة كبيرة أخرى تُسمّى جماعة الصحابة. ولكن ما دام قانون الله تعالى السائد في الطبيعة هو أن الجماعة التي يؤسسها تتقدم تدريجيا لذا إن جماعتنا أيضا ستتقدم تدريجيا كزرع. وتلك الأهداف والمقاصد إنما هي بمنـزلة بذرة تُزرع في الأرض. والأهداف السامية التي يريد أن يوصل الجماعة إليها لا تزال بعيدة جدا ولا يمكن تحققها ما لم تتحقق تلك الميزة التي يريدها بخلق هذه الجماعة. يجب أن يكون إقرار التوحيد أيضا منصبغا بصبغة خاصة، ويكون التبتّل إلى الله من نوع خاص، ويكون ذكر الله تعالى أيضا من نوع خاص وأن يكون أداء حقوق الإخوة متسما بسمة خاصة.

أقول: إذًا، هذه هي الأمور التي يجب أن ننشئها في أنفسنا، وقد اجتمعنا في هذا المقام لنرفع مستوانا العلمي والروحاني. يقول المسيح الموعود عليه السلام في ذكر حقيقة البيعة: “إذا عشتم كأناس ماديين فلا جدوى من توبتكم على يدي. إن التوبة على يدي تقتضي موتا لتنالوا ولادة جديدة في حياة جديدة.

إن لم تكن البيعة من القلب لن تسفر عن نتيجة. إن الله تعالى يريد ببيعتي إقرارا بالقلب. فالذي يقبلني بقلب صادق ويتوب من ذنوبه توبة نصوحا يغفر الله الغفور الرحيم ذنوبه حتما ويُصبح كما ولدته أمه فيحميه الملائكة. فإذا كان هناك شخص واحد صالح في قرية فسوف ينقذ الله تعالى القرية كلها من الدمار من أجل ذلك الصالح. ولكن عندما يحل الدمار يصيب الجميع ولكن الله تعالى مع ذلك ينقذ عباده الصالحين بطريقة ما. وإن من سنة الله أنه إذا كان هناك صالح واحد يُنقذ بسببه الآخرون أيضا.

جاء في قصة إبراهيم أنه عندما أوشك قوم لوط على الهلاك قال إبراهيم: إذا كان فيهم واحد في المئة صالحا فهل ستهلكهم؟ قال الله تعالى: لا، لن أهلكهم حتى إذا بقي واحد منهم صالحا. ولكن عندما يتجاوز الأمر كل الحدود عندها يتجلى شأن الله: “وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا”، فلا يأبه الله تعالى بالخبثاء ولا إلى ماذا سيؤول إليه حال أهلهم وأولادهم. ولكنه يراعي الصادقين والصالحين بحسب: “كَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا”. لقد أُمر موسى والخضر عليهما السلام أن يقيما جدارا لغلامين يتيمينِ لأن أباهما كان صالحا. وقد اهتم الله بصلاحه حتى جعل النبيَّين يخدمانه كأجيرينِ. فهو رحيم وكريم إلى هذا الحد ولكن إذا تجاسر أحد فيبطش به بطشا شديدا. وهو غيور لدرجة تنخلع القلوب نتيجةَ غضبه. انظروا كيف أهلك قرية لوط.

لقد آلت حالة الدنيا إلى أنها تجلب غضب الله تعالى. لقد وُلدتم في وقت جيد، فالأنسب والأفضل أن تغيِّروا ما في أنفسكم. وإذا رأيتم شيئا من الانحراف في أعمالكم فأزيلوه. غيّروا أنفسكم بحيث يجب ألا يبقى عليكم حق من حقوق الخلق ولا حق من حقوق الله تعالى. اعلموا أن الذي يغصب حق الخلق لا يُقبل دعاؤه لأنه ظالم.” ثم قال عليه السلام موجِّها أنظارنا إلى تحسين حالتنا العملية: “تذكّروا أنه ليس الهدف من جماعتنا أن يعيشوا كالناس الماديين العاديين، ويقولوا باللسان فقط بأننا ننتمي إلى هذه الجماعة ولا حاجة لنا للعمل كما هو حال المسلمين لسوء الحظ، أي إذا سألتموهم هل أنتم مسلمون؟، قالوا: الحمد لله، ولكن لا يصلون ولا يحترمون شعائر الله. لا أريد منكم أن تقرّوا باللسان فقط دون العمل شيئا. هذه حالة متردية ولا يحبها الله تعالى. والحق أن حالة الدنيا هذه هي التي اقتضت أن يقيمني الله تعالى للإصلاح، فإذا كان أحد لا يصلح نفسه الآن على الرغم من علاقته معي ولا يرفع قواه العملية بل يحسب الإقرار باللسان وحده كافيا، فكأنه يُثبت بعمله على عدم ضرورتي. فإن كنتم تريدون أن تُثبتوا بعملكم أن مجيئي كان عديم الجدوى فما معنى إنشاء العلاقة معي! فإن كنتم تريدون أن تُنشئوا علاقتكم معي فحققوا أهدافي ومقاصدي، ألا وهي أن تُثبتوا إخلاصكم وولاءكم في حضرة الله تعالى، واعملوا بتعليم القرآن الكريم كما عمل رسول الله  والصحابة رضي الله عنهم. تعلّموا تعليم القرآن الحقيقي واعملوا به. الإقرار باللسان وحده لا يكفي عند الله عز وجل إن لم يرافق الأعمالَ نور ونشاط. اعلموا يقينا أن الجماعة التي يريد الله إقامتها لا يمكن أن تعيش بغير العمل.

إنها الجماعة العظيمة التي بدأ إعدادها منذ زمن آدم عليه السلام إذ لم يأت نبي إلا وقد أخبر بها، فاقدروها. والمراد من قدرها أن تُثبتوا بعملكم أنكم أنتم حزب أهل الحق.”

إذًا، لا بد لكل واحد منا أن يسعى لذلك، وكما قلتُ لا يمكن لأحد أن يقدِّر حالتنا الروحانية كما نستطيع نحن بأنفسنا. وهذا ما قاله المسيح الموعود عليه السلام أيضا أنْ حاسبوا أنفسكم.

في بعض الأحيان يُري بعضُ الناس خارج بيته نموذجا حسنا في حسن الخلق والتديُّن، وهذا ما يقول الناسُ عنه، ولكن إذا علمنا عن حالته داخل بيته فتكون مؤسفةً للغاية، وتكون زوجته وأولاده متضايقين منه. ويكون البعض جيدا في أمور دنياه ولكنه يكون ضعيفا في أمور دينه مع كونه مبايعا، ولكن يظهر هذا الضعف لسبب معيّن وإلّا في الظاهر لا يُعْرَف شيء عن أحد. باختصار، لا يمكن أن يتأتّى إصلاحُ كل فئة ما لم يتولّد لديه شعور أنه يجب أن يصلح نفسه ويؤدّي حق بيعته، حينها يمكن لنا أن نبلغَ المستوى الذي يُريد المسيح الموعود عليه السلام أن يوصلنا إليه.

وقول المسيح الموعود عليه السلام مقلقٌ للغاية ويهزُّ الكيان بأنه لو لم تحسِّنوا أعمالكم وتقرُّون بالبيعة باللسان فقط فعمليا تنكرون ضرورة بعثة المسيح الموعود عليه السلام، بل قال عليه السلام إنكم بذلك تؤكّدون أنه لا حاجة لمجيء المسيح الموعود عليه السلام. فعلينا أن نستعرض أنفسنا اليوم، وإذا وجدنا التقصيرات فعلينا أن نصلح أنفسنا لكي تظهر ضرورة بعثة المسيح الموعود عليه السلام من جميع أعمالنا، وتحدث فينا تغييرات حسنة. إذا حدث ذلك فنستطيع أن نقول أننا اليوم نرى كل ما وجدناه هو أحسن من أموال الدنيا، وإن لم يحدث ذلك فلا حقيقة لاحتفالاتنا بالجلسة الخمسين ولا قيمة لتاريخ الجماعة الممتد إلى أكثر من مئة عام. ندعو الله تعالى أن يكون معظمنا ممن يحقّقون هذا الهدف، وأن يحدث الذين هم ضعفاء تغييرات حسنة في أنفسهم، وأن يشهد كل عمل لنا أنْ يا أيها المسيح المحمدي! إن بعثتك ومجيئك حقٌّ، وقد أتيتَ في حين كان الزمن يحتاج إليك، ونتعهد أننا سنسعى بجميع قدراتنا لنري العالَم وجه الإسلام الحقيقي. وفّقنا الله تعالى لذلك.

أذكّركم بأن تلتزموا بالأدعية والذكر الإلهي والعبادات بوجه خاص. وفَّقكم الله تعالى جميعا للاستفادة من الجلسة، وحفظكم من جميع أنواع الشر. آمين. تعالوا ندعو. (الدعاء)

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.