خطبة الجمعة التي ألقاها أمير المؤمنين يوم 7/10/2016م في كندا

آخر تحديث : الأحد 9 أكتوبر 2016 - 10:42 مساءً
2016 10 09
2016 10 09
خطبة الجمعة التي ألقاها أمير المؤمنين يوم 7/10/2016م في كندا

خطبة الجمعة التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام يوم 7/10/2016م في كندا

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. “بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّينَ”. (آمين).

بفضل الله تعالى تبدأ اليوم الجلسة السنوية لجماعتنا بكندا. إن فروع جماعتنا في مختلف البلاد كلها تعقد جلساتها السنوية. لماذا؟ لأن سيدنا المسيح الموعود عليه السلام قد بدأ هذه الجلسة بإذن الله تعالى، ودعا أبناء الجماعة لأن يجتمعوا في قاديان ثلاثة أيام في السنة. لا يجتمعون هنا لأننا نقيم هنا مهرجانا دنيويا أو نخوض في اللهو واللعب، أو نجني مصالح دنيوية. كلا، بل يجتمعون ليزدادوا في علم الدين ويوسعوا معلوماتهم. يجتمعون ليزدادوا معرفة. ما هي المعرفة؟ المراد من المعرفة علم الشيء بعمق. فما هي المعرفة التي كان المسيح الموعود عليه السلام يريد منا أن نزداد فيها. كان عليه السلام يريد أن لا نكتفي فقط بإعلاننا بألسنتنا بأننا مسلمون ونطقنا بشهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، بل علينا أن نزداد إيمانا بعد إسلامنا. لقد قال عليه السلام ما دمتم تنطقون أن لا إله إلا الله محمد رسول الله فعليكم أن تعرفوا ما هو الله تعالى وماذا يريد منا، وما هي حقوق الله تعالى وكيف نؤديها، وكيف نفهم أحكام الله تعالى وكيف نعمل بها. ما دمنا قد آمنا بأن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم هو رسول الله وخاتم الأنبياء فمن واجبنا أن نعرف ما هي أوامره صلى الله عليه وسلم وما هي سنته، ونسعى للعمل بها. أما كيف كانت حياته وكيف نعرف ذلك، فهناك قول للسيدة عائشة رضي الله عنها ردتْ به على سائل سألها عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته، وهذا القول يغطي كل شيء، حيث قالت ألم تقرأ القرآن الكريم؟ فكل ما ورد في القرآن الكريم إنما هو رسم لحياته وتفصيل لأعماله وسيرته صلى الله عليه وسلم.

هذه هي المعرفة التي يجب على المؤمن أن يسعى لإحرازها فيما يتعلق بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا يتطلب منه قراءة القرآن وفهمه.

ثم قال المسيح الموعود عليه السلام إن من أهداف هذه الجلسة الترقي في الروحانية. إذا تيسرت للمرء هذه المعرفة فعليه ألا يتمتع بها عِلميًّا فقط، بل يجب أن يستغلها للترقي في الروحانية والعمل. إذا لم يترقَّ أحدكم في الروحانية فلا جدوى من حضوره هذه الجلسة.

ثم قال عليه السلام ومن فوائد هذه الجلسة التي يجب أن يسعى لِلفوز بها كل من يحضرها أن يزداد تعارفًا مع الآخرين، ولا يكتفي بالتعارف وإنشاء العلاقة مع الآخرين كأهل الدنيا، بل يجب على كل أحمدي أن يزداد محبة وتآخيا مع إخوانه الأحمديين، ويجب أن تتوثق أواصر الأخوّة هذه بحيث لا يقدر أحد على إفسادها.

ثم قال المسيح الموعود عليه السلام؛ عليكم أن تزدادوا تقوى، وهذا من أهم مقاصد هذه الجلسة، وبدونه لا يكون المؤمن مؤمنا حقيقيا. والتقوى تعني أن نداوم ونحافظ على العلم والمعرفة التي أحرزناها وعلى مستوى الروحانية الذي بلغناه، وعلى علاقة المحبة التي أنشأناها بالرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى أواصر الأخوّة التي أحكمناها وزيناها، وأن نجعلها جزءا لا يتجزأ من حياتنا.

فهذه هي الأهداف التي من أجلها بدأ المسيح الموعود عليه السلام عقد هذه الجلسة السنوية، وقال يجب أن يحضر الناس إلى قاديان مرة كل سنة من أجل هذا الهدف.

كم كانت مباركةً تلك الجلساتُ التي كان يحضرها المسيح الموعود عليه السلام بنفسه ويسدي فيها لأبناء الجماعة النصائح مباشرة، ويربيهم ويشفي غليلهم الروحاني. لا شك أن تلك الأمور لا يمكن أن تتيسر بعده عليه السلام بالمستوى نفسه، لأن للنبي مكانته الخاصة. لا شك أن الذي جاء وفق نبوءات الرسول صلى الله عليه وسلم ووعود الله تعالى، والذي بعثه الله لإحياء الدين خادمًا صادقًا للرسول صلى الله عليه وسلم، كان يتبوأ مكانة عظيمة تخصه هو، إلا أنه من فضل الله علينا أن المسيح الموعود عليه السلام بشر بإعلام الله تعالى بقيام نظام القدرة الثانية بعده أي الخلافة، وبالفعل قامت الخلافة الأحمدية بعده لإكمال مهمته عليه السلام، وهي جارية، وعقد هذه الجلسات ليس إلا حلقة من سلسلة إكمال هذه المهمة.

عندما قام نظام الخلافة بعد وفاة المسيح الموعود عليه السلام ظلت الجلسة السنوية تُعقد في قاديان تحت مظلة الخلافة نحو أربعين عاما، ثم بعد هجرة الخليفة إلى باكستان ظلت الجلسة تعقد في ربوة، كما أخذت الجماعة في الانتشار في مختلف بلاد العالم. لا شك أن تأسيس مراكز الدعوة في البلاد الأخرى كان قد بدأ قبل الهجرة من قاديان، حيث بدأت فروع قوية للجماعة تتأسس في أفريقيا خاصة، إلا أنه بعد الهجرة ظلت فروع الجماعة خارج باكستان تتقوى وتتسع كل يوم وكل شهر وكل سنة، إلى أن استصدر العدو من الحكومة الباكستانية قانونا غاشما ضد المسلمين الأحمديين برؤية ازدهار الجماعة، مما اضطر الخليفة للهجرة من باكستان، كما هاجر منها عدد كبير من الأحمديين. وبعد هجرة الخليفة الرابع رحمه الله إلى لندن أخذت الجلسة السنوية في لندن أبعادا جديدة وصارت ضخمة وواسعة، كما اكتسبت الجلسة السنوية في البلاد الأخرى أيضا طابعًا جديدا، وظلت في التوسع والازدهار حتى نرى اليوم في الجلسة السنوية في كل بلد بهاءً جديدا.

ليس ممكنا الآن أن يحضر الأحمديون بعدد كبير من مختلف البلاد في جلسة قاديان، كما لا يمكن أن يحضروا بعدد كبير في الجلسة التي تقام في مكان هو مقر الخلافة اليوم، بل نظرًا لازدهار الجماعة السريع أصبح لزاما أن تُعقد في كل بلد توجد فيه الجماعة الجلسةُ السنوية على النحو الذي كانت تعقد عليه في زمن المسيح الموعود عليه السلام.

لقد أمرنا عليه السلام بالاجتماع لثلاثة أيام مرة في السنة على الأقل من أجل تربيتنا وإحداث تغييرات طيبة فينا. وقد حضرتم اليوم لتحقيق هذه الغاية التي ذكرها المسيح الموعود عليه السلام. تجتمعون سنويا من أجل هذا الهدف، وقد حضرتم هذه السنة خصيصا بمناسبة مرور خمسين سنة على تأسيس الجماعة في هذا البلد. قد يختلف البعض على هذا الحساب، إلا أنه لا بد من وضع مقياس للحساب. لقد أعلنوا مرور الخمسين سنة نظرًا إلى تسجيل الجماعة في هذه البلاد، وإلا فإن المسلمين الأحمديين الأوائل قد وصلوا إلى هنا في عام 1919 تقريبا. على أية حال، إن الجماعة تحتفل بمرور خمسين عاما على تأسيسها في هذه البلاد، ومن أجل ذلك قد حثني أمير الجماعة بكندا على الحضور خصيصا قائلا إن الجماعة بكندا تقيم مناسبات شتى احتفالا بمرور الخمسين سنة هذه، ولذلك نأمل أن الجلسة السنوية ستكون كبيرة هذه المرة، لذلك نرجوك أن تحضر. وكما قلت آنفا إذا حضر الخليفة جلسة ما يحضرها الناس أيضا بعدد أكبر، ولا شك أن المسلمين الأحمديين من البلاد الأخرى أيضا قد حضروا هذه السنة بعدد لا بأس به ولا يزالون يحضرون بسبب مجيئي. على أية حال، إنكم الأحمديين في هذه البلاد تولون هذه السنة أهمية كبيرة، غير أنه يجب أن يتذكر كل أحمدي أن هذه السنة لن تكون ذات أهمية كبيرة إلا إذا سعى كل أحمدي مقيم في كندا ليفي بما قطعه مع المسيح الموعود عليه السلام من عهد عند البيعة، وأنه سيحقق ما أناط به عليه السلام من آمال وتوقعات. وإلا فلا يعني شيئا سواء أمَرت خمسون سنة أو أكثر.

كما قلت آنفًا إن كثيرا من المسلمين الأحمديين قد هاجروا من باكستان بسبب الأوضاع الحرجة هنالك إلى بلاد أخرى، وإن أكثركم قد أتوا هنا في هذه الهجرة. لقد هاجرتم من أجل التمتع بالحرية الدينية، وإن الحكومة الكندية قد منحتكم جنسية هذه البلاد لكي تستطيعوا العمل بأحكام دينكم بحرية. وبالإضافة إلى ضرورة الوفاء بالعهد الذي يعاهد عليه كل أحمدي عند البيعة مِن إيثار الدين على الدنيا، فهناك مسئولية كبيرة على كل واحد منكم بأن يسعى لتحقيق الهدف الذي من أجله قام بهذه الهجرة. عليكم أن تخبروا أجيالكم بالظروف الحرجة التي هاجرتم بسببها من باكستان، وتقولوا لهم إن ظروف هذه البلاد تفرض علينا أن نكون عباد الله الشاكرين حقا ونعمل بأحكامه، ونفي بما عاهدنا عليه المسيح الموعود عليه السلام عند البيعة، ومن هذا العهد أننا سنخضع لحكومة القرآن كلية. هناك حاجة لأن نقرأ كل الأمور والأحكام التي بينها لنا المسيح الموعود عليه السلام في هذا العصر بيانًا جامعًا، إذ ليس هناك أحد هو أكثر فهمًا لكلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأحكامهما من المسيح الموعود عليه السلام. باتباع النهج نفسه الذي أرشدَنا إليه المسيح الموعود عليه السلام نستطيع تنوير عقولنا وتقوية إيماننا بإعمال المزيد من الفكر والتدبر في أحكام الله وكلامه سبحانه وتعالى. لقد أسدى لنا المسيح الموعود عليه السلام في هذا المجال نصائح كثيرة وهي جد ضرورية لنا لتقوية العلم والعمل. إن المسيح الموعود عليه السلام يريد منا بعد أخذ البيعة أن نبلغ مستوى معينا، وليس الغاية من هذه الجلسة إلا السعي لبلوغ ذلك المستوى المنشود، لذا يجب أن يأخذ كل مسلم أحمدي هذا الأمر بالحسبان.

يبدو أن بعض الأحمديين قد حضروا هذه الجلسة حضورا ظاهريا فقط، إذ لا يستمعون لها كما ينبغي. بعضهم يكونون مرهقين بسبب وعثاء السفر، ولعل النعاس يغلبهم، مع ذلك أقول لهم جميعا أن عليهم أن يستمعوا للأمور التي سأبينها الآن بأذن واعية صاغية. الإصغاء لنصف الساعة أو لثلثيها ليس بأمر صعب. إن هدف حضور الجلسة لا يتحقق إلا إذا أصغيتم لما أقول ولما سيقوله الخطباء الآخرون، ثم إذا سعيتم للعمل بكل ما استمعتم إليه منصتين. تكون في هذه الخطب أمور كثيرة تزيد الإيمان والروحانية، فلا تستمتعوا لها برفع الهتاف فقط بل اجعلوها جزءا لا يتجزأ من حياتكم.

سأتناول بعض الأمور من كلام المسيح بكلماته عليه السلام وذلك لكي يدخل كلامُه في الآذان مباشرة ويتبوأ القلب والعقل ويحدث التغييرُ الروحاني الذي كان المسيح الموعود عليه السلام يريد أن نحدثه في نفوسنا.

فقد قال سيدنا المسيح الموعود عليه السلام في موضع: لقد قلت لجماعتي مرارا وتكرارا: لا تتكلوا على مجرد هذه البيعة، فما لم تبلغوا حقيقتها لن تفوزوا بالنجاة، فالذي يصبر على القشر يبقى محروما من اللب، (أي أنكم إذا فرحتم بأنكم وجدتم قشر الفاكهة فهذا عديم الجدوى إذ تبقون محرومين من اللب) فالعاقل من يسعى للفوز باللب لا بالقشر. ثم قال: إذا كان المريد لا يعمل شخصيا فصلاح مرشده لن يفيده في شيء، (أي إذا كنتم بايعتموني ولم تهتموا بإصلاح أحوالكم، واطمأننتم بأن الذي آمنتم به هو مبعوث من الله سبحانه وتعالى، فلا شك أن صلاح المبعوث من الله حقٌّ ولا مراء فيه، إلا أن المريد لن يستفيد منه إلا إذا كان عملُه الشخصي أيضا منسجما معه وبحسب كلامه.) قال: إذا كتب أي طبيب وصفة لأي مريض فوضعها الأخير في مشكاة فلن تفيده تلك الوصفة مطلقا، لأن الفائدة مرتبطة بالعمل بما ورد فيها، (أي إذا أعددتم الدواء بحسب الوصفة التي أوتيتموها أو اشتريتموه ثم استخدمتموه فسوف يفيدكم) لكنه محروم منها من نفسه (أي قد حصل على الوصفة أولا ثم حرم نفسه من فائدتها لعدم العمل بها وعدم استعمالها)

ثم قال: اقرأوا سفينة نوح مرارا وتكرارا، واقضوا الحياة بحسبها. ثم قال حضرته: “قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا” أي قد فاز من نمَّى التقوى. إن آلاف اللصوص والزناة والفجار وشاربي الخمور والأنذال يدَّعون الانتماء إلى أمة النبي صلى الله عليه وسلم فهل هم في الحقيقة أفراد الأمة؟ كلا، فإنما الذي من الأمَّة من يطبِّق تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه كاملة.

ثم قال في موضع موضِّحا معايير البيعة: كذلك فإن الذي يدَّعي البيعة والإيمان يجب أن يفحص هل هو قشر أم لب. فدعوى الإيمانِ والحب والطاعة والبيعة والاعتقاد والمريدية واتباع الإسلام لن تعد صادقة ما لم ينشأ اللب. تذكَّروا أن من الحق أنه لا قيمة للقشر دون اللب عند الله. تذكروا جيدا أن وقت الموت مجهول، إلا أن حدوث الموت حق ومحتم. فلا تكتفوا بمجرد الادعاء ولا تفرحوا به أبدا. فمجرد الدعوى لا ينفع أبدًا ما لم يورد الإنسان على نفسه ميتات كثيرة، ولا يسعُه الفوز بالهدف الحقيقي للإنسانية ما لم يمر من عدة تغييرات وانقلابات. (فما هي تلك الميتات يا ترى؟ ألا أنها إيثار الدين على الدنيا، واجتناب بريق الدنيا، والعقباتِ والعراقيل التي أقيمت هنا في هذه البلاد على كل خطوة لإزاحة المرء عن سبل الله) ثم يقول حضرته: انظروا إلى أوضاع الدنيا الآن، فنبيُّنا الكريم صلى الله عليه وسلم كان قد أرى بعمله أن مماته وحياته كلها لله سبحانه وتعالى، أمَّا المسلمون في العالم في العصر الراهن فحين يُسأل أحدهم هل أنت مسلم يقول: الحمد لله. لكن الملاحظ أن الذي يؤمن به هذا كان مبدأ حياته أن يعيش لله سبحانه وتعالى، أما هذا فيعيش من أجل الدنيا ويموت أيضا من أجل الدنيا وحدها، حتى تبدأ الغرغرة (أي يأتيه الوقت الأخير ويكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة) فقال: الفرحة بالاسم لا تليق بالعاقل، فقد قال مسلم ليهودي: أَسلمْ. فقال له: لا تفرح بالاسم فقط بأنك مسلم. فقد سميت ابني خالدا ثم دفنته قبل المساء. (فلم ينل الخلود باسمه خالدا، إذ قد مات الولد مساء ودفنته)

فيقول عليه السلام: تحرَّوا الحقيقة ولا تفرحوا بالأسماء فقط. فكم من المخجل أن يسمَّى المرء فردا من أمة النبي العظيم صلى الله عليه وسلم ثم يعيش حياة الكفار. تأسَّوا في حياتكم بأسوة النبي صلى الله عليه وسلم وتصبغوا بصبغته.

ذات مرة جاء عدد من الناس إلى سيدنا المسيح الموعود عليه السلام فبايَعوا، فزوَّدهم حضرته ببعض النصائح بعد البيعة، فقال: ينبغي ألا يكتفي المرء بعد البيعة بالإيمان بأن هذه الجماعة حقةٌ، وأنه سيتبارك بذلك فقط. كونوا صلحاء وأتقياء واقضوا هذا الوقت في الدعاء. ثم أردف ناصحا: لقد ذكر الله تعالى العمل الصالح أيضا في القرآن الكريم مع الإيمان. والمراد من العمل الصالح ما ليس فيه شائبة من الفساد. اعلموا يقينا أن هنالك لصوصا يحاولون دائما أن ينهبوا أعمال الإنسان. وما هي تلك اللصوص؟ منها الرياء أي يعمل الإنسان لإراءة الآخرين، والعُجب أي يفرح المرء في نفسه بعد القيام بعمل ما (أنه أحرز عملا حسنا). ومنها أنواع عدة من الأعمال السيئة والذنوب التي تصدر منه، فهي تؤدي إلى إبطال الأعمال. والعمل الصالح هو الذي لا تشوبه شائبة من الظلم والعُجب والرياء، والتكبر وإتلاف حقوق الناس. فكما ينال الإنسان النجاة في الآخرة بناء على الأعمال الصالحة كذلك تماما يتخلص من المشاكل في الدنيا أيضا. إذا كان في البيت شخص واحد ذو أعمال صالحة يُنقَذ البيت كله. اعلموا أنه لا فائدة من الإيمان ما لم تعملوا أعمالا صالحة.

(حين يكتب الطبيب وصفة للمريض فهو يقصد أن يحصل المريض على الدواء بحسبها ويتناوله، لكن المريض إذا لم يتناول الأدوية ووضع الوصفة في الخزانة فلن تنفعه الوصفة بتاتا)

فقال: لقد تبتُم الآن ويريد الله أن يرى في المستقبل إلى أيّ مدى زكَّيتم أنفسكم نتيجة هذه التوبة. يريد الله أن يميِّز في هذا الزمن بالتقوى. كثير من الناس يشكون إلى الله تعالى دون أن يحاسبوا أنفسهم. الإنسان يظلم نفسه بنفسه، والله تعالى رحيم وكريم. (فالإنسان حين يواجه بعض الخسائر فبسبب نفسه) بعض الناس يكونون مطلعين على ذنوبهم وبعضُهم لا يدركون أنهم يذنبون، (لأنهم يعتادون على ارتكاب الذنب) ولذلك قد أمر الله تعالى المرء أن يلتزم الاستغفار. (لذا يجب الإكثار من الاستغفار. وخاصة في الأيام حيث تهتمون بالدعاء في أجواء الجلسة أكثروا من الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم) فليستمر الإنسان في طلب حماية اللهِ من جميع الخطايا الظاهرة والخفية، المعلومة والمجهولة، وسواء التي ارتكبها بالأيدي أو بالأرجل أو بالأنف أو بالعينين. في هذه الأيام، يجب ترديد دعاء آدم عليه السلام: “رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ”، إذ قد قُبل هذا الدعاء سلفا. (فحين علَّم الله هذا الدعاء تقبَّله، فقد علَّم هذا الدعاء ليتقبله، لذا يجب ترديد هذا الدعاء بجدية) فلا تعيشوا عيش الغفلة. فكلّ من لا يعيش بغفلة لا يُتوقع أن يصاب بأيّ بلاء لا يطاق، لا ينـزل بلاء بغير إذن الله. كما تلقيت في الإلهام هذا الدعاء: “رَبِّ كلُّ شيء خادمُك، ربِّ فاحفظْني وانصرْني وارحمني”. فينبغي الإكثار من هذا الدعاء أيضا.

ذات مرة التمس المولوي عبد الكريم من المسيح الموعود عليه السلام في مجلس أن يقول شيئا حول الوحدة والتماسك المتبادل فقدم عليه السلام بعض النصائح وسأذكر جزءا منها، فقال عليه السلام: “لقد جئت بأمرين فقط، أولهما أن تتمسكوا بوحدانية الله تعالى، وثانيهما أن تتحابوا وتواسوا فيما بينكم، قدِّموا نموذجًا يكون كرامةً للآخرين، فهذا هو الدليل الذي وُجد في الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً: “كنتم أعداء فألف بين قلوبكم”. اعلموا أن تأليف القلوب معجزة. واعلموا أنه ما لم يحب كل واحد منكم لأخيه ما يحب لنفسه لن يُعَدّ من جماعتي… اعلموا أن زوال الشحناء من علامات زمن المهدي، أفلن تتحقق هذه العلامة؟ ستتحقق حتمًا. لماذا لا تصبرون. من القواعد الطبّية أن بعض الأمراض لا يزول ما لم يُقتلع من جذوره. ستُخلَق جماعة صالحة على يدي إن شاء الله تعالى. ما هو سبب العداوة المتبادلة؟ إنما سببها الحقد وضيق الصدر والكبر والعُجب والجري وراء العواطف. (لا شك أن هذه الجماعة ستتكون حتما وسيكون فيها كبار المخلصين بإذن الله)

يتابع حضرته ويقول: “وليتذكر الذين لا يتمالكون أنفسهم، ولا يعيشون بالتحاب والتآخي أنهم ضيوف لأيام قلائل إلا أن يسيروا سيرة حسنة. إني لا أريد أن أجلب الطعن على نفسي بسبب أحد. مَن ينضم إلى جماعتي ثم لا يعمل كما أريد، فهو كغصن جاف، وماذا عسى أن يفعله البستاني بالغصن الجاف إلا قطعه؟ الغصن الجاف يمتص الماء ببقائه مع الأغصان الخضراء، ولكن الماء لا يقدر على أن يجعله أخضر، بل إن الغصن الجاف يفسد الأغصان الأخرى. فعليكم أن تخافوا، لأن الذي لا يصلح نفسه لن يبقى معي.”

إذًا، إنه لمقام خوف للذين يتمادون في النـزاعات والخصومات. فلما آمنا في هذا العصر بشخص جاء لإصلاحنا فنحن بحاجة إلى أن نسعى جاهدين للعمل بأوامره. يقول المسيح الموعود عليه السلام في موضع آخر شارحا معنى “الإنسانية” وما هي معايير الإنسانية وكيف يجب أن يتصرف المؤمن: “كلمة “الإنسان” مشتقة من “أُنسان”، أي أُنس لله ومواساة مع بني البشر. عندما يتولد كِلا هذين الأُنسينِ عندها يسمَّى الإنسان إنسانا. وهذا ما يسمَّى مغزى الإنسانية. (أي يجب عليكم أن توطِّدوا علاقتين؛ علاقة بالله وأدّوا الآخرين حقوقهم) وإن بلوغ هذا المقام يخوِّل الإنسان أن يُدعى من أولي الألباب. وما لم يتحقق ذلك لا يتم شيء. مهما ادّعيتم بلسانكم فهو ليس شيئا يُعتَدّ به عند الله ونبيه والملائكة”.

ثم وضّح المسيح الموعود عليه السلام بأن الله تعالى لا يمنعكم من المشاغل الدنيوية ولا من التجارة، بل يأمر بألا تتكاسلوا، فعليكم أن تعملوا ولكن يجب أن تجعلوا رضا الله تعالى نصب أعينكم دوما، بمعنى أنه حين تسعون للحصول على نِعم دنيوية عليكم أن تسعوا إلى جانب ذلك للحصول على حسنات الآخرة أيضا، فقال: “لقد علّمنا الله تعالى دعاء: “رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً”، ففي هذا الدعاء قدّم عز وجل الدنيا، ولكن ما المراد من الدنيا هنا؟ إنما المراد هي حسنة الدنيا التي تصبح مدعاة للحسنات في الآخرة. ويُفهَم صراحة من تعليم هذا الدعاء أن على المؤمن أن يهتمّ بحسنات الآخرة عند كسبه الدنيا. كذلك في كلمة: “في الدنيا حسنة” ذُكرت كافة الأساليب الحسنة التي يجب على المؤمن المسلم اتباعها من أجل كسب الدنيا. فاكسِبوا الدنيا بكل طريقة تؤدي إلى الفلاح والحسنة، وليس بطريقة تتسبب في إيذاء أحد من بني البشر”.، إذًا، إن كسب الدنيا ليس ممنوعا بل يمكن أن تكسبوها ولكن ليس بإيذاء الآخرين ولا بغصب حقوقهم وأموالهم.

يتابع المسيح الموعود عليه السلام ويقول: “… وليس بطريقة تتسبب في إيذاء أحد من بني البشر، أو بما هو مدعاة للعار والخجل. فلو اكتسبتم الدنيا بهذه الطريقة لكانت مدعاة لحسنة الآخرة.”

فلو كسبتم الدنيا واضعين هذه التعليمات في الحسبان تكون سببا للحسنات في الآخرة، لأن الذين يكسبونها بحسب التعليمات المذكورة سينفقون ما كسبوه في سبيل الله ولصالح خلقه ودينه.

ثم يقول عليه السلام: “لا يدخل في جماعتنا إلا من يجعل تعليمنا دستور العمل ويعمل به جُهد المستطيع، أما الذي يكتفي بتسجيل اسمه فقط ولا يعمل بحسب التعليم فليتذكر أن الله تعالى أراد أن يجعل هذه الجماعة جماعة خاصة والذي ليس في هذه الجماعة في الحقيقة لا يمكن أن يبقى فيها بتسجيل اسمه فقط بل سيأتيه زمان حين ينفصل عنها. لذا يجب أن تجعلوا أعمالكم قدر الإمكان تابعة للتعليم الذي تُعطَونه. إن مَثل الأعمال كمثل الأجنحة فلا يستطيع الإنسان أن يطير إلى المدارج العليا بغير الأعمال. (كما أن الطيور تطير بواسطة الأجنحة كذلك أعمال الإنسان تساعده على الطيران الروحاني) ولا يقدر الإنسان على أن يحصل على الأهداف السامية التي أخفاها الله تحتها. الطيور تملك فهمًا، ولو لم تستخدمه لما استطاعت إنجاز أعمال موكولة إليها. فمثلا لو لم يملك النحلُ فهمًا لما استطاع أن يجني العسلَ. كذلك كم يستخدم الحمام الزاجل فهمه، وكم يطوي مسافات طويلة ويوصل الرسائل! (كان هناك أناس في الأزمنة السحيقة يربّون الحمائم ويستخدمونها لإيصال الرسائل من مكان إلى مكان، فالحمائم تستخدم فهمها لإيصال الرسائل من مكان إلى آخر) كذلك تُستخدم الطيور في أمور عجيبة أخرى. فمن الضروري أولا وقبل كل شيء أن يستخدم الإنسان فهمه ويفكر هل الفعل الذي هو فاعله يطابق أوامر الله تعالى وينال مرضاته أم لا؟ (أي يجب ألا يعمل بطرق غير شرعية لكسب الدنيا) فإذا تأمل في ذلك واستخدم فهمَه وجب عليه أن يستخدم يديه ولا يتكاسل ولا يتهاون، غير أنه يجب التأكد من صحة التعليم. يحدث أحيانا أن التعليم يكون صحيحا ولكن الإنسان يقع في خطأ بسبب جهله وحمقه أو نتيجة خُبث أحد أو كذبه، لذا يجب أن يحقق في الموضوع بحيادية”.

ثم قال عليه السلام مبيّنا أهمية التقوى: “إن ما كلّفني الله به هو أن مجال التقوى خالٍ تماما. يجب أن تتمسكوا بالتقوى بدلا من أن ترفعوا السيف، هذا حرام. إنْ تتقوا الله يحالفكم العالم كله، فاتقوا الله. الذين يشربون الخمر أو الذين صارت الخمرة هي الجزء الأعظم من دينهم لا يمكن أن تكون لهم أدنى علاقة بالتقوى، إنهم يحاربون الحسنة. فلو وفق الله جماعتنا لهذه السعادة ووفقهم لمحاربة السيئات والتقدم في مجال التقوى والطهارة لكان ذلك فوزا كبيرا ولا شيء أكثر منه تأثيرا. انظروا إلى أديان العالم كلها ترون أن الهدف الحقيقي منها أي التقوى مفقود وقد اتُّخذت شوكة الدنيا إلها. وقد اختفى الإله الحقيقي ويساء إلى الإله الحق ولكن الله يريد الآن أن يؤمن الناس به وتعرفه الدنيا. والذين يتّخذون الدنيا إلها لا يمكن أن يكونوا متوكّلين على الله تعالى.”

ثم أنذر عليه السلام من العذاب وقال: العذاب الشديد موشك وسيميز بين الخبيث والطيب. سيجعل الله تعالى لكم فرقانا حين يرى أنه لم يبق في قلوبكم شيء من الاختلاف. فإذا كان أحد يقرّ عند البيعة أنه سيقدّم الدين على الدنيا ولكن لا يُثبت بعمله صدق ذلك الإقرار والوفاءَ بالعهد فلا يبالي الله تعالى. فلو مات على هذا النحو مئة شخص -ليس شخصا واحدا- فسنقول إنهم لم يُحدثوا تغيُّرا في نفوسهم، وهلكوا لأنهم كانوا بعيدين عن الصدق ونور المعرفة الذي يزيل الظلمة ويهب القلب يقينا ومتعةً.”

أقول: إن حالة العالم الراهنة تبعث على القلق فنتساءل ماذا عسى أن تكون عاقبة الدنيا. قال لي شخص قبل بضعة أيام بأن العالم يتحرك بسرعة هائلة إلى الدمار، فماذا عسانا أن نواجهه. لقد ردّ المسيح الموعود عليه السلام على ذلك في بيت شعره بالتفصيل حين قال ما تعريبه: ستنـزل النار ولكن سوف يُنقذ منها أولئك الذين يحبون الله ذي العجائب.

فالأصل في الموضوع أن نقوّي علاقتنا بالله تعالى ونؤدي حقوق الله سبحانه وتعالى وحقوق عباده أيضا، ونسعى جاهدين للحصول على الحسنات التي تُعَدّ حسنات بحسبما بيّن الله تعالى، وأن نحاول اجتناب السيئات التي تُعَدّ سيئات في نظر الله والتي بيّنها الله تعالى بالتفصيل في القرآن الكريم. علينا أن نتقوى أكثر فأكثر عقديا وعمليا بعد الإيمان بالمسيح الموعود عليه السلام لأن هذا ما يضمن نجاتنا وهذا ما يحبه الله تعالى. أما مضيُ خمسين عاما أو خمسة وسبعين عاما أو مئة عام أو ما شابهها في تاريخ الجماعات فلا يعني شيئا إن لم يحدث فيها هذا الانقلاب. لا شك أن الناس الماديين يفرحون بذلك ولكن الجماعات الدينية لا تفرح. إذا كنا نفرح على أننا تقدمنا في العمل بأوامر الله تعالى وسنتقدم في المستقبل أكثر فهذا الفرح يمثّل شُكرا لله تعالى. ولكن إذا توقفت أقدامنا أو تقهقرت بدلا من التقدم على سبل الحسنات فهذا موقف محرج. فهناك حاجة ماسة إلى أن نضع أوامر المسيح الموعود عليه السلام أمام أعيننا دائما وأن نحاسب أنفسنا من منظور العمل بأوامر الله تعالى ورسوله. ويجب أن نحاسب أنفسنا من هذا المنطلق باستمرار حتى نستطيع القول- بعد مرور 75 عام بإذن الله على تأسيس الجماعة في بلد ما – بأننا لسنا ثابتين فقط على عهدنا المتمثّل في تقديم الدين على الدنيا بل لا نزال نتقدم في هذا السبيل. وفّق الله الجميع لذلك.

لقد قلتُ من قبل أيضا أن عليكم أن تقضوا هذه الأيام الثلاثة للجلسة في الدعاء بوجه خاص، وتسمعوا برامج الجلسة بإصغاء واهتمام، ندعو الله تعالى أن يوفق الجميع لذلك.

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.