أَيُّ نَارٍ أَشَدُّ اسْتِعَارًا؟!

آخر تحديث : الجمعة 25 نوفمبر 2016 - 11:47 مساءً
2016 11 25
2016 11 25
أَيُّ نَارٍ أَشَدُّ اسْتِعَارًا؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

أثناء توجهي الى الكلّيةِ صباح اليوم، وقبيل وصولي إليها، رأيت نارًا تستعر، فدعوت الله ألا يكون مكروه. بعد ساعات قليلة علمت بنشوب الحرائق في أربعة أماكن متفرقة في حيفا. وخلال بضع ساعات اندلعت النار في أحراش الكرمل، وأصبحت السيطرة عليها شبه مستحيلة حتى أُضطرت فرق الإنقاذ إلى إخراج ربع سكان حيفا من بيوتهم.

وفي طريق عودتي إلى حيّ الكبابير رأيت الجبال والبيوت تحترق والناس في اضطراب كبير، والذعر يعلو وجوه الجميع، فالكل خائف من نيران لا تميز بين أديان ضحاياها ولا ألوانهم ولا قومياتهم، الجميع يهربون من النار بحثا عن مكان آمن. سيارات الإسعاف تسرع كالبرق إلى الأماكن المنكوبة والطائرات تبذل كل جهدها لإخماد الحرائق.

في خضم هذه الأحداث، وحين تصفّحت شبكات التواصل الإلكترونيّة، راعني ما رأيت، لقد رأيت نيران أشد استعارا، نيران تخرج من القلوب لتحرق القلوب، رأيت كثيرا من التعليقات عن الخبر المتناقَل، وفحواها أنّ هذه الحرائق هي عذاب من الله جزاءً وِفَاقًا على سنّ قانون إيقاف رفع الأذان في البلاد. يا له من منطق غريب! ما كان مني إلا أن تساءلت بنفس المنطق: تُرى، هل الحروب المشتعلة في كثير من البلاد العربية هي أيضًا عذاب إلهي؟! ولكن سرعان ما عاودني صوابي، فقلت: هذا كلام تافه لا مجال له في دين الإسلام. إنّ الرسول (صلى الله عليه وسلم) علّمنا أن نعين المظلوم ونفرج عن المكروب كربته، لا أن نفرح شامتين  برؤية أحد في مصيبة. لم يؤثر عنه (صلى الله عليه وسلم) أبدًا أنه انفرجت أساريره يوما لمصاب أحد ولو كان عدوّه. ومما روي عن تعامله (صلى الله عليه وسلم) مع غير المسلمين وإكرام الأحياء منهم، ورحمتهم والعطف عليهم، حتى لو كانوا مذنبين، وذلك إكراما لإنسانيتهم، أنّه مرَّ بأسير في وَثاقه، فناداه الأسير: يا محمد، يا محمد، فأتاه فقال: ما شأنك؟ قال: إني جائع فأطعمني، وظمآن فاسْقني، فأمر له النبي (صلى الله عليه وسلم) بقضاء حاجته. (رواه مسلم)

%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d9%82-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%85%d9%84

وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) حريصًا على حماية الأبرياء في زمان ما كان يقام فيه وزن ولا اعتبار لحقّ الإنسان في الحياة، حيث انتشر القتل والنهب والسلب، كما كان يوصي أصحابه ويؤكِّد عليهم ألا يقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا صغيرًا، ولا امرأة، ولا يقطعوا شجرًا مثمرًا، ولا يخرِّبوا عامرًا، ولا يعقروا شاة ولا بعيرًا إلّا لمأكلة، ولا يحرِّقوا نخلاً.

هناك مئات الأمثلة التي تدّل على رحمة نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. فكيف يجوز لنا أن نفرح بأمور منعنا الرسول أن نفعلها؟

وعلى أثر حضرة خاتم النبيين سار خادمه الصادق ومسيحه الموعود، الذي كان يواسي الجميع حتى أولئك الآريا الذين لم يدخروا وسعا في سبيل إهانته والنيل من الإسلام بألسنتهم والأقلام، وقد كان حضرته يقضي على خصومه هؤلاء بالحجج والبراهين، أما حين يتعلق الأمر بعِرض أحدهم أو إنسانيته، فما كان حضرته يهدأ حتى يصان للخصم شرفه، والأمثلة على هذا كثيرة.

هنا، وعلى صعيد  ما تناقلته صفحات التواصل الاجتماعي، بدت لي مفارقة عجيبة، وهي أن معظم الشباب الذين يتظاهرون ويشتمون ويعارضون التحضير لسن قانون حظر رفع الاذان معظمهم لا يؤدون الصلاة أصلا ناهيك عن إقامتها كما ينبغي. وحينما يؤذن المؤذن ويقول ’’الله أكبر‘‘ يبررون عدم حضورهم الصلاة بالانشغال في العمل، فكأن لسان حالهم يردد: إن العمل أهم من الصلاة. هنا في هذه البلاد (الغير مسلمة) ليس هناك قانون يمنعنا من أن نؤذّن ونصلي في مساجدنا، ونعمّر مساجد الله ونذكر فيها اسمه تعالى. أما القانون المزمع إصداره بشأن إذاعة الأذان عبر مكبرات الصوت، فقد سبقت إليه حتى دولٌ إسلامية، ففي مصر مؤخرا صدر قانون مماثل تحت اسم “توحيد الأذان” وبمقتضاه تمنع جميع مساجد الحي (إلا واحدا) من إذاعة الأذان عبر مكبر الصوت.

وعلى جانب مواساة خلق الله تعالى، أعتزُّ بجماعتي (الجماعة الإسلاميّة الأحمديّة) التي فتحت أبوابها لاستقبال المحتاجين أيًّا كان دينهم أو قوميتهم، لا لشيء إلا لجبر خواطرهم ومواساتهم ومساعدتهم. وكان جميع الشبان حاضرين لخدمة الانسانيّة، لقد صنع شبابنا ما صنعوا ولسان حالهم يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ }، صنعوا ما صنعوا لأنّه أمْر الرسول صلى الله عليه وسلم حيث أوصانا بحسن الجوار وإعانة الملهوف والمكروب.

لقد أقر أعيننا ما قاله حضرة أمير الجماعة في لقاء صحافيّ من أنّه يرجو أن نخرج من هذه المحنة بخير وسلام. إنّنا نتألّم  لألم كل شخص. ونحزن على كل شجرة احترقت، وعلى كل بيت دمّر. ثم قال ’’علينا أوّلًا إخماد النار المشتعلة الظاهرة للعيان، ثم بعد ذلك نولي الاهتمام بإخماد نيران أشد خطرا في قلوبنا ونولّد حبًّا تجاه بعضنا بعض. لقد جهّزنا بيت الضيافة في مسجدنا، وأخبرنا بهذا الشرطة والبلديّة. وبيوتنا مفتوحة ونحن مستعدون أن نستقبل المحتاجين.

إن من حكمة الله تعالى في فطرتنا أن جعل المشاعر الإنسانية تتحدث باللغة ذاتها، فالخوف كان هو نفسه في أعين كل الخائفين من اليهود والمسلمين، والحزن كان هو نفسه كذلك كاسيا وجوه الجميع. الآن أدركت أننا حين نعجز عن التواصل بلغة اللسان، فلعل لغة مشاعرنا الواحدة تجدي.

فيا رب أصلح حال أمة سيّدي عندك هيّن عندنا متعسّر.. آمين.

بقلم محمد شريف كوثر

رابط مختصر
كلمات دليلية
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.