خطبة الجمعة التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد نصره الله يوم 23/12/2016

آخر تحديث : الإثنين 26 ديسمبر 2016 - 3:14 مساءً
2016 12 26
2016 12 26
خطبة الجمعة التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد نصره الله يوم 23/12/2016

خطبة الجمعة التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام يوم 23/12/2016م في مسجد بيت الفتوح بلندن

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. “بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّينَ”. (آمين).

إن معارضة الجماعة الإسلامية الأحمدية وتعرُّض الأحمديين لاضطهاد المعارضين ليس شيئا جديدا، كما أن معارضة جماعات الأنبياء ليس أمرا جديدا. فجميع الشياطين يجتمعون لهذه المعارضة. إن المشايخ والزعماء ينسبون إلى الأنبياء والمؤمنين بهم عجائب وغرائب ويذكرونها للعامة ليثيروهم، ويسعون لإشعال نيران الكراهية. لقد وضَّح الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم أن كل رسول يواجه المعارضة، إذ لا يوجد نبي لم يواجه المعارضة. ومعلوم أن الأنبياء قد استُهزئ بهم أيضا، وبذل الشيطان شتى الجهود لعرقلة أعمالهم. لذا فإن ما تواجهه الجماعة الإسلامية الأحمدية ليس شيئا جديدا، فقد قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بيانا لهذا الموضوع: “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا”.

إن قول الله سبحانه وتعالى هذا حقٌّ اليوم أيضا إذ يخدع هؤلاء المشايخ المتمردون العامة باسم الدين ويثيرونهم. وبعض الزعماء أيضا ينضمون إليهم في أماكن مختلفة. ينسبون إلى سيدنا المسيح الموعود عليه السلام وجماعتِه أمورًا لا أصل لها ولا تمتُّ إلى الحقيقة بصلة، وكذلك تصرفاتهم الأخرى التي يُبدونها بحق الجماعة واستهزاؤهم بالمسيح الموعود عليه السلام قد ذكر القرآن الكريم كل ذلك وقال بأن الأنبياء يواجهونه، فيَصدر الافتراء عليهم ويُستهزأ بهم ويُسخر منهم. لذا فهذه المعارضة والاضطهاد تزيد الأحمدي الثابت على الإيمان إيمانًا. وهناك أناس من الأحمديين يقولون: قد بلغتْ المظالم منتهاها لذا ينبغي أن نردّ القسوة بالقسوة، فإلامَ سنتحمل الأذى؟ مهما كان عدد هؤلاء قليلا وحتى لو كانوا بضعة فقط إلا أنهم يحاولون تسميم أذهان الشباب ويقولون: يجب علينا أن نتخذ الطرق المادية لنيل حريتنا وتحقيق مطالبنا.

لكن ذلك من الجهل وفكرة باطلة تماما. فإما أنهم نسوا بسبب ثورة عواطفهم ما هو تعليمنا الأساسي وما الذي يريده منا سيدُنا المسيح الموعود عليه السلام وما النصائح التي وجَّهها لأبناء جماعته بخصوص تحمُّل هذه الاعتداءات والاضطهاد، وإما أنهم يريدون إنشاء الفُرقة في الجماعة في حُلة المواسين.

فحيثما تتقدم الجماعة يتخذ المعارضون شتى الوسائل لمهاجمتها ويجرّبون مختلف الطرق، ومن المحتمل أن يكون هذا أيضا أسلوبًا من إحدى ساليب الهجوم. لقد قطع الله سبحانه وتعالى وعود الفتح والنصر والازدهار مع المسيح الموعود عليه السلام لكنها لن تتحقق بردّ القسوة بالقسوة، بل بالحب والمودة والتركيز على الدعاء. وهذا ما وضَّحه لنا مرارا وتكرارا أن تقدُّم الجماعة وهلاك العدو منوط بالدعاء إن شاء الله. لذا يجب أن تخروا على أعتاب الله سبحانه وتعالى مطبّقين تعاليم الله سبحانه وتعالى على أنفسكم ومتحلِّين بالتقوى. أما المسيح الموعود عليه السلام فقد بُعث أميرَ السلام كما كان مقدرا له، فقد قال لأتباعه من أول يوم إن سبلي ليست سهلة بل هي وعرة جدا ومفروشة بالمشاق. فلا بد من كبْت العواطف وتحمُّل الخسائر في الأموال والأرواح. إن أبناء الجماعة بفضل الله سبحانه وتعالى يقدِّمون كل نوع من التضحيات في هذا السبيل، ويكتبون إلي كما أخبرتُكم في الخطب الماضية أنهم لا يخافون هجمات العدو، وأن إيمانهم يتقوى أكثر من ذي قبل. لكن إذا تكلم حتى أحد منهم بما يخالف تعليم الجماعة فهذا مثير للفتن، وإتاحة الفُرص للعدو للتمادي في المعارضة. وخاصة إذا نُشر مثل هذا الكلام على وسائل التواصل الاجتماعي مثل تويتر وواتس اب أو فيسبوك. فنحن إلى الآن نعمل بهذا التعليم بأننا لن نردّ الظلم والبربرية بمثلها ولن نتصرف بمثل هذا التصرف ولن نحمل السلاح ضد الحكومات، إنما مواجهتنا بسلاح الدعاء فقط، فكما قلت سابقا قد علَّمنا المسيح الموعود عليه السلام أنه إذا كنتم تريدون الفوز بنصر الله وحبه فلن يتحقق ذلك بردّ هجمات العدو واعتداءاته بمثلها، بل يجب أن تستعينوا بالصبر والدعاء، وعندها سنفوز بالنجاحات. فقد قال سيدنا المسيح الموعود عليه السلام في موضع في بيت فارسي وتعريبه: “أيها الأعزة، لا يفوز المرء بالمقام دون الإخلاص والصدق، فكونوا قطرة نقية، لأن القطرة النقية هي التي تتحول إلى لؤلؤة.

ثم يقول حضرته عليه السلام: “يا أحبائي الذين دخلتم في سلسلة بيعتي، وفَّقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضى. إنكم اليوم قليلون ويُنظَر إليكم بنظرة التحقير، وتمرون بفترة الابتلاء بحسب السُّنَّة الجارية منذ القِدم. ستكون المحاولات من كل طرف وصوب لتتعثَّروا. سوف تؤذَون بكل الطرق الممكنة، ولتسمعنَّ أقوالا مؤذية. وكل من سيؤذيكم بلسانه أو يده سيظن أنه ينصر الإسلام. (معظم معارضينا من العامة يعادوننا لقلة العلم، إذ قد رسَّخ المشايخ في أذهانهم أن معارضة الأحمديين خدمة عظيمة للإسلام) وسيحل بكم شيء من الابتلاءات السماوية أيضا لتُبتَلَوا من كل باب. فاسمعوا مني الآن بأنه ليس السبيل إلى انتصاركم وغلبتكم أن تستخدموا منطقكم الجاف أو تقابلوا السخرية بالسخرية، أو تسبوا مقابل السباب، لأنكم إذا سلكتم أيضا هذه السبل نفسها فسوف تقسو قلوبكم، ولن يكون في أيديكم إلا الكلام الفارغ الذي يبغضه الله ويكرهه. فلا تجمعوا على أنفسكم لعنتينِ، لعنةَ الخلق ولعنة الخالق أيضا.”

فعلينا أن نعمل بالتعليم الذي أعطاناه المسيح الموعود عليه السلام ونتبعَ الهدى الذي جاء به، فلن نطلق الشتائم مقابل الشتائم، ولن نرد الفساد بالفساد وأخْذ القانون بأيدينا. أما في باكستان والبلاد الإسلامية فقد لاحظنا فيها أن الأحمديين إذا دافعوا عن أنفسهم دفاعا شرعيا فالقانون يؤيد الظالم بدلا من تأييدنا. لا تُقبل كفالة الأحمديين المظلومين لأن المحاكم عاجزة، إذ يرسل الشيخ واقفا خارج المحكمة رسالة إلى القاضي أنك إذا قبلتَ الكفالة فانتظر نتائج سيئة. وفي هذه الحالة يؤجِّل معظم القضاة موعد القضية ولا يصدرون الحكم. فلا المؤسسات المنفِّذة للقانون تدعمنا ولا القانون مستعد للعدل. فعيث الفساد في البلد ليس من تعليمنا، لذا فهناك طريق وحيد وهو أن تتمسكوا بأعتاب الله وبلِّغوا الدعاء منتهاه. يقول سيدنا المسيح الموعود عليه السلام: يصاب المرء أحيانا بابتلاء تلو ابتلاء في الفترة بين الدعاء وإجابته، وأحيانا يصيبه ابتلاءات قاصمة الظهر، لكن سعيد الطبع الصابر وثابت القدم يشمّ رائحة ألطاف ربه حتى في وسط هذه الابتلاءات والمصاعب، وينظر بنظرة الفراسة أن النصر قادم بعدها. ففي ظهور هذه الابتلاءات يكمن السر أن الإنسان يتحمس للدعاء أكثر، وذلك لأنه قدر ما يَكثر الاضطرار والاضطراب تذوب الروح وهو من أسباب إجابة الدعاء. (أي سيذوب قلب الإنسان بقدر ما يتضرع، وهذه الحالة يخلقها الله بنفسه ليتقبل الدعاء) لذا لا يجوز القلق وسوء الظن بربكم بعدم الصبر والثبات.فهذا ما يجب علينا.

من المؤكد أن الوعود التي قطعها الله مع المسيح الموعود عليه السلام صادقة وحقة، ومن المؤكد أن الله سبحانه وتعالى يجيب الدعوات أيضا.

يجب على كل واحد منا أن يفحص نفسه ويرى هل أحرزنا مستوى الدعاء الذي يريده الله تعالى منا، وهل – بدلا من التوجه إلى الأسباب الدنيوية- بلّغنا روحَنا ذلك المستوى الذي يُستجاب فيه الدعاء. لا يعلم بهذه المستويات إلا الله تعالى، ونحن لا نستطيع أن نعلمها ولو حاولنا لذلك، لذا لا يصح القول بأننا قد أحرزنا هذه المستويات ولكن بالرغم من ذلك لم نستفد ولم يُستجب دعاؤنا، نحن لا نعلم والله أعلم، إنما علينا التمسك بأهداب الله تعالى بالصبر والصلاة، وإذا تخلى أحد منا عن الصبر خسر بنفسه. وأغلب الأحمديين الذين يتعرضون للإيذاء في مختلف البلاد خاصة في باكستان متمسكون بأهداب الصبر ويدعون وإيمانهم أيضا قوي، ولكن الذين هم بعيدون ومحفوظون من المصائب والآلام الظاهرية منهم من يقول أشياء كهذه، فعليهم أن يتمسكوا بأهداب الله تعالى إن كانوا فعلا يكنّون عطفا ومواساة لإخوتهم، قال المسيح الموعود عليه السلام في موضع لو شتمنا أحد شكونا إلى الله تعالى فقط وليس إلى محكمة أخرى، ومع ذلك من حقنا أن نواسي بني البشر، لا بد أن نواسي مقابل الشتائم أيضا. باختصار، على كل واحد منا أن يتمسك بأهداب الصبر والصلاة سواء كان متعرضا للإيذاء مباشرة أم لا، وهذه هي علامة الإيمان. يقول المسيح الموعود عليه السلام وهو يبين أن المشي معه ليس بسهل: “فإذا كان منكم مَن لا يريد السير معي فلينفصل عني. إني لا أدري كم سأقطع من الغابات المخيفة والبراري الشائكة، فلِمَ يُرهق أصحاب الأقدام الناعمة أنفسهم معي عبثًا؟ إن الذين هم مني فلن يخذلوني أبدًا بسبب السباب والمصائب والمحن والبلايا السماوية، أما الذين ليسوا مني فهم يدّعون بصداقتي عبثًا، لأنهم سيُفصَلون عني عن قريب، وسيكون مآلهم أسوأَ من حالهم”

فهل يمكن أن نرتعب من الزلازل، وهل يمكن أن نخاف الابتلاءات في سبيل الله؟ هل لنا أن ننقطع عن إلهنا الحبيب لابتلاء ما منه؟ كلا لن ننقطع عنه، بفضله المحض ورحمته. فلينفصل عني من يريدون الانفصال، وعليهم سلام الوداع. لكن ينبغي أن يتذكروا أنهم لو رجعوا يوما من الأيام بعد سوء الظن وقطعِ العلاقة، فلن تكون لذلك الرجوع عند الله عزة ينالها الأوفياء، لأن وصمة سوء الظن والغدر شنيعة جدا. (الخزائن الروحانية، المجلد9، ص23-24)

ثم يبين المسيح الموعود عليه السلام أن مستوى المؤمنين عظيم جدا وأنهم يواجهون كل نوع من الشر رغم تلقّيهم المصائب من قِبل الأعداء، ولا يبالون ويعفون عن الآخرين رغم تلقيهم إيذاء وآلاما منهم، ولا يثيرون الفتنة والفساد بل يصبحون سفراء الأمن والسلام دوما، يقول عليه السلام: اعلموا يقينًا أن المؤمن التقي لا يكنّ في قلبه شرا، وكلما كان الإنسان تقيا فهو لا يحب العقوبة أو الإيذاء بحق أحد. المسلم لا يكون ذو ضغينة قط. كلما ازداد المرء تقوى إزداد مواساة أيضا، ولا يريد أن يتعرض عدوه للمعاقبة والإيذاء، بينما قد نجد البغضاء عند الأقوام الأخرى، بمعنى أن قلوبهم لا تخلو من الضغينة ويسعون دائما لينتقموا من الآخرين. نرى بأم أعيننا ما فعله الناس بي فقد آذوني كل ما كان في وسعهم ولكني مع ذلك جاهز لأعفو عن آلاف أخطائهم. يجب عليكم، يا مَن هُمْ على صلة بي، أن تتذكّروا أن مِن واجبكم أن تواسوا كل شخص أيا كان دينه؛ وأَحسِنوا إلى الجميع دون تمييز. (الملفوظات 29 دسمبر 1904)

ليس لدى المسلمين الآخرين مرشد لذا يفسدون ويبتعدون عن التقوى ولكن نحن المسلمون الأحمديون الذين أعطاهم الله تعالى مرشدا في صورة المسيح الموعود عليه السلام يجب أن يكون كل عمل لنا وفق تعليم الإسلام وكل قول لنا مبنيّا على التقوى، وعلينا أن نجتنب الحماس العارض المؤقت ونفحص قلوبنا ما مستوى التقوى فيها، ثم يقول المسيح الموعود عليه السلام وهو يبين ما هي التقوى؟ وما هي علامة التقوى الحقيقية؟ وكيف ينبغي أن يتصرف التقي الصالح: “التقوى الحقيقية لا تجتمع مع الجهل قط. إن التقوى الحقيقية تكون مصحوبة بالنور كما يقول الله جلّ شأنه: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ”، ويقول أيضا: “وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ”. أيْ إذا تمسكتم بصفة التقوى ورسختم عليها، سيجعل الله بينكم وبين غيركم فرقا واضحا وهو أنكم ستُعطَون نورا تسلكون به في جميع مسالككم. بمعنى أن ذلك النور سيعمّ أفعالكم وأقوالكم وقواكم وحواسكم. فسيكون في عقولكم نور وفي كل ما تقولونه تقديرا نور، وفي عيونكم نور، وفي آذانكم نور وفي لسانكم نور، وفي كلامكم نور، وفي كل حركة من حركاتكم وسكناتكم نور. والسبل التي تسلكونها ستصبح نورانية. فباختصار، ستُملأ كافة قواكم وحواسكم نورا (يعني كل حركة ليدكم وقدمكم وجسدكم يكون لكسب النور أو لتعميمه، وتكون أفكاركم معمِّمة النور ومُفعَمة به) وستمشون في النور كليا.

فإذا كان في كلامنا مجرد حماس من دون العقل مثل الآخرين فهذا ليس من التقوى، إن لم يظهر نور الله تعالى في قولنا وفعلنا فلا بد أن نقلق لتقوانا، وفي ظروف غير ملائمة كهذه إن لم نعمل بوصايا إمام الزمان وتوجيهاته لابتعدنا عن النور الذي قدّره الله لنا بشرط الطاعة، فعلينا أن نحاسب أنفسنا أنه هل بلغ مستوى تقوانا حيث نشهد نور الله تعالى الذي نحن بحاجة إليه، وهل وصلت أدعيتنا لدرجة يريدها الله تعالى أن يبلغها داعٍ حقيقي، إذا كان كذلك فلا بد أن نوقن بأن نصر الله قريب، سيُنشئ الله تعالى لنا بلادا ويهيئ لنا أراضي أيضا، إن شاء الله. وإذا أردنا نيله من دون ذلك فلن نحصل على شيء، وأمامنا أمثلة التنظيمات التي تريد أن تقيم الحكومات الإسلامية بصرف ملايين وبلايين الدولارات ولكنها لم تنلْ شيئا إلا الفتن والظلم والوحشية، وإن أقاموا سلطة مؤقتة انفلتت من أيديهم، ويسمّون المسيئين إلى الإسلام ولا يسمّيهم أحد خدام الإسلام، فإن خدمة الإسلام ونشره قد قُدرت بواسطة المسيح الموعود عليه السلام وبواسطة جماعته ولن يتأتى ذلك ما لم نتبع خطط المبعوث من الله تعالى وإلا مهما بذلنا من جهود دنيوية لن ننجح لأنه ليست لدينا قوة ولا وسائل لكي نحقق شيئا، ولكن لو اتّقينا وولّدنا خشية الله في قلوبنا وإذا أبلغنا أدعيتنا منتهاها لحظينا بنور وقوى لا يقابلها العظيم من القوى العالمية بحسب ما بين المسيح الموعود عليه السلام في ضوء القرآن الكريم، وكذلك قال الله تعالى: “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم” (الحجرات 14) فهل مايقول الله تعالى ليس صحيحا؟ بحيث يسمي سباحانه وتعالى أحدا متقيا ثم يتركه مخذولا مهانا أمام الناس! كلاّ، هذا مستحيل. ولكن مما لا شك فيه أن الأنبياء وجماعاتهم يواجهون المعارضة من أهل الدنيا كما قال المسيح الموعود عليه السلام بنفسه، ولكن ألم تكن الخيبة والخسران في نصيب الأعداء دائما؟ أَفكلما هبّ أحد للحيلولة دون تقدم الجماعة أو كلما وُضعت العراقيل في سبيل تقدّمها، ألم تتقدم الجماعة وتزدهر أكثر من ذي قبل دائما؟ لقد قام الأعداء بمكايد داخلية أيضا ولكن ظلت الجماعة تتقدم إلى الأمام يوما بعد يوم وقد توطّدت إلى يومنا هذا في 209 بلدا من بلاد العالم. كلما يحاول العدو قمع الجماعة في مكان يفسح الله تعالى لها مجالا للانتشار في مكان آخر. يقول الله تعالى أنه لا يترك بغير الإكرام مَن كان متقدما في التقوى من الناس العاديين فهل سيترك بدون إكرام مَن أرسله سبحانه وتعالى بنفسه أو هل سيترك دون إيفاء وعوده بحق جماعته بينما نرى أنه سبحانه وتعالى لا يزال يؤيده منذ قرن وربع قرن؟ كلا، هذا لا يمكن بأي حال. ولكن كل هذا سيتحقق نتيجة الثبات والصمود كما قال المسيح الموعود عليه السلام. وهذا ما لا بد منه. فلو ظلننا مؤمنين بالله تعالى بالصبر والمثابرة لرأينا العدوَ يُخزَى ويهان بإذن الله. يقول المسيح الموعود عليه السلام: إن كانت حياتُكم ومماتكم، وكلُّ حركة من حركاتكم، ولِيْـنُكم وشدّتُكم، لوجه الله وحده، (أي يجب ألا تغضبوا على أحد نتيجة مصالحكم الشخصية، ولا تفرحوا نظرا إلى أشياء دنيوية، بل يجب أن يكون كل ذلك لوجه الله) ولم تمتحنوا اللهَ عند كل مصيبة ومرارة، ولم تقطعوا عنه صلتكم، بل سرتم إليه قُدُمًا، فالحق والحق أقول .. إنكم ستصبحون بذلك أمّة الله المختارة. إنكم بشر كمثلي، وإلهي هو إلهكم، فلا تُضيعوا قواكم القدسية. لو أنكم كنتم منيبين إلى الله حقًّا فإني أخبركم تبعًا لمشيئة الله أنكم ستصبحون أمّة الله المختارة. اغرسوا عظمة الله في قلوبكم، ولا تكتفوا بالإقرار بتوحيده باللسان فقط بل بالعمل أيضا.”. (الوصية)

فعلى كل واحد منا أن يُحدث في نفسه تغيُّرا حسنا. ومن كان ضعيفا فليفحص نفسه، والذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا يجب عليهم أيضا أن يبحثوا عن سبل أخرى للتقدم في الحسنات لأن الله وحده يعلم من هو أحسن صنعا، وإلى أيّ مدى حققنا أهدافنا. لا يحب الله أن يرانا واقفين في مكان واحد، فلا يظنّنّ أحد أنه قد تحسّن كثيرا وسباق في الخيرات أو ثابت عليها. بل يجب أن نتوجه دائما إلى رفع مستوانا. يقول المسيح الموعود عليه السلام: “قد قال اللهُ تعالى مخاطبا إيَّايَ أن أُخْبر جماعتي بأن الذين يؤمنون إيمانا لا تشوبُهُ شائِبةٌ من الدنيا، وليس ذلك الإيمان مُلوَّثا بالنفاق أو الجُبنِ وليس خاليًا من الطاعة، فأولئك هم المَرْضِيُّون عند الله تعالى. ويقول الله تعالى إنهم هم الذين قدمُهم قدمُ صِدْقٍ”. (الوصية)

إذًا، نحن بحاجة إلى أن نسلك مسلك “قدم صدق” لنرى مشاهد الانتصارات المنوطة بالمسيح الموعود عليه السلام والتي قدّرها الله تعالى له. إن فترة الابتلاء الحالية سوف تنتهي لا محالة، ولكن هناك حاجة ماسة إلى أن نرفع مستوى تقوانا باستمرار لتنتهي فترة الابتلاء سريعا. مما لا شك فيه أن الله تعالى قد أسس هذه الجماعة في هذا العصر لتعلو كلمة الإسلام ولينتشر الإسلام في العالم وينال الغلبة على الأديان كلها. لقد وعد اللهُ المسيح الموعود عليه السلام أن جماعته ستنمو وتزدهر ولا يسع قوة من القوى الدنيوية أن تقضي عليها. فيقول عليه السلام: ” لا تظنوا أن الله تعالى سوف يضيعكم، أنتم بَذْرةٌ بَذَرَها الله تعالى في الأرض بيده. يقول الله تعالى: إن هذه البَذْرة سوف تَنْمُو وتَزْدَهِرُ وتَتَفَرَّعُ في كل طرف، ولَسَوْف تصبح دَوْحَة عظيمةً. (الوصية)

ندعو الله تعالى أن يكون كل واحد منا غصنا ناميا ومزدهرا لهذه الشجرة، وأن نحقق ما توقعه المسيح الموعود عليه السلام من جماعته، ونتقدم في التقوى ونُفشل جميع هجمات العدو ونخيِّبها بالصبر والدعاء.

بعد الصلاتين سأصلي صلاة الغائب على المرحوم مَلِك خالد جاويد بن مَلِك أيوب أحمد من سكان قرية دوالميال محافظة “جكوال” (في باكستان). لقد توفّي المرحوم في 12/12/2016م في مسجدنا في قرية دوالميال عن عمر يناهز 69 عاما على إثر نوبة قلبية. إنا لله وإنا إليه راجعون.

بيان ذلك أنه في 12/12/2016م الموافق لـ 12 ربيع الأول قام معارضو الجماعة بحسب خطة مدروسة بمظاهرة كبيرة في قرية دولميال محافظة “جكوال”، وهاجموا “دارَ الذكر” للجماعة، ورفعوا هتافات منفِّرة لإثارة الناس، وبدأوا برمي الحجارة وكسرِ بوابة المسجد. كان بعض الأحمديين موجودين هناك بمن فيهم المرحوم خالد جاويد. يقول أقارب المرحوم أنه لم يُصَب بمرض القلب من قبل قط، ولم يستخدم دواء قلبيا ولم يتعرض للعلاج في هذا المجال. كان المرحوم داخل المسجد حين كان المعارضون يشّنون الهجوم على مسجد الجماعة وكان يردد قبل وفاته جملة: لا أستطيع أن أتحمل لغة بذيئة وقذرة إلى هذا الحد ضد المسيح الموعود عليه السلام. وقد أغمي عليه وهو يردد هذا الكلام. وبسبب ازدحام الرعاع خارج المسجد استحال نقله إلى المستشفى للإسعاف، وفي هذه الأثناء لفظ أنفاسه. إنا لله وإنا إليه راجعون. أول فرد أحمدي في عائلة المرحوم كانت جدته السيدة “مانو بي” التي كانت بنت أخ المولوي كرم داد، صحابي المسيح الموعود عليه السلام.

(هنا قال أمير المؤمنين أيده الله تعالي بنصره العزيز بأن المعلومات عن المرحوم التي وصلتني من المركز كتبوا فيها كلمة “رفيق المسيح الموعود عليه السلام” بدلا من الصحابي و”دارَ الذكر” بدلا من المسجد، وذلك بسبب القيود المفروضة علينا في باكستان، ولكن عندما يقدم مكتب السكرتير الخاص مثل هذه العبارات لي يجب أن يصححوا محتواها ويكتبوا مصطلحا إسلاميا صحيحا).

كان المرحوم أحمديا بالولادة، ويتحلى بأخلاق حميدة. كان حبه وإخلاصه للخلافة وطاعته المطلقة للخليفة من صفاته البارزة. كان ملتزما بصلاة التهجد إضافة إلى الصلوات الخمس المكتوبة وتلاوة القرآن الكريم. مكث في الشارقة لكسب المعاش مدة طويلة تقارب عشرين عاما، وعاد منها قبل عشرين عام تقريبا. كان يقضي معظم أوقاته في المسجد، وفي هذه الأثناء كان يقوم بأعمال مختلفة لخدمة الجماعة، وكان سباقا في حراسة المسجد دائما. كان يحب القرآن بشكل غير عادي. وقد حث ابنه السيد سبحان أيوب على حفظ القرآن الكريم. كان المرحوم في الوقت الحالي يخدم الجماعة بصفته سكرتيرا لتعليم القرآن، وقد خدم في مناصب مختلفة أخرى أيضا. لقد ترك وراءه أرملته السيدة عذرا بيغم، وابنان- هما السيد سلمان خالد الذي يسكن هنا في بريطانيا والسيد الحافظ سبحان أيوب- وابنتان هما: السيدة ندى مريم والسيدة حرا مريم. ندعو الله تعالى أن يرفع درجات المرحوم ويديم حسناته في أولاده أيضا.

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.