خطبة الجمعة التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد نصره الله يوم 20/1/2017

آخر تحديث : الإثنين 23 يناير 2017 - 6:49 مساءً
2017 01 23
2017 01 23
خطبة الجمعة التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد نصره الله يوم 20/1/2017

خطبة الجمعة التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام يوم 20/1/2017م في بيت الفتوح بلندن

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. “بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّينَ”. (آمين).

من منّا لا يعلم أن الصلاة فريضة على المسلمين، قد وُجّه في مواضع عديدة في القرآن الكريم إلى أهمية الصلاة من مختلف الجوانب، قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أيضا بأن الصلاة مخ العبادة، بل أكّد صلى الله عليه وسلم لدرجة حتى قال إن ترك الصلاة يُدني المرء من الكفر والشرك. ثم قال وهو يبين أهمية الصلاة: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ. (سنن الترمذي، كتاب الصلاة) ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم عن جعْل الأولاد ملتزمين بالصلاة: مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ. (سنن أبي داوود، كتاب الصلاة) أيْ لو دعت الحاجة إلى بعض القسوة لجعلهم ملتزمين بالصلاة فافعلوها. ولكن إذا كان الآباء أنفسهم غير ملتزمين بالصلاة فكيف يستطيعون أن يوجّهوا الأولاد، أو إذا سـمع الأولاد هذا الحديث في برامج الجماعة أو عن طريق آخر ولم يجدوا في بيوتهم آباءهم ملتزمين بالصلوات فماذا عسى أن يكون تأثيره عليهم؟ لا بد أن يفكر أولاد هؤلاء الآباء أنه لا أهمية لهذا الحكم، بل التغاضي عن أهمية حكم واحد سيمحو أهمية كل حكم إسلامي من قلب الأولاد، فمثل هؤلاء الناس لا يخسرون بأنفسهم فقط -بحسب قول الرسول صلى الله عليه وسلم- بل يجعلون أولادهم أيضا من الخاسرين. إن الآباء يُبدون قلقهم لتحقيق رغباتهم الدنيوية ولرقي أولادهم الدنيوي ولكنهم لا يبالون بما يجب أن يُقْلَق له.

ثم ليس ضروريا للمؤمن الحقيقي أن يصلي فقط بل عليه أن يصلي صلاة تمحو أدرانه الروحية كما بيّن النبي صلى الله عليه وسلم بضرب مَثلٍ وقال للصحابة: أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا لا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا. (صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة) لا يبقى أيُّ درن على روح المصلي بهذه الصلوات الخمس، هذه هي أهمية الصلاة التي بيّنها النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة مثال رائع، ولكن كما قلتُ لم يؤمر المؤمن الحقيقي بالصلاة فقط بل شرح النبي صلى الله عليه وسلم مزيدا لـمحو أوساخ الروح وقال: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَأَتَى الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ. (صحيح البخاري، كتاب الصلاة)

ثم بيّن أهمية الصلاة في مناسبة أخرى قائلا: أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ فقَال الصحابة y الذين كانوا توّاقين ليجدوا فرص السعي لإرضاء الله تعالى وليتعلّموا طرق إرضاء الله تعالى: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ. قال صلى الله عليه وسلم: (وليس هذا فقط بل) فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ. (صحيح مسلم، كتاب الطهارة)

أيْ هو بمنزلة إنشاء المعسكرات على الحدود، كما تُنشئ البلادُ معسكرات على حدودها، لماذا تُنشأ المعسكرات على الحدود؟ للدفاع عن البلاد ولاجتناب هجوم الأعداء وليستعدوا لمواجهة العدو عند هجومه عليها. وأكبر خطر يحتاج المؤمن إلى اجتنابه وإلى إنشاء المعسكر من أجل الاحتماء منه هو خطر الشيطان والأهواء الدنيوية التي يُولِّدها الشيطان في القلوب ويهاجهم بواسطتها، فالصلاة رباط لاجتنابها، وهي معسكر الحرّاس الذي يحفظ المؤمن من هجمات الشيطان فيجتنب المرء السيئات ويتوجّه إلى الحسنات. كذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً. (صحيح البخاري، كتاب الأذان)

يقول المسيح الموعود عليه السلام في موضع وهو يبين أهمية الصلاة: “إن الهدف من كثرة الأجر والثواب في الصلاة بالجماعة أنها تُفضي إلى الوحدة. وقد تم التركيز على تحقيق هذه الوحدة بصورة عملية؛ فأُمر المصلّون أن تكون أقدامهم على صف واحد وأن يكون الصف مستقيما (ويتم ذلك بواسطة تسوية الأعقاب)، وأن يقفوا متلاصقين وكأنهم شخص واحد (أي تنشأ بذلك قوةٌ) لكي تسري أنوار بعضهم إلى بعض وتتلاشى من بينهم أوجه التميُّز التي تودي إلى الأنانية والعُجب والطمع. (أيْ يقوم الجميع في صف واحد سواء كانوا أثرياء أم فقراء، لأن بعض الناس يحملون في أذهانهم أفكار الكبرياء والأنانية، والصلاة بالجماعة تقضي عليها)

قال المسيح الموعود عليه السلام: اعلموا جيدا أن الإنسان مزود بقوة جذب أنوار غيره (أي يكون البعض أكثر صلاحا وأعلى روحانية، ويؤثر صلاحه في صاحبه، فيتأثر هذا به) فالصلاة بالجماعة تساعد على التأثر من صلاح الآخر. لذا فالصلاة بالجماعة كما تساعد على توحيد الأمة التي لا بد لها منها، فإنها تساعد كذلك على التأثر بصلاح الآخرين. فالذين هم أكثر صلاحا وروحانية حين يقومون مع الضعفاء في صف واحد فلا بد أن يتأثر هؤلاء من أولئك الأقوياء، وينالون قوة للتقدم في الصلاح والروحانية، وعندما تتم الوحدة وتزداد الروحانية على هذا النحو فإن القوى الشيطانية تضعف.

لقد بعث الله تعالى الخادم الصادق للنبي صلى الله عليه وسلم في هذا العصر، فهو علّمنا كيف نقوم بالعبادات والصلوات على النحو السليم. فإذا كنا ندّعي من جهة أننا آمنّا بالمسيح الموعود والمهدي المعهود الخادمِ الصادق للنبي صلى الله عليه وسلم لرفع مستوى الروحانية وإقامة الوحدة، ومن جهة أخرى قصّرنا في العمل بأحكام الإسلام خاصة في أداء الفريضة التي هي أساسية، والتي جعلها الله تعالى أقل معيار لتحقيق غاية خلقنا، فكيف يحق لنا الادعاء بأننا قد لبينا نداء النبي صلى الله عليه وسلم وآمنا بالمسيح الموعود عليه السلام للتقدم في الروحانية وللعمل بأحاكام الله تعالى.

وكما قلت فإن القرآن الكريم قد بيّن أهمية فرضية الصلاة في مواضع عدة، كما أن وصايا النبي صلى الله عليه وسلم التي ذكرتها لكم آنفًا واضحة تماما. لا شك أن الصلاة ضرورية جدا لكل مسلم أحمدي، لكن أداءها مع الجماعة فرض على كل رجل عاقل بالغ وقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم أهمية ذلك، ومع ذلك نجد أن الاهتمام بهذا الأمر ليس كما ينبغي بل لا يزال هناك ضعف وتقصير. لا جرم أن الصلاة فرض على كل مؤمن صادق، ويجب أن يهتم بذلك بنفسه، غير أن هناك نظاما في جماعتنا، ومن واجب هذا النظام تذكير الناس بهذا الأمر وبيان أهميته لهم باستمرار. ألفت أنظاركم إلى أهمية الصلاة في معظم خطبي بطريق أو آخر، ومن واجب الدعاة ونظام الجماعة بعد ذلك أن يواصلوا هذا التذكير، ويوصلوا رسالة أهمية الصلاة إلى كل واحد من أبناء الجماعة مرة بعد أخرى. الحق أننا لن نستطيع أداء حق كوننا أحمديين إلا إذا حافظنا على صلواتنا ونلنا ما فيها من متعة روحانية. إذا بدأنا نتمتع بهذه اللذة والسرور الروحاني في الصلوات فسوف نواظب عليها تلقائيا. فكما قلت آنفًا هناك حاجة لأن يهتم كل أحمدي بنفسه بأن يعرف كيف يصلي صلاة تمنحه اللذة والمتعة الروحانية.

لقد قال المسيح الموعود عليه السلام وهو يبين لنا كيف نصلي وكيف نجد فيها هذه المتعة:

أرى أن مدمن الخمر إذا لم يجد المتعة بشرب قليل منها يشرب كأسا تلو كأس إلى أن يشعر بالسكر والنشوة. وبوسع العاقل الفطن أن ينتفع من هذا، (أي من هذا المثال يمكن أن يستفيد العاقل فيواظب على صلواته أكثر فأكثر من أجل رفع مستوى روحانيته) وهو أن يداوم على الصلاة ولا ينقطع عنها إلى أن يجد المتعة فيها. وكما أنه يكون في ذهن مدمن الخمر هدف ينشده ألا هو نيل المتعة بالشرب كذلك يجب أن يركز المصلي ذهنه وكل قواه على نيل تلك المتعة في الصلاة (أي كما أن مدمن الخمر يجعل له عند شرب الخمر هدفًا وهو نيل متعة السكر،كذلك يجب على الشخص الروحاني المؤمن أن يجعل في قلبه خلال الصلاة هدفًا ينشده ثم يسعى لتحقيقه سعيا متواصلا مثابرا، وعندها تتيسر له المتعة المنشودة في صلاته. فعليه أن يسخر خلال صلاته كامل وعيه وقواه على تحقيق هذا الهدف أي نيل المتعة، وهذا يتطلب منه رفع عزيمته، لأن العزيمة تساعد على المثابرة ومواصلة الجهود. ثم يقول حضرته) ثم يجب أن يدعو في صميمه بكامل إخلاص وحماس لنيل تلك اللذة مثلما يكون الشارب في قلق واضطراب وكرب من أجل نشوته، فلو فعل ذلك فإني أقول والحق أقول إنه سيجد المتعة في الصلاة حتما ويقينا.

(أي يجب أن يكون عند المصلي كرب وقلق واضطراب من أجل الحصول على المتعة في الصلاة، ويجب أن يعبر عن كربه هذا أمام الله تعالى مرة بعد أخرى خلال صلاته، ولو فعل ذلك فسوف يحظى بهذه المتعة في الصلاة حتما. إذًا فسعيه الحثيث بلا انقطاع لنيل هذه المتعة في الصلاة سيذيب قلبه في نهاية المطاف ويكسب له تلك اللذة المنشودة)

كما أن المسيح الموعود عليه السلام قد بين أن الله تعالى يقول]إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ[ لكننا مع ذلك نلاحظ ويسأل الناس أيضًا أنه كيف يرتكب بعض الناس السيئات مع أنهم يصلّون. فيقول حضرته إن جواب ذلك أنهم لا يصلّون بالمغزى وروح الصدق بل ينقرون كالدجاج تقليدا وعادة فقط. لذا يجب أن نتذكر أن الله سبحانه وتعالى حين قال بأن الصلاة تنهى عن السيئات فقد صدق يقينا، ولا يمكن أن يكون كلام الله كاذبا. فالذين يرتكبون السيئات رغم مداومتهم على الصلاة، فإنما يؤدون الصلاة في الظاهر، ولا يستوعبون روحها. وهذا مدعاة للقلق الكبير ويجب أن يفحص كل واحد نفسه انطلاقا من ذلك. إذا كنا نجد اللذة والمتعة في الصلاة أو كنا عاقدين العزم على الفوز باللذة والمتعة فيها فكيف يمكن أن لا يداوم أحدنا على الصلوات. فكل واحد تتسنى له اللذة والمتعة في الصلاة حينا أو آخر، وربما أحرزها. فحين يواجه أحدٌ المشكلة أو الاضطراب فمن الملاحظ أن الكثيرين يبكون ويتضرعون في الصلاة كثيرا حتى يدعون الله أثناء التجوال أيضا ويلتفتون إليه سبحانه وتعالى ومن ثم يهتمون بالعبادة أيضا. فتكون في قلوبهم فكرة ما وينشأ لديهم الْتفات ما، وبسببه يداومون على الدعاء في المصيبة. لكنه حين تتحقق أمنياتهم ويتخلصون من المشاكل يتهاون الكثيرون في الدعاء بالضراعة في الصلاة. إذن كما قال سيدنا المسيح الموعود عليه السلام يجب أن نضع أمامنا هدفًا ببذل الجهود الحثيثة أن علينا أن نسعى جاهدين- سواء كان في الظروف الجيدة أو السيئة وفي الضيق والسعة- للحصول على تلك اللذة والمتعة التي تصيبنا بنشوة. وينبغي أن لا تكون أوضاعنا الشخصية هي الدافع لإنشاء الخشوع والحرقة فينا بل ينبغي أن تولِّد أوضاعُ المجتمع الحرقة لدى المؤمن أيضا. فحين تنشأ حالة الحرقة تنبعث الأدعية بضراعة.

ففي باكستان مثلا أوضاع الجماعة سيئة للغاية، حيث تُوجَّه إلى الأحمديين سهام الكراهية من كل طرف وصوب، ويَصدر البغض والحقد ضدهم. حتى إن بعض غير الأحمديين في بعض الأماكن الذين كانت للأحمديين صلاتٌ طيبة قديمة معهم هم أيضا يزدادون معارضةً لهم خوفا من المشايخ أو نتيجة سوء فهْم تصريحاتهم. وعموما قد بلغت المظالم منتهاها. ففي هذه الأوضاع يجب أن يسعى كل أحمدي ليصلي صلواتٍ ذات لذة ومتعة، بل يجب في الوقت نفسه أن يهتموا بعمران المساجد أيضا. وصلني مؤخرا تقريرٌ عن تنفيذ قرارات مجلس الشورى لخدام الأحمدية في باكستان، حيث كتبوا أنهم أحرزوا نجاحات كذا وكذا من حيث رفع عدد الملتزمين بالقرارات المتعلقة بالتربية. فهذا حسن جدا حيث أحرزوا تقدما. ومن الأمور التربوية الكثيرة أن كذا ألْف من الخدام نشأ لديهم الاهتمام بالاستماع إلى خطبتي يوم الجمعة، لكن ما يُقلقني هو أن عدد المصلين جماعةً ثُلث الذين يستمعون إلى الخطبة، أو أكثر بقليل. وكذلك كان عدد المصلين عمومًا أقل بكثير من المستمعين إلى الخطبة، فما فائدة الاستماع إلى الخطبة التي لا تلفت انتباهنا إلى الله، وإلى الفريضة الأساسية التي هي مهمة جدا.

أما أنا فكما قلت أتكلم عن الصلاة جماعةً أو العبادة بعد كل خطبتين أو ثلاث خطب. فإن لم تؤثِّر فيكم هذه الخطب فلا فائدة مطلقا من رفع التقرير أن عددا كذا من الخدام يستمعون إلى الخطبة. إن الجماعة تعيش الأوضاع الصعبة في باكستان، فإن لم ينشأ الالتفات والاهتمام لدى الأحمديين هناك حتى بعد هذه الأوضاع كما أخبرتكم فمتى سوف ينشأ؟ فهل نريد أن نمتحن الله سبحانه وتعالى والعياذ بالله أننا سنبقى هكذا، ومن واجب الله سبحانه وتعالى أن يغيِّر أوضاعنا. إذا كان ذلك حصرا يظهر منكم فلا يجوز لكم الشكوى من الله أبدا. فلم يقل الله سبحانه وتعالى في أي مكان إنكم مهما فعلتم ما يحلو لكم وسواء أديتم حقي أم لا، سوف أمكِّنكم من النجاحات لأنكم آمنتم بالمسيح الموعود. كلا بل للفوز بالنجاحات ثمة حاجة لتغيير أوضاعكم بحسب رضوان الله تعالى. لقد ذكرتُ التقرير من الخدام فهذا لا يعني أن هذا الضعف في الخدام فقط، كلا بل هذا هو حال الأنصار أيضا. فثمة حاجة ماسة لكل أحمدي في باكستان أن يلتفت إلى هذا الأمر. فالنجاحات لا تُنال بالنوم واللامبالاة، وإنما تُحرَز النجاحات بالرباط أي إقامة المعسكرات على الحدود. فهذا الحال نفسه للأحمديين الذي خرجوا من باكستان واستقروا في الخارج أو الأحمديين في كل مكان أي في هذه الدول الراقية وغيرها من بلاد العالم أيضا. فلا نستطيع القول إنهم بعد الوصول إلى الخارج أقاموا الصلاة أو أن الأحمديين يحافظون في كل مكان على الصلاة. إذا استعرضتم أوضاع فروع الجماعة في العالم فسوف ترون تقصيرا كبيرا في الصلاة. إذا فحصتْ كل منظمة فرعية بإنصاف في كل بلد فسوف تظهر النتائج تلقائيا. لكن الذين خرجوا من باكستان واستقروا في الخارج، هم يجب أن يضعوا في الحسبان بصفة خاصة أن الأفضال التي أكرمهم الله بها يجب عليهم أن يشكروا على ذلك، فكيف يتم إظهار ذلك؟ ففي بعض فروع الجماعة عدد المصلين جيد بصفة عامة، ومع ذلك بعض الأحمديين لا يصلون صلاةً واحدةً (جماعةً)، وبعضهم يفوِّتون صلاة ما. وسبب ذلك أن نظام الجماعة لا يلفت الانتباه إلى ذلك، فللنظام أولويات أخرى. فلا يستمع الأحمديين كافة إلى خطبي، فمن الخطأ القول إن الأحمديين مائة في المائة يستمعون إلى خطبي، وحتى لو استمعوا فإن التذكير على الدوام من مسئولية نظام الجماعة، لأن النظام قد أُسِّس ليهتم بأمور التربية. قبل بضعة أيام جاء أعضاء الهيئة الإدارية من فرع الجماعة المحلية ليقابلوني، وفي أثناء اللقاء قال رئيس تلك الجماعة بأنه قد اهتم كثيرا بتوطيد النظام المالي منذ أن تولى منصبه، وقال بأننا نتقدم الآن في هذا المجال بخطوات حثيثة. فقلت له: حسنا، لقد قمت بسعي مشكور في هذا المجال ولكن الأمر الأساسي والواجب على المؤمن هو الصلاة، فأيَّ سعي بذلتَه ليلتزم أفراد الجماعة بالصلاة؟ فلزم الصمت ولم يُجب. ثم استفسرتُه عن الذين يحضرون صلاة الفجر والعشاء عندهم، فتبين أن الإخوة يحضرون هاتين الصلاتين بعدد لا بأس به وذلك بدون أن يبذل نظام الجماعة أيّ جهد بهذا الشأن. لو كان هناك مصلّون يجدون المتعة واللذة في صلواتهم لتحسّن النظام المالي تلقائيا لأنه كلما ارتفع مستوى التقوى عند المرء توجَّه إلى التضحيات المالية تلقائيا. وليس ذلك فحسب بل إذا بدأ الناس يصلّون الصلوات كما ينبغي ستنحل أيضا القضايا التي تصل إلى قسم “الأمور العامة” ودار القضاء إلى حد كبير وتتنشط الأقسام الأخرى.

معلوم أن الظروف في باكستان بل في العالم كله توحي بوجه عام أن خطر الحرب والدمار والهلاك موشك ويحدق بالعالم بشدة، وقد بدأت الحكومات تشير إلى هذا الخطر، وأخذت بالقيام بإجراءات وقائية إلى حد ما. فلا حماية في هذه الحالة إلا من الله تعالى.

يكتب إلي كثير من الناس ويقولون: ماذا عسى أن يحدث في حال نشوب الحرب؟ وماذا عسانا أن نفعل؟ فالجواب لهم هو أنه إن كنتم تريدون أن تنقذوا أنفسكم من هذه الأخطار فلا بد لكم من أن تحبوا الله ذا العجائب كما قال المسيح الموعود عليه السلام. والطريق الوحيد لهذا الحب هو أن تجعلوا صلواتكم وعباداتكم مطابقة لأوامر الله تعالى وتسعوا جاهدين للاستمتاع والتلذذ بها. إن كثيرا من الناس الذين يأتون إلى البلاد المتقدمة ويستقرون فيها ينسون الله تعالى غارقين في البحبوحة الدنيوية ويظنون أنهم نالوا هذه البحبوحة بسبب تقدُّم هذه البلاد ويقولون في أنفسهم بأن سكان هذه البلاد ينعمون بتقدم هائل ولكنهم لا يقومون بالأعمال من هذا القبيل أو العبادات ومع ذلك هم حائزون على التقدم. كذلك يزعم البعض بأننا أفضل منهم إذ نصلّي صلاتين أو ثلاث صلوات على الأقل من الصلوات الخمس المكتوبة.

ولكنني أقول: علينا أن نتذكر أن العذاب مقدَّر للذين ينسون الله فلا تتبعوهم. وإذا كنا نريد أن نجتنب بطش الله بأنفسنا ونجّنب أجيالنا فعلينا ألا ننظر إلى حالة هؤلاء الناس الظاهرية بل يجب أن نعمل بتعليم الله تعالى كما يريده منا. لقد أمر الله تعالى – بعد الإيمان به- بإقامة الصلاة، فعلى جميع أحمديين، رجالا ونساء أن يحافظوا على صلواتهم، ويتحتم على الرجال بوجه خاص أن يلتزموا بالصلاة جماعةً. ففي هذا العصر بيّن المسيح الموعود عليه السلام بوضوح تام أهمية الصلاة وكيفية أدائها وفلسفتها. وقد منّ الله تعالى علينا إذ وفّقنا للإيمان به، وإن لم نلتزم بعد ذلك بهذا الأمر الأساسي أي الصلاة واكتفينا بصلاتين أو ثلاث صلوات مثل الآخرين، كما يفعل كثير من غير الأحمديين فلا فائدة من بيعة المسيح الموعود عليه السلام.

والآن أقدم لكم بعضا من أقوال المسيح الموعود عليه السلام التي تبيّن ما هو المستوى الذي يريد المسيح الموعود عليه السلام أن يرانا عليه من حيث الصلاة وكيف وبأيّة أساليب وضّح لنا الأمر. المؤمن يعلن التوحيد بقراءته الشهادة: “لا إله إلا الله” ولكن ما هو التوحيد؟ يقول المسيح الموعود عليه السلام بهذا الشأن: “اعلموا وعوا أن الركون إلى غير الله بمنـزلة الانقطاع عن الله، فمهما كان المرء يصلي ويبدي تمسُّكَه بالتوحيد لا يستفيد منهما ولا تكون فيهما بركةٌ إذا كانا يخلوان من التفاني والتذلل وإن لم يكن قلبه حنيفا (لأن الإقرار العملي بالتوحيد هو الصلاة). فاسمعوا أن الدعاء الذي ورد عنه: ]ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[، يتطلب هذه الروح الصادقة، إذا كان التضرع والخشوع لا يتسم بروح الحقيقة فمثلهما كمثل كلمات فقط ترددها الببغاء”.

لذا يجب على المرء أن يخلق روحًا صادقة وخشوعا وخضوعا وإلا فلا فائدة من الدعاء. فكما قلتُ من قبل إن الله تعالى يقبل الدعاء إذا كان يتسم بالتواضع والتضرع.

ثم بيّن المسيح الموعود عليه السلام أن أركان الصلاة المختلفة مثل القيام والركوع والسجود كلها تمثّل حالة الاضطرار والقلق لدى الإنسان إذ يقوم مرة ويقعد أخرى، ففي هذه الحالة يتسنى له الاستمتاع واللذة في كل من السجود والقيام والركوع. ثم يقول عليه السلام مبيّنا مقام العبودية والتواضع والصلاة التي تقضي على الذنوب:

عندما تفنى روح الإنسان كليا (أي يتسم الإنسان بالتواضع التام ولا يعُدّ نفسه شيئا مذكورا) تسيل إلى الله تعالى كما يسيل الينبوع (سوف يتسنى التواضع للمرء عندما تسيل روحه إلى الله) ويحصل الانقطاع عن غير الله تعالى، فيقع على الإنسان حبُّ الله تعالى. فعندما يقطع الإنسان العلاقة عن كل ما سوى الله تعالى باذلا سعيه وسائلا الله تعالى فضلَه تقعُ عليه محبة الله تعالى. وعندما تنـزل على الإنسان محبة الله تعالى تحترق الذنوب وتتلاشى، وبالتالي تتحلى صلواته باللذة والسرور الدائمَين. فبدلا من رفع الشكوى أو التفكير في القلب أن صلواتنا تفقد المتعة ينبغي إنشاء هذه العلاقة الخاصة بالله تعالى. فاستعرضوا حالتكم لتعرفوا ما إذا كنتم تؤدون حق الصلاة أم تنقرون كنقرات الدجاج.

ثم يقول حضرته عن طريقة الحصول على النور والمتعة في الصلاة: إن الالتزام بالصلاة والاهتمام بها ضروري جدا لكي تترسخ أولا كعادة راسخة (أي يعتاد عليها الإنسان اعتيادًا راسخًا) ويفكر المرء دائما في الرجوع إلى الله تعالى (وعندما تتحقق كل هذه الأمور وتترسخ الصلاة في الإنسان كعادة راسخة) بعد هذا يأتي رويدا رويدا ذلك الوقت تلقائيا حين يحظى الإنسان بحالة الانقطاع الكلي فيرث نورا ومتعة. (أي أن الإنسان يبلغ بعد ذلك حالة انقطاع تام عن العالم فيتوجه إلى الله تعالى ويحظى في صلواته بتلك اللذة والمتعة المطلوبة.) (مجلة مقارنة الأديان، مجلد3، رقم1، ص6-7)

فلا بد من الاعتياد على الصلاة أولا، ولا بد من ترويض النفس على المواظبة على الصلاة، فلا بد للإنسان من الصلاة سواء أكان يرى الفائدة فيها في الظاهر أم لا، وذلك لأنها فرض. ولا بد من أن يعتاد عليها الإنسان آخذًا بعين الاعتبار بأنه عائد إلى الله في كل الأحوال، ومتوجه إليه عند كل حاجة، ولا يسأل أحدا إلا هو. فإن واظب عليها وثابر فلا بد أن يأتي عليه زمان يؤدي فيه حق الصلوات أيضا ويحظى فيها بالمتعة واللذة. ولن يكون ردّ الإنسان عندئذ كمن يردون عند السؤال عن الصلاة قائلين: نحاول المواظبة عليها إلا أننا نتكاسل أحيانا. لقد قال حضرته عليه السلام مرة:

لا يحدث التقصير والتكاسل إلا ممن لا يعير الصلاة اهتمامًا كافيًا أو يولي لغير الله أهمية أكبر، إذ أنى له أن يتكاسل ويقصر في أدائها إن كان يوقن بالله يقينا كاملا. فنظرا إلى ما تؤول إليه أوضاع العالم لا بد من الخضوع أمام الله تعالى مخلصين من أجل إنقاذ أنفسنا وذرارينا من مساوئ تلك الأوضاع. والطريق الأمثل الذي دلنا عليه الله تعالى ورسوله والذي أكد عليه المسيح الموعود عليه السلام في هذا العصر للخضوع الأمثل أمام الله تعالى هو الاهتمام بأداء الصلوات والحفاظ عليها.

يقول المسيح الموعود عليه السلام: “حذار ثم حذار أن تكون الدنيا هي المقصود من الدخول في هذه الجماعة، بل ينبغي أن يكون الهدف هو الحصول على رضى الله تعالى. فإن الدنيا دار الفناء ولا بد أن تنقضي في كل حال. يقال في المثل الفارسي: الليلُ ينقضي لا محالة، سواءً كان باردًا أم حارًّا. (أي تنقضي الأيام سواء كانت الظروف حسنة أم سيئة.)

يجب أن تضعوا الدنيا وأهدافها كليًّا جانبًا، ولا تخلطوها بالدين إطلاقًا، لأن الدنيا فانية، أما الدين وثماره فهي باقية. الدنيا عمرها قصير جدا. ترون أن ألوفًا من الناس يموتون في كل لحظة وآن. وهناك أنواع مختلفة من الأوبئة والأمراض التي تحصد الدنيا حصدًا. كانت الكوليرا تُهلك أحيانًا، والطاعون يُهلك الآن. (كان الطاعون متفشيًا في ذلك الوقت) لا يعرف أحدٌ مَن سيبقى حيًّا وإلى متى؟ إذا كان الإنسان لا يعرف متى سيحل به الموت أفليس من الخطأ الفاحش والغباء الكبير أن يبقى غافلا عنه. لذا من الواجب أن تتفكروا في الآخرة، ومَن يفكِّر في الآخرة يرحمه الله في الدنيا. هناك وعدٌ من الله أن الإنسان عندما يصبح مؤمنًا كاملا يجعل الله بينه وبين غيره فرقانًا، لذا يجب أن تكونوا مؤمنين أولا. وإنما يتم ذلك إذا لم تخلطوا على الإطلاق أهدافًا دنيوية بأهدافِ البيعة الحقيقية التي هي مبنية على خشية الله وتقواه. أقيموا الصلاة، وكونوا منشغلين بالتوبة والاستغفار. حافِظوا على حقوق الناس، ولا تؤذوا أحدا، وتَقدَّمُوا في التقوى والصدق، يُنـزلِ اللهُ عليكم كلَّ نوع من فضله. كما يجب أن تعِظوا النساء أيضًا في بيوتكم بإقامة الصلاة، وانهوهن عن الشكاوى والغيبة، وعلِّموهن التقوى والصدق.”

ليس علينا سوى الإفهام، وهو ما ينبغي أن تعملوا عليه. فإن قمنا بإفهام الآخرين وإفهام النساء والأولاد فلا بد أن نُري نماذج العفة والصلاح أولا.

ثم قال حضرته عليه السلام: “ادعوا الله تعالى في صلواتكم، ولا بأس من الدعاء بلغتكم. لا متعة في الصلاة بدون الحضور فيها، أي لا يحصل حضور القلب بدون التواضع والإنكسار، ولا يتأتى التواضع ما لم يعِ الإنسان ما يقرأ، وعليه فيمكن أن يتولد الحماس والاضطراب عند عرض مسألته بلغته. ولكن يجب ألا يفهم من ذلك أن تصلوا الصلاة كلها بلغتكم، كلا إنما أقصد أن تدعوا الله بلغتكم أيضا بعد الأدعية المسنونة والأذكار، وإلا فكلمات الصلاة قد أودعها الله بركات. الصلاة هي الدعاء، لذا فادعوا فيها أن يعصمكم من آفات الدنيا والآخرة وأن تكون عاقبتكم الحسنى وجميعُ أعمالكم بحسب مشيئته ورضاه، وادعوا لأولادكم وزوجاتكم. كونوا عبادا صالحين، واجتنبوا كل أنواع السيئة دوما.” (جريدة “الحكم” مجلد 7، رقم 38، ص 2، عدد 17 أكتوبر 1903)

وفقنا الله تعالى للحفاظ على صلواتنا والمواظبة عليها وأدائها خالصة لرضى الله تعالى. ملأ الله تعالى صلواتنا بالمتعة واللذة، وألا نتكاسل في أدائها، وأن ندرك أنه لا يسعنا التخلص من آفات الدنيا اليوم ومصائبها إلا عندما نؤدي حق عبودية الله تعالى. وفقنا الله تعالى لذلك. آمين.

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.