خطبة الجمعة التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز يوم 24/2/2017

آخر تحديث : الثلاثاء 28 فبراير 2017 - 10:11 مساءً
2017 02 28
2017 02 28
خطبة الجمعة التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز يوم 24/2/2017

خطبة الجمعة

التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز

الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام

يوم 24/2/2017م

في بيت الفتوح بلندن

%%%%%

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ]بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّينَ[. (آمين).

كلنا نعرف الظروف السائدة في العالم حاليا، ونرى المفاسد والفتن منتشرة في كل مكان، والقوى المعادية للإسلام تحمِّل المسلمين مسؤوليتها كما قلت مرارا من قبل. صحيح أن بعض فِرق المسلمين والمنظمات تقوم في البلاد الإسلامية وغيرها باسم الإسلام ببعض التصرفات التي ليست سوى الظلم والبربرية، ولا علاقة لها بتعليم الإسلام لا من قريب ولا من بعيد. ولكن الحقيقة أن هذه الظروف قد أُنشئت ولا تزال تُنشأ بين المسلمين بحسب خطة مدروسة. والمسلمون المغرضون والمنافقون هم الذين ألحقوا بالإسلام ضررا بوجه عام إذ يعملون كأداة في أيدي تلك القوى.

على أية حال، إن الظروف السائدة في العالم خطيرة. وبسبب تصرفات بعض المسلمين السيئة تجد القوى المعادية للإسلام فرصة مواتية لتشويه سمعته. ونحن المسلمين الأحمديين أيضا نصبح عرضة لها، ولكن الذين يعرفون الجماعة الإسلامية الأحمدية يُدركون جيدا أنه ليس في تعليمها وعملها إلا الحب والأُخوة. ولكن عامة الناس يحسبوننا أيضا مثلما ترسم لهم وسائل الإعلام صورة الإسلام والمسلمين العاديين. الأحزاب والمنظمات العنصرية في بعض البلاد لا تريد أن تسمع شيئا بل تصر على السلوك السلبي والأفكار السلبية والعمل بحسبها. وهذا النوع من المعارضة ملحوظ في شرق ألمانيا وفي هولندا أيضا حيث ستُعقد الانتخابات قريبا. كذلك تتقوى الأحزاب اليمينية في بلاد أوروبية أخرى أيضا. أما ما يجري في أميركا فهو واضح للجميع. الأحمديون لا يواجهون هذه الظروف في تلك البلاد فقط لكونهم مسلمين بل يواجهون مثلها في بلاد إسلامية أيضا لكونهم أحمديين. وذلك لسبب وحيد أننا آمنا بمنادٍ جاء بحسب وعد الله تعالى. ففي باكستان مثلا إن المشايخ أحرار تماما بسبب القانون الغاشم ليفعلوا ما يحلو لهم، والمحاكم أيضا مضطرة إلى ألا تعدل خشية المشايخ. أما الآن فقد بدأت المحاكم في الجزائر أيضا تنتهج النهج نفسه، وبناء على الخوف من المشايخ المزعومين تزج بالأحمديين الأبرياء في السجون بإلصاق التهم الباطلة بهم. وفي الوقت الحالي هناك 16 أحمديا في السجن بسبب انتمائهم إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية. فماذا يجب علينا أن نفعله في ظل هذه الظروف؟ ليست عندنا حكومة دنيوية ولا ثروة دنيوية ولا أموال النفط، غير أن هناك شيئا يجب على كل أحمدي في العالم أن يركّز عليه وهو التقرب إلى الله سبحانه وتعالى نتيجة العبادات والصدقات والاستغفار. هذه الأمور تهيج رحمة الله تعالى فيحظى الإنسان بحمايته.

لقد وجّهتُ الأنظار في بعض خطبي السابقة إلى العبادات وخاصة إلى الالتزام بالصلاة. أما اليوم فسأتحدث عن الصدقات والاستغفار وسأبيّن أنها مدعاة لنيل قرب الله تعالى. لا شك في أنه توجد في الإنسان أنواع الضعف، ففي بعض الأحيان لا يؤدي الناس حق عبادتهم بسبب مشاغلهم الدنيوية، ولكن إذا واجهوا مشكلة شخصية يتصدقون قليلا وإلا فلا. كذلك لا يؤدون حق الاستغفار كما هو حقه. لو فحصنا أنفسنا لاتضح تماما أن كثيرا منا لا يؤدون هذه الحقوق. فإن كنتم تريدون أن تنالوا أفضال الله تعالى وتريدون أن تهيجوا رحمة الله وتُخيّبوا مساعي الأعداء والمعارضين فلا بد من الانتباه في كل الأحوال إلى هذه الأمور التي تجلب لنا رضا الله تعالى ومغفرته. عندما يقول الله تعالى بأنه يقبل التوبة والاستغفار والصدقات يكون السبب وراءه توجيه الأنظار إلى أن تركّزوا على التوبة والاستغفار ليرفع عنكم معاناتكم وأوجه قلقكم ويقرّبكم إليه زلفا ويغفر ذنوبكم السابقة ويوفقكم لتكونوا عباده الصادقين ويرحمكم، كما يقول سبحانه وتعالى في الآية: ]أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ[ (التوبة: 104)

ذات مرة قال المسيح الموعود عليه السلام مبيّنًا أهمية الصدقة والدعاء: “الصدقة مأخوذة من “الصدق”، والذي يتصدق في سبيل الله يتبين من تصرفه أنه صادق مع الله. والأمر الثاني هو الدعاء. وبالدعاء تنشأ الحرقة والذوبان والرقة في القلب. الدعاء يقتضي التضحية وإذا تيسّرت فيه هذه الأشياء كان إكسيرا.” (أي لو تيسرت هذه الأمور كلها لشكّلت علاجا ناجعا)

إذًا، الاستغفار أيضا دعاء، وعندما يدعو الإنسان واضعا آثامه ونقاط ضعفه في الحسبان تتولد فيه الرقة والحماس. ويجب أن يتولد في القلب حماس وألم وإلا فلن يتحقق المطلوب إذا كان الإنسان يردد “أستغفر الله، أستغفر الله” باللسان وكان تركيزه منصَبًّا نحو غير الله.

إذًا، إن الله تعالى يقبل الأدعية والصدقات التي يؤديها الإنسان في حالة الاضطرار لجلب رحمة الله تعالى. لقد بشّرنا الله تعالى بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم بقبول الأدعية والصدقات. ثم زاد الله سبحانه وتعالى موضوع قبول الأدعية والصدقات شرحا فقال: إِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً.

كذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ. ولكن ليس ضروريا أن تظهر نتائج دعاء المرء دائما كما يريده هو أو أن تظهر فورا. ففي بعض الأحيان تظهر نتائج الأدعية والصدقات نظرا إلى حكمة الله بعد فترة وبصورة مختلفة عما يريده العبد، وفي بعض الأحيان تظهر فورا وبحسب رغبته.

فيجب أن يؤمن المرء إيمانا كاملا بقول الله تعالى أنه يجيب الأدعية ويقبل الاستغفار والصدقات. بمعنى أنه عندما يستغفر الإنسان عن ذنوبه ويعقد عزما صميما وصادقا ويسعى جاهدا لاجتناب الذنوب والتقصيرات في المستقبل يقبل الله تعالى هذا الأمر منه وينجيه من المصاعب كلها.

يجب أن نتذكر دائما أن الله تعالى عالم بما في صدورنا فلا تُقبل عنده الأعمال المبنية على الرياء. أما إذا كسب المرء أعمالا خالصة لوجهه فلا يتركها الله تعالى بلا نتيجةٍ وأجرٍ كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم. إن الله تعالى رحيم بعباده إلى درجة يقول النبي صلى الله عليه وسلم بأن الذين لا يملكون أموالا كافية لدفع الصدقات فعملهم بالمعروف وامتناعهم عن المنكرات يجلب لهم ثواب الصدقة. وإن عباداتهم واستغفارهم وأعمالهم الصالحة التي تفيد الآخرين تُقبل عند الله بصورة العبادات والاستغفار وكذلك تنال أعمالهم الصالحة ثواب الصدقات أيضا. فكما يكسب شخص غني ثوابا بأدائه الصدقات كذلك يكسب الفقير ثوابا مثله بسبب حسن نيته بشرط أن يكون عاملا بالأوامر الأخرى. فكم علينا أن نشكر الله تعالى المحب إلى هذه الدرجة! ذلك الإله الذي لم يعلّمنا طرقا لاجتناب الذنوب فقط بل قال أيضا بأنه سيقبل أعمالنا التي نكسبها لاجتناب التقصيرات والذنوب وسينجّينا من المصائب والمصاعب.

إذًا، الطريق الوحيد للخروج من الظروف الصعبة هو أن نخضع أمام الله تعالى مخلصين عباداتنا وأدعيتنا له سبحانه وتعالى ونركز على الاستغفار والصدقات من حيث الجماعة وبصفتنا الشخصية أيضا.

لقد تحدث سيدنا المسيح الموعود عليه السلام كثيرا وبيَّن أعماق موضوع الصدقة والاستغفار في عدة مناسبات، وأقدم لكم بعضا منها، يقول حضرته عليه السلام في بيان حقيقة الاستغفار:

الذنب دودة تسري في دم الإنسان، وليس له العلاج سوى الاستغفار فقط، فما هو الاستغفار؟ ألا إنما الاستغفار أن يسأل اللهَ الإنسانُ أن يحفظه من نتائج سيئة للذنوب التي صدرت (أي ارتكبناها)، وألا تصدر الذنوب التي هي موجودة في الإنسان بالقوة، (أي هناك احتمال أن يرتكبها أو تقوده إليها القوى الموجودة فيه وينبغي أن يدعو ألا تصدر منه تلك الذنوب) وأن تحترق في داخل الإنسان وتتحول إلى رماد. (فهذا هو الاستغفار). أي الاستغفار هو طلب العفو عن الذنوب السابقة والتوفيق لاجتنابها في المستقبل، لكي تفور رحمة الله ويكرمنا برحمته وفضله على الدوام.

ثم قال حضرته: الوقت مخيف جدًّا، لذا داوِموا على التوبة والاستغفار، وافحصوا أنفسكم. إن أتباع كل دين وملة وأهل الكتاب يؤمنون بأن العذاب يزول بالصدقات والتبرعات، بشرط أن تُدفع قبل نزول العذاب، لكنه حين ينـزل فلا يزول أبدًا. فانشغلوا من الآن في الاستغفار والتوبة، حتى لا تأتي نوبتكم، ويحفظكم الله. (ملفوظات 5)

إلى الآن تعترضنا مشاكل صغيرة بسيطة ونحن نراها أمام أعيننا. أما الاتجاه الذي يتوجه إليه العالم ويصبح الإنسان حرا طليقا، وتصدر منه أعمالٌ تستجلب غضب الله، فهو يتوجه إلى الدمار الذي يحل به بيده. فهذه الدنيا تستنـزل غضب الله. ففي هذه الأوضاع من الواجب علينا نحن أتباع سيدنا المسيح الموعود عليه السلام أن ندعو لأهل الدنيا عامة أيضا أن يهب الله لهم العقل كما نركز على التوبة والاستغفار لإنقاذ أنفسنا من العواقب السيئة.

ثم يزيد سيدنا المسيح الموعود عليه السلام في بيان حقيقة الاستغفار:

“فليكن معلوما أن القرآن الكريم قد ذكر لله تعالى اسمين اثنين وهما: الحيّ والقيوم. المراد من الحي أنه حيٌّ بنفسه ويهب الحياة للآخرين. ومعنى القيوم أنه قائم بذاته وسببٌ لقيام الآخرين. إن البقاء الظاهري والباطني لكل شيء وحياته إنما هي ببركة هاتين الصفتين. إن صفة “الحي” تقتضي أن يُعبد الله وحده ومظهره في سورة الفاتحة هو “إياك نعبد”. وصفة القيوم تقتضي أن يُطلب السند منه، وقد عبر عن هذا المفهوم بجملة: “إياك نستعين”.

إن كلمة “الحي” تقتضي العبادة لأنه خلق كل شيء ولم يتخل عنه بعد خلقه. فمثلا لو بنى البنّاء بناية، ثم مات لما تضررت البناية شيئا، ولكن الإنسان بحاجة دائمة إلى الله تعالى، لذا تحتَّم أن نطلب من الله تعالى القوة باستمرار، وهذا هو الاستغفار بعينه. (إذا ظللْنا نسأل الله القدرة على اتقاء الذنوب، وواظبنا على طلب القوة منه لعبادته، فهذا الطلب هو الاستغفار) هذه هي حقيقة الاستغفار، ثم وُسّع نطاقُه للذين يُذنبون ليُحفَظوا من نتائجها السيئة. والأصل في الموضوع هو إنقاذ الإنسان مما يترتب على الضعف البشري من الأضرار. فالذي لا يقدّر أهمية الاستغفار مع كونه إنسانًا هو ملحد سيئ الأدب.”

ثم يقول سيدنا المسيح الموعود عن اكتساب قرب الله سبحانه وتعالى وأهمية التوبة والاستغفار أن الإنسان خُلق لمهمة عظيمة، وبيَّن تفصيل ذلك أن عليه أن يُحدث في نفسه تغييرا طاهرا. فهي مهمة عظيمة للإنسان أن يحدث تغييرا طاهرا في حالته ويتصالح مع الله، ولا يُسخطه. وليبحث أنه لأي غاية جاء إلى هذا العالم؟ وهذه الغاية كما نعرف قد بيَّنها الله سبحانه وتعالى أنها اكتساب قرب الله سبحانه وتعالى بعبادته.

على كل حال يقول حضرته عليه السلام: “قد خُلق الإنسان لهدف عظيم جدا ولكن حين يأتي الموعد ولا يكون قد حقق ذلك الهدف يقضي الله عليه. خذوا الخادم مثلا، حين لا ينجز عمله على خير ما يرام يعزله سيده. فأنّى لله تعالى أن يُحافظ على من لا يؤدي واجبه.

ثم قدم حضرته مثالا فقال: لقد ظل مرزانا المحترم (أي والد حضرته المرحوم والمغفور له) يمارس الطب إلى خمسين عاما وكان يقول بأنه لم يجد أي وصفة (يمكن أن يؤكد بحقها أنها) ناجعة حتما. الحق أن كل ذرة تدخل جسم الإنسان لا يمكن أن تكون مفيدة دون إذن من الله. على الإنسان أن يركّز على التوبة والاستغفار ليُنـزل الله عليه فضله. عندما ينـزل فضل الله يجاب الدعاء أيضا. إنما قال الله تعالى إنه يتقبل الدعاء وقال أحيانا أخرى أنه يجب أن تقبلوا قضائي وقدري أيضًا، لذا ما لم يؤذَن لي بالدعاء لا أتوقع إجابته كثيرا. الإنسان ضعيف وعاجز جدا لذا عليه أن يرجو فضل الله تعالى. (ملفوظات 4)

فلنيل فضل الله سبحانه وتعالى المرجوّ لا بد من الإنابة إليه كل حين وآن، والاعتصام بأعتابه. وثمة حاجة ماسة للتوبة والاستغفار، والسعي لتأدية حقوق الله وحقوق عباده.

ثم بين حضرته أن البكاء والتصدق تنسخ الحكم الصادر: إن الدعاء وسيلة عظيمة للنجاح، لقد نجا قوم يونس من عذاب مقبل نتيجة التضرع والبكاء. أرى أن المغاضبة تعني المعاتبة (أی إبداء الغضب والعتاب)، والحوتُ هو السمك، والنونُ يعني التسرع والسمك أيضا. فحالة يونس عليه السلام تلك كانت مغاضبة. الواقع أنه خطر بباله بسبب عدم نزول العذاب على القوم الشكوى بأن نبوءته ودعاءَه ذهبا سدًى، وفكّر أيضا أن قوله لم يتحقق. وهذه كانت حالة المغاضبة. وفي ذلك درس بأن الله تعالى يغيّر قدره، وأن التضرع والابتهال والصدقات تُلغي عقوبة الجريمة الثابتة. ومن هنا يُستمَدّ مبدأ إخراج الصدقات. هذه الطرق تُرضي الله تعالى. الكبد في علم الرؤى يعني المال، لذا فإخراج الصدقات هو بمنـزلة التضحية بالحياة، فكم يُؤكد المرء صِدقَه وثباته عندما يدفع الصدقات! والحق أن مجرد الكلام لا ينفع المرء شيئا ما لم يُثبت المرء أمرًا ما بالعمل. وإنما تسمَّى الصدقةُ صدقةً لأنها تجعل علامةً على الصادقين. لقد ورد في “الدر المنثور” في سوانح يونس عليه السلام أنه قال لله تعالى: كنتُ أعلم سلفًا أنه إذا جاءك أحد ستترحم عليه. (الملفوظات، مجلد أول)

تكلم المسيح الموعود عليه السلام في مجلس، وتفصيل ذلك منشور في جريدة البدر، أن بعض الناس جاءوا من خارج قاديان وبعد صلاة الجمعة جلس سيدنا المسيح الموعود عليه السلام وعن ذلك يقول محرر الجريدة:

بعد صلاة الجمعة بايع سكان القرى المجاورة، وألقى حضرته فيهم خطابا موجزا على موضوع الالتزام بالصلاة والصيام واجتناب كل ظلم وغيره. وأنه ينبغي أن ينصح الأحمديون النساءَ والبنات والشباب في البيوت بالبر والصلاح. فكما أن الأشجار والزروع إذا لم تُسقَ جيدًا فلا تُثمر، فمثل ذلك إذا لم يُسقَ القلب بماء الحسنة، فلا يفيد الإنسان شيئًا.

(فقال حضرته: ينبغي أن يُذكر في البيت الحسناتُ على الدوام لكي ينشأ الالتفات إلى الدعاء والاستغفار والاهتمام بأعمال صالحة أخرى، فهي تشكِّل ماء تنمو به شجرة البر والصلاح، ويقْوى الإيمان) يقول هذا الكاتب إن حضرته عليه السلام أوصى باجتناب الجلوس في مجالس الضحك والسخرية.

ثم ذكر بوصية الأنبياء أن البلاء يُرَدُّ بالصدقة والدعاء فقال: إذا لم تملكوا نقودا فعليكم أن تملؤا قربة من الماء لأحد، (أخرجوا الماء من البئر بالدلو، واملؤوا به إناء أحد فهذا أيضا يكون صدقة.) قال: وأن تخدموا أحدا بالمال والجسد فهو أيضا صدقة.

فحيث كان الالتزام بالعبادات ضروريا لنيل فضل الله تعالى كذلك من الضروري اجتناب السيئات ومساعدة الآخرين، وكذلك يجب الأمر بالمعروف بدلا من قضاء الوقت في لهو الحديث والأحاديث الدنيوية، ومن الضروري تجنب المجالس التي ليس فيها إلا الاستهزاء والسخرية من الآخرين، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم إنها أمور من المعروف وتُعدّ صدقة. ومد يد العون للآخرين أيضا صدقة، فالذي يحل مشاكل الآخرين فهو يتصدق. إذًا، ينبغي أن ننتبه لذلك. ثم قال المسيح الموعود عليه السلام في مناسبة:

“تتفق الأديان كلها على أن البلاء يزول بالصدقات والتوبة. وإذا أخبر الله عن البلاء قبل الأوان كانت نبوءة الوعيد. ويمكن أن تزول نبوءة الوعيد بالصدقات والتوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى . يعتقد مئة وأربعة وعشرون ألف نبي أن البلاء يزول بالصدقات. الهندوس أيضا يدفعون الصدقات عند المصيبة. إذا كان البلاء لا يزول بالصدقات لكانت الصدقات كلها عبثا.” (الملفوظات، المجلد 3)

فحين يقول الله تعالى أنه يقبل الصدقات فهو قادر على قبولها حتى بعد الإنذار بواسطة أنبيائه ومبعوثيه في بعض الأحيان، وتزول نبوءة الإنذار أيضا كما حدث مع قوم يونس الذين نجوا بسبب الدعاء والصدقة والتضرع والابتهال وزالت النبوءة عن هلاكهم. فحين يمكن أن تزول نبوءات الأنبياء بالصدقة فلماذا لن تزول المشاكل -التي تحل نتيجة أعمال الإنسان ونتيجة نسيانه اللهَ تعالى- بفضل الرجوع إلى الله والاستغفار والتوبة والصدقات، يمكن أن تزول حتما شريطة أن يكون تضرعنا وابتهالنا ودعاؤنا وصدقاتنا وفق حكم الله تعالى. قال النبي صلى الله عليه وسلم في مناسبة: إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ عَنْ مِيتَةِ السُّوء (سنن الترمذي، باب ما جاء في فضل الصدقة) ثم قال صلى الله عليه وسلم: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ وَالْقَلِيلِ مِنْ الصَّدَقَة (صحيح البخاري) وقد سمعنا آنفا قوله صلى الله عليه وسلم: العمل بالمعروف والامتناع عن المنكر أيضا صدقة. فباختصار، يجب أن نضع هذه الأمور أمامنا، ولكن مع ذلك يجب أن نتذكر ما مر بيانه أن التوجه إلى الاستغفار والأدعية أيضا ضروري. إن الاستغفار الذي يخرج من القلب يحمي المرء من المعاصي ويُهيج رحمة الله تعالى ويقرّبه إليه سبحانه وتعالى. قال النبي صلى الله عليه وسلم في مناسبة: مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بَابُ الدُّعَاءِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وقال: مَا سُئِلَ اللهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَافِيَةَ. وقال أيضا: إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ. (سنن الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله)

ثم يقول المسيح الموعود عليه السلام:

“تذكروا أن ذنب الغفلة أشنع من ذنب الندامة، فهذا الذنب يكون سامًّا وقاتلا، أما التائب من الذنب فكمن لا ذنب له. أما الذي لا يعرف ماذا يعمل فهو في خطر شديد، فالحاجة ماسَّة إلى أن تتركوا الغفلة، وتتوبوا عن ذنوبكم، وتتقوا الله باستمرار. فالذي يصحح حالته بالتوبة فسوف ينقَذ مقابل الآخرين، فإنما يفيد الدعاء حصرًا مَن يصلح نفسه، ويقيم علاقة صادقة بالله. وقال عليه السلام: إذا كان الرسول شفَع لأحد لكن الذي شفع له لم يصلح نفسه ولم يخرج من حياة الغفلة فلن تفيده الشفاعة.” (الملفوظات)

وفقنا الله تعالى أن نكون ممن يفهمون حقيقة الدعاء ويسجدون لله مخلصين له ويتوجهون إلى الاستغفار ويستغفرون الله عن ذنوبهم السابقة منيبين له، ويتعهدون اجتناب السيئات في المستقبل ثم يسعون جاهدين للإيفاء بعهدهم هذا، ويؤدّون الصدقات المقبولة عند الله لدفع البلايا. حمانا الله تعالى وحفظنا من كل هجوم معارض ومن كل عدو، وردَّ عليهم هجماتهم، وجعلنا دوما من عباد الله الذين يكنون خشية الله في قلبهم وجعلنا ورثة أدعية الرسول صلى الله عليه وسلم والمسيح الموعود عليه السلام، وأن ننال من فيوضها، آمين.

سأصلي بعد صلاتي الظهر والعصر صلاة الغائب على السيدة سعدة البرتاوي زوجة السيد مرعي البرتاوي. لقد توفّيت في حوش عرب بمحافظة ريف دمشق. احترقت نتيجة اشتعال غاز تسرب من المدفأة داخل المنزل فجيء بها إلى المستشفى حيث تحسنت نتيجة العلاج، كانت صابرة على مصابها وظلت تحمد الله تعالى وتقول للجميع إنها راضية بقدر الله ولكن بعد أربعة أيام أصيبت بأزمة قلبية وانتكست حالتها ولم تستطع تحملها فتوقف قلبها، وتوفيت في 10 كانون الثاني/يناير 2017، إنا لله وإنا إليه راجعون.

بايعت بعد زوجها في 2004 ولكنها سبقت زوجها وأولادها في الإخلاص، يقول زوجها السيد مرعي: بُعيد البيعة حملت منه ولكنها أثناء الحمل تعرضت لسقوط شديد على الدرج وتوقعت أن تجهض بسبب هذا الحادث، ولكنها عندما نامت رأت في المنام أن أحدا يناديها من السماء ويقول لها “لا تخافي هذا الجنين يحميه الله”، فقررت أن تسمي طفلها إن كان ذكرا “أحمد” وبالفعل أنجبت ذكرا وسمّته “أحمد”.

مرة أيضا عندما كان عمر “أحمد نحو 6 سنوات رأت رؤيا تشابه الأولى عن هذا الولد يأتيها صوت من السماء ويقول لها “هذا الولد حاميه الله” وبعد ذلك كانت تمسك بيده على طريق سريع للسيارات وفجأة أفلت منها طفلها أحمد وركض ليقطع الطريق السريع من جهة لأخرى، فأمسكت رأسها وأغمضت عينيها ولم تستطع النظر، ولما فتحت عينيها رأت أحمد قد أصبح على الطرف الآخر وهو يلوح لها بيديه، فتذكرت منامها في ذلك اليوم عن هذا الطفل.

يقول زوجها: كانت سباقة للخير، كلما كنتُ أفكر بعمل معروف لأحد وأردتُ أن أخبرها به كانت تقول: هذا ما كنتُ أفكر به، وقد فعلت ذلك لعلمي بأنك لن تعارض بل ستشجعني عليه، (كان زوجها لا يزال يفكر في الخير ولكنها كانت قد نفذته) يقول زوجها: يكاد لا يمر أسبوع إلا ويحدث مثل هذا الأمر مرة أو مرتين.

يقول صهرها السيد مصعب شويري من ألمانيا: كانت إنسانة متواضعة وبسيطة لا تكره أحدا وكانت كريمة جدا، أثناء سجن زوجها بين 2009 و2013 عملت بجد لتؤمن احتياجات بيتها وأولادها وتوفي ديونا سابقة. كانت مقدامة على فعل الخير وعطوفة على الجميع، وكانت ملتزمة بدفع التبرعات. تم دفنها في قرية حوش عرب وهي منطقة قريبة من دمشق. حيث صلى عليها الأحمديون وغير الأحمديين على حدة. غفر الله للمرحومة ورفع درجاتها ووفق أجيالها القادمة أيضا للارتباط بالجماعة والخلافة بقوة، آمين.

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.