خطبة الجمعة التي ألقاها أمير المؤمنين نصره العزيز يوم 10/3/2017

آخر تحديث : الإثنين 3 أبريل 2017 - 2:25 مساءً
2017 04 03
2017 04 03
خطبة الجمعة التي ألقاها أمير المؤمنين نصره العزيز يوم 10/3/2017

خطبة الجمعة

التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز

الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام

يوم 10/3/2017م

في بيت الفتوح بلندن

%%%%%

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ]بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّينَ[. (آمين).

لقد أنشئت الجامعة الأحمدية بفضل الله سبحانه وتعالى في عدة بلدان في العالم حيث تخرَّج فيها الدعاة بعد إنهاء الدراسة ويمارسون الآن الأنشطة في الميدان، وهذا يستمر. في الماضي كانت الجامعة الأحمدية في ربوة وقاديان فقط، التي يتخرج فيهما الدعاةُ حاملين شهادة “شاهد”. مؤخرا أقيم هنا في بريطانيا حفل توزيع الشهادات على الخرِّيجين في الجامعة الأحمدية في كندا وبريطانيا. هؤلاء الخرّيجون الذين نالوا شهادة شاهِد قد ترعرعوا في المجتمع الغربي وبعد إنهاء الدراسة الثانوية قدموا أنفسهم للخدمة كدعاة وسجلوا أنفسهم للدراسة في الجامعة الأحمدية ونجحوا فيها. غالبيتهم بل كلهم تقريبا من مشروع وقف نو.

من المؤكد أن التقدم لوقف الحياة للانضمام إلى جنود دين الله- في المجتمع الغربي حيث المادية والبريق المادي على أوجه- لسعادة وإظهار للوفاء بوعْد إيثار الدين على الدنيا، لكن الجدير بالتذكر أن ذلك لا يمكن دون فضل الله. إن الذين يدرسون في الجامعات في البلاد الغربية والذين يدرسون في الجامعات العادية أي البلاد الأخرى عليهم أن يولِّدوا في نفوسهم التواضع ويعدّوا ذلك جالبَ أفضال الله سبحانه وتعالى، ويجب أن يتحرَّوا فضله على الدوام منيبين إليه.

كذلك كنت قد قلت في الحفل المذكور آنفًا إن الجماعة بحاجة إلى المربين والمبلغين وهذه الحاجة تتزايد بل قد تزايدت فعلا. لذا يجب أن يتقدم أكبر عدد من “الواقفين نو” للدراسة في الجامعة الأحمدية. ويجب على الوالدين أيضا أن يلفتوا انتباههم إلى هذا الأمر منذ الطفولة، ويربّوهم بحيث تنشأ فيهم الرغبةُ في الدراسة في الجامعة الأحمدية. بالإضافة إلى ربوة وقاديان عندنا الآن بفضل الله سبحانه وتعالى الجامعة الأحمدية في بريطانيا وألمانيا، حيث يدرس الطلاب من أوروبا، كما توجد الجامعة الأحمدية في كندا أيضا وهي مرخَّصة من قبل الحكومة، حيث يمكن أن يأتي إلى هناك الطلاب من الخارج أيضا وهم يدرسون هنالك. في غانا أيضا توجد الجامعة الأحمدية حيث يدرس الطلاب من شتى الدول، وهذا العام ستتخرج الدفعة الأولى من الدعاة. كذلك في بنغلاديش أيضا الجامعة الأحمدية، وطُوِّرت الجامعة في إندونيسيا أيضا إلى درجة “الشاهد”.

إذن يجب على أولاد “الوقف نو” أن يسعوا جاهدين للتسجيل في الجامعة الأحمدية. وكما قلت سابقا يجب على الوالدين أن يهيئوهم لذلك، حيث يجب أن يتقدم منهم العدد الذي تتسع له الجامعاتُ حاليا، عندها يمكن أن نسد الحاجة الحالية إلى المبلغين والمربين.

الآن أتناول بعض الأسئلة التي تنشأ في قلوب المربّين وهم يطرحونها. وإنني أرد على أسئلتهم على الدوام وأرى ذكر هذا الرد ضروريا هنا الآن لكي يعرف المسئولون في نظام الجماعة كيف يجب إنجاز الأعمال بالتعاون المتبادل، أي التعاون المتبادل بين المربّين والمبلّغين والمسئولين، وخاصة الرؤساء والأمراء. لأنه نتيجة سوء التفاهم يحدث التوتر مع بعض المسئولين، حيث لا تبقى العلاقات المتبادلة صالحة للتعاون. أو ينشأ لدى فريق ما إحساس أنه لا يتلقى عونا. المربّون يسألون عادة أنه لأي مدى يمكن للرئيس أن يتدخل في أعمالهم، أو ما هي حدودهم وما هي حدود الرؤساء؟ أحيانا يرى المربي أمرًا ما أفضل من حيث التربية، ومن ثم يسعى لترويجه في الجماعة، فيقول رئيس الجماعة إني لا أرى أنه يجب أن يتمَّ على هذا النحو. أو بعض الرؤساء يزعمون بحسب طبعهم أو نظرا لشَغْلهم منصب رئيس الجماعة لمدة طويلة أن ما يقولونه هو الصواب، وأن على المربي أن يتبع مشيئتهم. وأحيانا يستجوبون المربي أمام الناس في مجلس بأسلوب غير لائق. والمربون الشباب يستاءون من ذلك ويقلقون فلا يتمالكون أنفسهم وفي هذه الحالة يمكن أن يتفاعلوا ويردوا بأسلوب مماثل.

فعلى على المربين أن يتذكروا أولا أن عليهم طاعة مَن عُين عليهم إداريا. ويقدموا نماذج طاعتهم له، ويلزموا الصمت إذا طرأت مثل هذه الأوضاع، لكي لا يأخذ أبناء الجماعة أي انطباع سلبي ولا ينشأ الاضطراب في الجماعة. إذا كان اعتدى عليهم أحدٌ فليكتبوا إلى الأمير الوطني أو الرئيس، ويمكن أن يكتبوا لي أيضا. ومثل ذلك أقول للرؤساء والأمراء أن عليهم أن يحترموا ويُكرموا المربين، وينبغي أن يكون الرئيس أو الأمير لأي جماعة هو أكثرَ احترامًا وإكراما للمربين وتعاونا معهم واستشارة لهم. وكذلك يجب على سائر المسئولين في الجماعة أن يتعاونوا مع المربي في مجال عملهم. وعلى الدعاة أيضا أن يتعاونوا بكل تواضع وإخلاص مع رئيس الجماعة المحلي ومع أمير الجماعة. إن هدفنا واحد وهو تعليم أفراد الجماعة وتربيتهم وترسيخ احترام نظام الجماعة وربط أفراد الجماعة مع الخليفة وإقامة التوحيد ونشر تعليم الإسلام الحقيقي. فلا ينشأ في ذلك سؤال الحدود والصلاحيات بل يجب أن يعمل الجميع مجتمعين وبتعاون متبادل. ويجب أن يضعوا أمر الله عز وجل الأساسي نصب أعينهم دائما وهو: ]وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى[.

كل واحد منا يعرف أن خدمة الجماعة، أيا كان مجالها، حسنةٌ كبيرة إذا حظي المرء بالفرصة لها. وليكن معلوما أن التقوى هي الركيزة الأساسية للخدمة. التقوى هي الأساس في مجال خدمة الجماعة وبسببها يوفَّق المرء لخدمتها. إن خدمة الجماعة تعني في الحقيقة نيل رضا الله تعالى نتيجة خشية الله تعالى. فالحدود التي حدِّدت للدعاة والمسئولين في الجماعة هي لنيل التوفيق للحسنات والسلوك على مسلك التقوى لتتوطد أواصر الحب والأخوة بينهم، وليقوم الجميع بدورهم في تقدم الجماعة من الناحية العلمية والروحانية.

يقول المسيح الموعود u إن المراد من ]تعاونوا على البر والتقوى[ هو أن “احملوا أوزار الإخوة الضعفاء، وساعدوهم على ضعفهم العملي والإيماني والمالي وشاركوهم. كما يجب مداواة ضعفهم الجسدي أيضا.” وهذا لا يمكن إلا إذا عمل المسئولون في الجماعة والدعاة بالتعاون المتبادل واضعين في الحسبان مواساة أفراد الجماعة. ليس المراد من الاشتراك في الضعف العملي والإيماني أن تصبحوا مثلهم بل المراد من ذلك أنه يجب أن يسعى جاهدا كل من رؤساء الجماعة والمسئولون في مجال عملهم لإزالة الضعف العملي والروحاني، وكذلك الدعاةُ بسبب كونهم أكثر علمًا وبصفتهم ممثلين للخليفة في مجال التربية.

لقد شرح المسيح الموعود u الموضوعَ أكثر فقال: “لا تُعَدّ الجماعةُ جماعةً ما لم يساند الأقوياءُ منهم إخوتهم الضعفاءَ”.

إذًا، لقد أُنشئ نظام الجماعة ليخططوا لتحسين حالة أفراد الجماعة الروحانية والعلمية والجسدية. يقول المسيح الموعود u: “ينبغي على الكبير أن يخدم الصغير ويعامله بحب ولطف”. وهذا ضروري للمسئولين وخاصة لرؤوساء الجماعة بوجه خاص من منطلق علاقتهم مع أفراد الجماعة، كذلك هو ضروري جدا من منظور العلاقة بين رئيس الجماعة والدعاة. فيجب أن يقدّم كل واحد منهم سلوكه الحسن أمام أفراد الجماعة بالتعامل بالبر والتقوى لأنه ضروري لتقدم أفراد الجماعة العلمي والروحاني.

لقد لوحظ أنه حيثما يقع الخلل، مهما كان بسيطا، في العلاقة بين الرئيس والمسئولين أو الدعاة أو نشأت بينهم الشكوى مهما كانت بسيطة يسعى الشيطان أن يُقحم نفسه في الموضوع وتتزعزع جذورُ البر والتقوى. فيُظهر البعض مواساتهم للدعاة ويقولون له: إن رئيس الجماعة لم يعاملك معاملة لائقة، ويكون هناك بعض آخرون يقولون للرئيس: لم يكن جائزا للداعية أن يتصرف على هذا النحو. إذًا، فالذين كلِّف الرئيس والداعية بتربيتهم هم الذين يبدأون بإنشاء الفُرقة والانشقاق بينهما وبالنتيجة تنشأ القلاقل بين عامة الناس.

يقول المسيح الموعود u: “ألا لا تكون الجماعةُ جماعةً إذا كان بعضها يضر ببعضها بحيث إذا جلس بعضهم شَكُوا من بعض إخوتهم الضعفاء وازدروهم وحقّروهم، ونظروا إلى الفقراء نظرة استخفاف وازدراء. يجب ألا يحدث هذا مطلقًا. بل يجب أن يؤدي اجتماعهم إلى القوة والوحدة اللتين هما مجلبة للحب والبركات… يجب أن نوسّع نطاقَ القوى الأخلاقية. وهذا يحدث عندما تعمّ المواساة والحب والعفو واللطف، وتُقدَّم الرحمة والمواساة وعادة الستر على جميع التصرفات والسلوكيات”.

إذًا، يجب على الجميع أن يتحلوا بهذه الصفات الحسنة، وخاصة رؤساء الجماعة والدعاةُ الذين كلِّفوا بمهام عظيمة الشأن. فعليهم أن يكونوا أكثر الناس رحمة وسِترا ومواساة للآخرين.

ثم يقول u: “يجب ألا تتم مؤاخذة الناس على أتفه الأمور لأن هذا الأمر يؤدي إلى جرح المشاعر والأذى”.

إن نقل هذا المقتبس هنا لا يعني قط أن هناك خلافات- لا سمح الله- بين المسئولين في الجماعة وخاصة بين رؤساء الجماعة والدعاة. كلا، ليس الأمر كذلك مطلقا ولا يحدث ذلك إلا ما شذر وندر. ولا يصلني حادث من هذا القبيل إلا مرة واحدة أو أقل في العام. وإنما بيّنتُ الموضوع أمام الناس ليكون الرؤساء والدعاة على بيّنة أن مهمتهم واسعة النطاق جدا وأمامهم هدف عظيم.

وإذا نشأ الخلاف- لا سمح الله- فيجب حلّه فورا لأنه يلاحظ أحيانا أن هذا النوع من الخلاف لا يبقى مقتصرا عليهما فقط بل يتضرر به بقية أفراد الجماعة أيضا ويستغل الشيطان مثل هذا الوضع كما قلتُ من قبل. لذا على الرؤساء والدعاة أن يضعوا الهدف الأسمى أمام أعينهم دائما، وهو أن عليهم أن يؤدوا بالتعاون المتبادل المسئوليةَ الملقاة على عواتقهم فيما يتعلق بتربية الجماعة العلمية والروحانية والإدارية.

قال المسيح الموعود u بوضوح لا يمكن أن تظهر النتائج الصحيحة ما لم تعملوا بالتعاون مع بعضكم، قال u: “فالأمر الذي يتم بكلتَي اليدين لا يمكن إتمامه بيد واحدة. والطريق الذي تقطعها قدمان لا يمكن أن تعبرها قدم واحدة. كذلك إن نجاحنا كله يعتمد على تعاوننا المتبادل في أمور الحياة الدنيا والآخرة. هل من أحد يستطيع أن ينجز وحده أمور الدين أو الدنيا؟ كلا؟ لا يمكن أن يتم أمرٌ -دينيا كان أم دنيويا- دون التعاون المتبادل. ثم قال u: وخاصة عندما تكون الأمور جليلة الشأن التي تكمن في غايتها المتوخاة فائدة عامة فلا تتم إلا بتعاون الجمهور.” (“مجموعة الإعلانات”، مجلد1، ص26)

فلا ينبغي لرئيس أو لأمير أن يسعى لفرض إرادته متشبّثا بجميع الصلاحيات كما لا ينبغي للدعاة أن يعدُّوا رأيهم صائبا دوما ويسعوا للعمل به أو يطالبوا العمل به، بل يجب العمل بالتعاون المتبادل، لأن الداعية مسئول عن تربية الجماعة. وكما قلتُ إن الداعية عموما يملك علم الدين أكثر من غيره ويجب أن يكون كذلك، كما ينبغي أن يستمر في زيادة علمه الديني ويسعى دوما للارتقاء في الروحانية ليكون مستوى تقواه أعلى من عامة الناس، لو فهِم الدعاة هذا الشيء وعملوا بحسبه لَكسبوا مكانةً لدى المسئولين وأفراد الجماعة تلقائيا.

يجب على رؤساء الجماعة أو أمراء الجماعة أن يتذكّروا أنهم – لِما يملكون السلطة الإدارية- مسئولون عن إدارة النظام على وجه صحيح، وقد جعلهم خليفة الوقت ممثّلين له في هذا الأمر. كذلك الدعاة مسئولون عن رقي الجماعة الديني والروحي وعن استخدام ما أمكن من الوسائل لذلك، وإنهم ممثّلو الخليفة في هذا الأمر. فيجب أن يكون الرؤساء أو الأمراء والدعاة كلاهما متعاونين مع بعضهم وعليهم أن يعملوا وفق خطة مدروسة، حينها يمكن لهم أن يقوّوا الجماعةَ إداريا ويرتقوا علميّا وروحانيّا.

وقد ذكرتُ سلفا باختصار وأقول الآن مرّة أخرى أن من واجب الرئيس أو الأمير والمسئولين جميعا أن يُنشئوا في قلوبهم وفي أفراد الجماعة أيضًا أدبا واحتراما للدعاة بل لجميع الواقفين. إنه من واجبكم أن تُكرموهم وتقيموا احترامهم في الجماعة. لكي تتّضحَ أهمّية مقام الدعاة والمبشرين والواقفين، ويقدِّمَ شباب الجماعة أنفسهم لخدمة الدين بعدد أكبر. لا شك أن وقف المرء حياته ليكون داعية لخدمة الدين إنما يكون لرضا الله تعالى، ولكن يزداد هذا الفهم والإدراك وهذه المعرفة تدريجيا، ويحتاج الواقفون الجدد من الشباب إلى دافع ظاهري ينشئ فيهم رغبة وشوقا لكي يقدّموا أنفسهم لهذه الخدمة. وهذا من مقتضى فطرة الإنسان ولا يمكن إنكاره، وحين يفهم المرء أهمّية خدمة الجماعة وإن كان يحتاج إلى دافع في البداية ولكن حين ينشأ هذا الإدراك ويفهم أن كل أمر يجب أن يكون لوجه الله تعالى فيزداد روحانية مع مرور الوقت. ثم لا ينظر الواقف حياتَه إلى الدنيا أو أهل الدنيا أو إلى سلوك أهل الدنيا ولا ينبغي أن ينظر إلى ذلك، وهذه هي روح الوقف الحقيقية. فيجب على الرؤساء والأمراء والمسئولين أن ينمّوا عاطفة التواضع المتناهي والتعاون في تعاملهم مع الدعاة والواقفين لكي يتيسّر الدعاة في المستقبل -كما قلتُ إننا نحتاج إلى الدعاة بعدد كبير- ولكي تنشأ في قلوب الشباب رغبة في أن يصبحوا دعاة ومبشرين.

أريد أن أقول للواقفين الجدد من الشباب وللدعاة الشباب الذين هم في ميدان العمل أن يُوفوا بكل إخلاص بعهد التضحية الذي قطعوه مع الله تعالى سواء فهمت الدنيا مقامهم أم لا، وسواء احترمَهم الرئيس أو الأمير أو المسئولون أم لا، بل وإن لم يحترمهم أي فرد من أفراد الجماعة. ويجب على الواقف أن ينظر إلى أن والده كرّس حياته قبل ولادته ثم حين أصبح شابّا جدّد وقفه، لذا لن ينظر إلى الدنيا بل إلى الله تعالى وإلى حاجة جماعته، وسيقدِّم نفسه للتسجيل في الجامعة، وحين سيصبح داعية سيخضع أمام الله تعالى في كل شيء ولن يبالي بسلوك الناس. إن الإنسان يخضع لله تعالى عموما ويجب ألا يخضع إلا له، ولكنني هنا أعني أنه ينبغي ألا ينظر الواقف إلى ما يقوله المسئولون، ولو نشأت بعض الشكاوى فبدلا من أن يُظهرها أمام الناس يجب أن يتوجه إلى الله ولا يبالي بسلوك الناس.

إن واقف الحياة يقفُ حياته كلها، ويقدم حياته لخدمة دين الله تعالى ولكن المسئول يُعَيَّن مؤقّتا لبضع سنوات فقط. فإن كان أحد المسئولين غير نافع للجماعة ويعقّد الأمور بدلا من أن يتعاون فيها، فعلى الدعاة أن يدعو الله تعالى أن يخلّص الجماعة من مثل هذا المسئول، لأنه من واجب الدعاة أن يدعوا للمسئولين ليكونوا من السالكين في الصراط المستقيم. فإذا كان الأفضل إقصاء مثل هذا المسئول عن منصبه فيُقصيه الله تعالى، وإن كان الله تعالى يرى أن يظل هذا الشخص في الخدمة على هذا المنصب بسبب بعض ميزاته فسيصلح ضعفه الذي أدى إلى إثارة المشاكل استجابةً لهذا الدعاء. فمن واجب الداعية أن يتعاون في كل عمل ويدعو.

كذلك أريد أن أقول للمسئولين والدعاة أيضا أننا إذا كنا نتوقع من أفراد الجماعة ألا يتكلموا في بيوتهم عن أمور سلبية ضد المسئولين، فبالأحرى على الرؤساء والأمراء والمسئولين والدعاة أن يتقيدوا بهذا الأمر وألا تذكر في بيوتهم أيضا هذه الأمور السلبية، أما الأمور الإيجابية فلا مانع من ذكرها إذ إنه يساعد على نشوء الاحترام لدى ذراري الدعاة والمسئولين تجاه نظام الجماعة والواقفين حياتَهم والذين يخدمون الجماعة بشكل من الأشكال.

يجب أن يتذكر المسئولون ولاسيما الرؤساء والأمراء أنه عليهم أن يبسطوا أجنحة المحبة والوداد لأفراد الجماعة. لم يكن حقا لكم نيل منصب من مناصب الجماعة، بل هو فضل بحت من الله، ويجب عليهم أن يقدروا بكل تواضع نعمة الله وفضله هذا حق قدره، ويسعوا جاهدين لأداء مهمة الإشراف على الجماعة الحبيبة التي عهدها إليكم خليفة الوقت معتمدًا عليكم. وعلى كل رئيس ومسئول أن يُشعِر كل صغير وكبير من جماعته بأنه تحت أجنحة حافظة له كالفراخ التي تجمعها الدجاجة تحت جناحيها. ينبغي التحدث إلى كل واحد بكل رفق وابتسامة، وينبغي أن يولّد فيكم كرسي المكتب التواضع بدلا من التكبر. ويجب أن تكون أبواب كل مسئول وداعية مفتوحة لكل شخص، وفي هذا الخصوص يجب أن نضع في الحسبان دومًا أسوة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان دائما يلقى الناس بوجه بشوش مبتسم.

كذلك يشكو بعض الناس بأنهم إذا أوصلوا قضيتهم إلى نظام الجماعة فلا يعرفون عنها لعدة شهور، في حين أنني ذكّرت المسئولين عدة مرات في السنة الماضية في بعض خطبي أن يسرعوا في تصفية القضايا وألا يؤخروها، ثم إذا كانت قضية من هذه القضايا تتأخر لأسباب خارجة عن الإرادة – إذ من الممكن جدًّا أن يكون هناك سبب وجيه لهذا التأخير، مثلا: لم يتم التحقيق اللازم في هذه القضية- فينبغي إخبار الجهة المعنية أو الذي رفع الشكوى أو الفريقين أن القضية تأخذ وقتًا للبت فيها، وفي كل الأحوال ينبغي الاستعجال في إرسال الإشعار إليهم بوصول رسالتهم. فإن تم إبلاغ أصحاب الشكوى ردًّا مطَمْئِنًا، ولاقاهم المسئولون ولاسيما الرؤساء والأمراء بوجوه بشوشة مبتسمة زالتْ نصف مشاكلهم تلقائيا وتلاشت نصف شكاواهم.

لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم أي أمر مهما كان صغيرًا إلا أفهَمَنا إياه وعلّمنا كيف ينبغي أن تكون أخلاقنا، ولو عمل بها الرؤساء والأمراء والمسئولون ما نشأتْ لدى الناس الشكاوى والقلاقل ضدهم. لقد نصحنا النبي صلى الله عليه وسلم بخصوص اللقاء مع الآخرين بوجه بشوش فقال: لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ. إن الله تعالى لا يترك عملا بدون جزاء، فإن لقاء أحدكم أخاه بوجه طلق أيضا يزيد من حسناته. فعلى الجميع أن يثقل كفة حسناته من كل الطرق.

يجب أن يتذكر المسئولون دومًا أن الخدمة في أي منصب من مناصب الجماعة ينبغي ألا تزيد صاحبها في الكبر بل في التواضع، لذلك ينبغي أن ينجزوا كل عمل ويبتوا في كل قضية ساعين تحقيق مقتضيات العدل بكل تواضع. لقد نصح النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب المناصب والحكام، وإنْ وضَعَ كل مسئول هذه النصائح نصب عينيه لازداد حقًّا أضعافًا في مستوى الأداء في عمله وفي تحقيق معايير العدل. لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة: مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إِلَّا حرم الله عليه الجنة. (الحديث: مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ الْجَنَّةَ. (صحيح مسلم, كتاب الإيمان)

لاحظوا! كم هو إنذار شديد يهزّ كيان الإنسان. إن كان كل مسئول يؤمن بالله وبالآخرة فلا بد أن ينجز كل أعماله خاشعًا لله تعالى. قال النبي صلى الله عليه وسلم مرةً: “إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِمَامٌ عَادِلٌ، وَأَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِمَامٌ جَائِرٌ”.

فعليكم السعي لأداء مسئولياتكم بكل دقة وبعد ذلك يمكن تحقيق مقتضيات العدل.

كذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: من يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة، أغلق الله أبواب السماء دُونَ حَاجَتِهِ. فمن واجب كل المسئولين بدءًا من الأمير إلى مسئول منطقة صغيرة أن يؤدوا واجباتهم في نظام الجماعة، هذا النظام الذي مركزه الخليفة الذي يعيَّن المسئولون ممثِلين عنه في كل مكان، سائلين فضل الله دائما. ومن واجب مسئولي التنظيمات الفرعية في الجماعة أيضا إدراك حجم مسئولياتهم. يجب أن تكون كل هذه التنظيمات، أعني مجلس أنصار الله، ومجلس خدام الأحمدية ولجنة إماء الله، نشيطةً وفعالة. لقد بين سيدنا المصلح الموعود t أن الهدف من تأسيس هذه التنظيمات هو تنشيط كل طبقة من طبقات الجماعة، والسعيُ لرقي الجماعة بشتى الطرق والوسائل، ومحاولةُ التواصل مع كل طبقة من طبقات الجماعة من نساء وأطفال وشباب وشيوخ، لكي تصل أخبار الجماعة على كل الصعد إلى الخليفة، فيظل مطلعا على وضعها.

فعلى كل واحد من المسئولين أن يقوم بكل خدمة دينية باعتبارها منة إلهية، ويجب أن يتعاونوا فيما بينهم. يجب أن يكون هناك التعاون بين الأمراء والرؤساء في نظام الجماعة وبين التنظيمات الفرعية. لو تعاون كل هؤلاء فيما بينهم، ولو كانت التنظيمات الفرعية ونظام الجماعة فعالة نشيطة ازدهرت الجماعة أضعافا مضاعفة. فيجب أن يوضع هذا الأمر في الحسبان دوما.

كما يجب أن يتذكر كل مسئول في نظام الجماعة أنه لو انتقده أحد أو بلغته من أحد الشكوى ضده، فيجب أن يكون عنده من رحابة الصدر ما يجعله يسمع هذه الشكوى أو الانتقاد. يجب أن يكون المسئولون أكثر الناس صبرا وأناة، ويسعوا بعد ذلك لإصلاح أنفسهم بدلاً من الانتقام. عليهم أن يفحصوا أنفسهم ويقولوا لعل الخطأ فيهم وربما يكون الطرف الآخر مصيبا في نقده أو شكواه. وهذا الأمر ضروري من أجل العدل والإنصاف أيضا.

أما أبناء الجماعة فأنصحهم برفع مستوى تقواهم، فهم أيضا مأمورون بالتعاون على البر والتقوى. لو كان مستوى تقوى وصلاح أفراد الجماعة عاليا، لتحلى المسئولون بالتقوى والصلاح تلقائيا. فهناك حاجة ماسة لأن يفحص كل فرد من الجماعة مستوى تقواه وصلاحه، ويرى إذا كان يبذل جهده لرفع مستوى صلاحه أم لا؟ من الواجب على كل فرد في الجماعة أن يؤدي واجبه فيما يتعلق بالطاعة. هذه فريضة كبيرة، أعني أنه مأمور بالطاعة. فنماذج طاعتكم تزيدكم تمسكًا بالجماعة، كما تساعد أجيالَكم على الاعتصام بها ورفع مستوى تقواهم وصلاحهم أيضا، وبالتالي يتيسر للجماعة باستمرار مسئولون متحلون بالتقوى والصلاح. فيجب أن ترسخوا في قلوبكم وقلوب أجيالكم وصية الرسول صلى الله عليه وسلم بأن عليكم أداء واجب الطاعة في العسر واليسر والمكره والمنشط وفي حالة هضم حقوقكم وإيثار غيركم عليكم. باختصار لا بد من طاعة الحاكم في كل حال. صحيح أنه ليس في جماعتنا أي حكام دنيويين، إلا أنه يجب طاعة نظام الجماعة بنفس هذه الروح، أعني عليكم أن تطيعوا مسئولي الجماعة طاعة كاملة سواء أكان القرار لصالحكم أم خلافكم، وتدعوا الله تعالى. وإذا رأيتم أنكم قد ظُلمتم فاسعوا لرفع الأمر إلى المسئول الأعلى أو إلى الخليفة، لكن لا تلجأوا إلى التمرد بأي طريقة. وادعوا الله تعالى دائما أن يهيئ لكم – كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم- مسئولين وحكاما في الدنيا والدين يحبونكم وتحبونهم ويدعون لكم وتدعون لهم. ولو فعلتم ذلك لتحققت فيكم بشرى النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى سيقول يوم القيامة أين المتحابون بجلالي وعظمتي، سأظلهم بظل رحمتي يوم لا ظل إلا ظلي. ومَن فاز بظل الله فقد فاز بنعم الدنيا والآخرة.

أسأل الله تعالى أن تكون جميع أعمالنا ابتغاء مرضاة الله، وأن نؤدي حق الانضمام إلى جماعة المبعوث الإلهي المحب الصادق للنبي صلى الله عليه وسلم، ونكون عند حسن ظن المسيح الموعود u بجماعته. لقد قال u لجماعته ذات مرة: يريد الله أن يجعلكم جماعة تكون مثالاً للعالم كله في الصلاح والتقوى. فتيقظوا وكونوا طيبي القلوب ومساكين الطباع وصالحين حقا، وارفعوا مستوى الصدق جدا. لا يكوننّ في مجالسكم شيء من السوء والاستهزاء والسخرية بالآخرين (أي لا يكون في مجالسكم ما فيه تحقير الآخرين) امشوا في الأرض صالحي القلوب طيبي الطباع وطاهري الأفكار. يجب أن تكونوا متواضعين جدا. أدعو الله تعالى أن نصلح حالتنا على هذا النحو فنكون من الذين يظلهم الله بظل رحمته، آمين.

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.