خطبة الجمعة التي ألقاها الخليفة الخامس للمسيح الموعود عليه السلام يوم 24/3/2017

آخر تحديث : الإثنين 3 أبريل 2017 - 2:33 مساءً
2017 04 03
2017 04 03
خطبة الجمعة التي ألقاها الخليفة الخامس للمسيح الموعود عليه السلام يوم 24/3/2017

خطبة الجمعة

التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز

الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام

يوم 24/3/2017م

في بيت الفتوح بلندن

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ]بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّينَ[. (آمين).

بالأمس كان يوم 23 مارس، وهو يوم هام جدًّا في تاريخ الجماعة الإسلامية الأحمدية، إذ أسس في مثل هذا اليوم حضرة مرزا غلام أحمد القادياني عليه السلام الجماعة الأحمدية من خلال أخذه البيعة الرسمية. لقد أعلن حضرته بأنه هو المسيح الموعود والمهدي المعهود الذي وعد بمجيئه على لسان النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عليه السلام: “بُعثتُ لأقيم التوحيد وأرسخ الحب الإلهي في القلوب.”

وقال عليه السلام: “إن الله تعالى يحب أن يجذب إلى التوحيد جميعَ الأرواح السعيدة القاطنة في مختلف بقاع الأرض؛ سواء في أوروبا أو في آسيا، ويجمعَ عباده على دين واحد، فهذه هي الغاية الإلهية التي بُعثت من أجل تحقيقها، فاسعوا جاهدين لتحقيق هذه الغاية المتوخاة برفق وبأخلاق نبيلة وبتركيز على الدعاء.”

ثم قال عليه السلام: “حظيت بهذه الدرجة والمكانة نتيجة اتباعي للنبي صلى الله عليه وسلم وحبّي الصادق له، وعليه فإنها رسالة موجهة إلى جميع الناس في العالم كله أن يحبّوا هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ويتبعوه، مما يوثق صلتهم بالله تعالى ويجعلهم الموحدين الحقيقيين.”

قال عليه السلام: “لا رسولَ ولا شفيعَ لبني آدم كلهم إلا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، فاسعوا جاهدين أن تحبّوا هذا النبيَّ ذا الجاه والجلال حبًّا صادقًا، ولا تُفضِّلوا عليه غيرَه بشكل من الأشكال، لكي تُكتَبوا في السماء من الناجين. واعلموا أنّ النجاة ليست بشيء يظهر بعد الموت، إنما النجاة الحقيقية هي تلك التي تُري لمعانها في هذه الحياة الدنيا. ألا من هو الناجي؟ هو ذاك الذي يوقن بأن الله حق، وأَن محمّدا المصطفى صلى الله عليه وسلم شفيعُ الخَلق كلهم عند الله، وأنْ لا مثيلَ له صلى الله عليه وسلم مِن رسول ولا مثيلَ للقرآن من كتاب تحت أديم السماءِ، وأن الله تعالى لم يشأ لأحد أن يحيا حياة الخلود، إلاّ أنّ هذا النبي المصطفى حيّ خالد إلى أبد الآبدين.” (سفينة نوح)

هذه هي مكانة النبي صلى الله عليه وسلم والحب العميق اللذان أظهرهما حضرته دومًا بكل قوة، ونصح أتباعه أن يراعوهما. والظالمون هم الذين يقولون بأن المسيح الموعود عليه السلام وأتباعه ينقصون مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عن مكانة المسيح الموعود عليه السلام والعياذ بالله. هذا ما يُتّهم بها الأحمديون في الجزائر اليوم أيضا ويزجّ بهم في السجون بهذه التهمة، وبلغ الأمر درجة أنهم بدأوا يبسطون أياديهم إلى النساء الأحمديات أيضا ويرفعون القضايا ضدهن أيضا. يضطرونهن للسفر إلى ساعات طويلة مع الأطفال الرضع ليصلن إلى مُدن بعيدة تقام فيها قضايا ضدهن ويتم حبسهن. ولكن النساء الأحمديات أيضا يرسلن إليّ الرسالة نفسها وهي أننا آمنا بالمسيح الموعود عليه السلام وبعد إيماننا به عرفنا التوحيد الحقيقي وأدركنا سمو مكانة النبي صلى الله عليه وسلم وحقيقةَ الحب الصادق تجاهه، فكيف يسعنا بعد كل هذا الرجوع عن إيماننا به عليه السلام.

وحيث أننا ندعو الله تعالى أن يسهل على الأحمديين في هذا البلد وييسر أمورهم كذلك ندعوه سبحانه وتعالى أن يوفق المسلمين للإيمان بهذا المحب الصادق للنبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء بحسب وعود الله تعالى لإقامة التوحيد وللنشأة الثانية للإسلام. إن حب حضرته لله تعالى ولوعته لإقامة التوحيد تترشح من كلماته التالية. يقول حضرته وهو يناجي ربّه:

“إن روحي تطير إليك بكامل التوكل كما يطير الطير إلى عشه. فأتمنى أن تُظهر آية قدرتك، لكن ليس لنفسي وعزتي وإنما ليعرفك الناس ويختاروا سبلك المقدسة، ولا يبتعدوا عن الهداية بسبب تكذيبهم مَن أرسلته. أشهَد أنك أرسلتَني، وقد أظهرت لتأييدي آيات قاهرة حتى أمرتَ الشمس والقمر أن ينخسفا في رمضان في الأيام المحددة في النبوءة… اللهم إني أعرفك حقا أنك أنت إلهي، لذا فإن روحي تتوثب إليك بسماع اسمك كما يتوثب الرضيع لرؤية أمه، ولكن أكثر الناس لم يعرفوني ولم يقبلوني”. (ترياق القلوب)

يظهر من قوله هذا حبّه العميق لله تعالى ولوعته لإقامة عظمة الله تعالى من ناحية، ومن ناحية أخرى يظهر قلقه الشديد تجاه إنقاذ البشرية. وكيف لا يكون الأمر هكذا؟ إذ هو الذي قد أنيطت به مهمة ترسيخ حب الله تعالى في القلوب بصفته خادمًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وإلى جانب ذلك كان عليه السلام نفسه غارقًا في حب الله تعالى. كم كان عليه السلام يتوق إلى أن تتوقد شعلة محبة الله تعالى وعشقه في قلوب الآخرين أيضا؟ يقول عليه السلام في ذلك:

“شقيٌّ مَن لا يعلم بعدُ أن له إلهًا واحدًا قادرًا على كل شيء! إنّ فردوسنا إلهنا، وإنّ أعظمَ ملذّاتِنا في ربّنا، لأننا رأيناه ووجَدْنا فيه الحسنَ كله. هذا الكنز لجديرٌ بالاقتناء ولو افتدى الإنسانُ به حياتَه، وهذه الجوهرة لحَرِيّةٌ بالشراء ولو ضحّى الإنسان في طلبها كلَّ وجوده. أيها المحرومون، هلُمّوا سِراعًا إلى هذا الينبوع ليروي عطشكم. إنه ينبوع الحياة الذي ينقذكم. ماذا أفعل وكيف أُقِرُّ هذه البشارة في القلوب؟ وبأيّ دفٍّ أنادي في الأسواق بأنّ هذا هو إلهكم حتى يسمع الناس؟ وبأيّ دواء أعالج حتى تنفتح للسمع آذانُ الناس؟” (سفينة نوح)

فكم تحتوي هذه الكلمات على حرقة ولوعة، بل إن كلمة منها مليئة بصنوف اللوعة والحرقة، فكل كلمة منها ذات بطون وكل بطن منها مليء بالحرقة واللوعة، وكل إنسان يستطيع استيعابها بقدر فهمه وإدراكه، وكلما غاص في هذه اللوعة بما أوتي من إدراك ازداد روحانية غير عادية.

ثم قال عليه السلام وهو يحث على عبادة الله وحبه: إنْ كنتم لله فاعلموا يقينًا أن الله لكم. ستكونون نيامًا والله يسهر لكم، وستكونون غافلين عن العدو، ويكون الله له بالمرصاد، ويدمّر كيده تدميرًا. إنكم لا تعلمون حتى الآن ما يملكه إلهكم من قدراتٍ! إذ لو كنتم تعلمون ذلك لما طلع عليكم يوم تصابون فيه بقلق شديد من أجل دنياكم. هل يصرخ صاحب الكنز العظيم لضياع ملّيم واحد ويشارف على الموت؟ فلو كنتم مطّلعين على ذلك الكنز، أعني لو علمتم أن إلهكم سيغنيكم عند كل حاجة، لما أخذكم الهمّ الشديد من أجل دنياكم؟ إنّ الله لكنز عزيز فاقدروه، فإنه ناصرُكم عند كل خطوة، وبدونه لستم بشيء، لا أنتم ولا أسبابكم ولا مكايدكم. لا تقلّدوا الأمم الأخرى التي تهافتت على الأسباب كلّيّةً (أي ليس عندها إلا التكالب على متع الدنيا والانغماس في المادية) ولَحَسَتْ ثرى الأسباب السفلية كما تلحس الأفاعي الترابَ، وعضّت على الجيفة بنواجذها كما تنهش الحِدْآنُ والكلابُ الجيفةَ… إني لا أمنعُكم من اتخاذ الأسباب إلى حد الاعتدال (أي لا أنهاكم عن الانتفاع بمتع الدنيا إلى حد معتدل) إنّما أمنعكم من أن تكونوا عَبَدةً للأسباب مثل الأقوام الأخرى، فَتَنْسَوْا ذلك الإله الذي هو مسبب الأسباب أيضًا (أي أن الله نفسه هيأ لكم هذه الأسباب والمنافع المادية، فلا تتكالبوا عليها بل انظروا إلى الله الذي خلقها لكم). لو كانت عندكم عينٌ لرأيتم أن الله هو كل شيء، وأن ما سواه باطل كله.

فهذا هو المستوى من قرب الله تعالى الذي يريد المسيح الموعود عليه السلام أن يبلغه أتباعه.

وكما قلت فإن مهمة إرساء التوحيد وإحياء الإسلام من جديد قد عهدها الله إلى المسيح الموعود عليه السلام ببركة اتباعه وحبه وعشقه للنبي صلى الله عليه وسلم. ونجد في حياته عليه السلام واقعات كثيرة دالة على حبه وعشقه للنبي صلى الله عليه وسلم. يقول راوٍ: رأيت المسيح الموعود عليه السلام ذات مرة يتمشى وحده على سقف المسجد المبارك وهو يتغنى بصوت منخفض بعض الأبيات، وعيناه تذرفان بالدموع. فسألته: ما الذي أصابك يا سيدي؟ قال كنت أردد هذين البيتين من شعر الصحابي حسان بن ثابت رضي الله عنه الذي قال عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم:

كنتَ السوادَ لناظري فعَمِي عليك الناظرُ

مَن شاء بعدك فَلْيَمُتْ فعليكَ كنتُ أُحاذِرُ

أي يا رسول الله الحبيب، كنت حدقة عيني التي قد عميت اليوم بوفاتك، ولا أبالي الآن من يموت بعدك إذ كنت أخاف عليك أنت الموت الذي قد وقع اليوم.

ثم قال المسيح الموعود عليه السلام للراوي: فتمينت لو كنت أنا قائل هذا الشعر.

فسيلان الدموع بغزارة من عيون المسيح الموعود عليه السلام عند ترديد هذا البيت لدليل بين على ما كان يختلج في قلبه من عواطف ومشاعر. فأنى لهؤلاء القوم الذين يتهمونه عليه السلام ظلمًا بتفضيل نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم أن يبلغوا شأو هذا الحب والعشق للنبي صلى الله عليه وسلم.

لقد رسم مرزا بشير أحمد رضي الله عنه هذه المشاعر الجياشة في قلب المسيح الموعود عليه السلام رسما مثيرا وقال: لقد واجه هذا الإنسان أنواع الشدة والقسوة، وهبت عليه عواصف المعارضة بكثرة، وتعرض لصنوف الأذى والضرر، ورُفعت ضده القضايا بتهمة القتل، ورأى مشاهد موت أعزته وأقاربه وأحبابه بل أولاده، ومع ذلك لم يرَ الذين عاشوا قريبا منه في وجهه وعينه أية آثار تنمّ عما يختلج في قلبه من عواطف ومشاعر، أما في موقف التعبير عن حبه وعشقه للنبي صلى الله عليه وسلم فقد سالت عيونه بالدموع كالفيضان الجارف.

نجد في كتب المسيح الموعود عليه السلام وملفوظاته مشاهد عديدة لحبه وعشقه للنبي صلى الله عليه وسلم. فكتب ذات مرة لدى سماعه استهزاء أعداء الإسلام وسخريتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم معبرا عن حالة قلبه وقال: “ما آذى قلبي شيء كاستهزائهم في شأن المصطفى، وجَرْحِهم في عِرض خير الورى. وواللهِ، لو قُتلتْ جميعُ صبياني وأولادي وأحفادي بأعيني، وقُطّعتْ أيديَّ وأرجلي، وأُخرجت الحدقةُ من عيني، وأُبعدتُ من كلّ مرادي وأَوْني وأَرَني.. ما كان عليّ أشقَّ من ذلك. ربِّ انظُرْ إلينا وإلى ما ابتُلينا ونجنا منه.

فهل من أحد يكنّ مثل هذه المشاعر الجياشة في حبه صلى الله عليه وسلم؟ ما أكثرَ الذين يدّعون حب النبي صلى الله عليه وسلم، وما أكثرَ الذين يثيرون الفتن ويعيثون الفساد ويسفكون الدماء باسم الذود عن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وختم نبوته. ولكن ما هي الجهود التي بذلوها لجعل الناس يُقرون بمقام النبي صلى الله عليه وسلم ونشْر الإسلام والقرآن في العالم؟ أما كلمات حضرته عليه السلام فليست مجرد ادعاء باللسان بل قد شهد الأحمديون وغيرهم أيضا أن إظهاره العشقَ والحب للنبي صلى الله عليه وسلم كان ثابتا من الصوت الصاعد من قلبه ومن كل عمل له. فقد كتبت بيانا لذلك جريدةُ وكيل الصادرة من أمرتسر وهي لغير الأحمديين عند وفاة حضرته عليه السلام:

“إن وفاة الميرزا المحترم جعلت المسلمين، نَعَمْ! المسلمين المثقفين المتنورين، يشعرون رغم وجود الخلافات الشديدة حول بعض معتقداته ودعاواه- أن رجلا كبيرا منهم قد فارقهم. وبفراقه قد انقطعت مهمة الدفاع العظيمة عن الإسلام التي كانت مرتبطة بشخصه هو. ثم يقول: لا بد لنا اليوم أن نقدِّر كتب الميرزا المحترم- بعد أن أنجز مهمته- ونعترف بعظمتها من صميم الفؤاد… ومهما توسع نطاق دفاعنا في المستقبل من المستحيل تجاهُل كتابات الميرزا”.( أي أن الدفاع عن الإسلام دون هذه الكتابات مستحيل).

فكل ما أنجزه حضرته فإنما ليُثبت أن الإسلام هو دين الله الأخير والكامل وحبا للنبي صلى الله عليه وسلم ولكي يجعل الناس يُقرون بعظمته صلى الله عليه وسلم. ولكي يخبر العالم أن مقامه صلى الله عليه وسلم هو المقام الأصلي. فقد وضَّح على جميع أديان العالم أنه لا دين كدين محمد صلى الله عليه وسلم. يجب أن يقرأ المعترضون إظهار حضرته لعشقه وحبه لنبي صلى الله عليه وسلم ويتدبروه، وإلا فمجرد الاعتراض علامة الجهل.

كان عليه السلام دوما يقول كتلميذ بارٍّ وخادم ممتنٍّ إنه قد نال كل ذلك ببركة سيده محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم وفضل اتباعه فقط، فقد قال في موضع: “إنني أقسم به عليه السلام أنه تعالى كما شرَّف بالمكالمة والمخاطبة إبراهيمَ وإسحاق وإسماعيل ويعقوب ويوسف وموسى والمسيح ابن مريم، ثم في الأخير كلَّم نبيَّنا صلى الله عليه وسلم بحيث كان الوحي النازل عليه أوضحَ وأطهرَ ما يكون- كذلك تمامًا شرَّفني أنا أيضًا بمكالمته ومخاطبته. ولكن ما أُعطيتُ هذا الشرف إلا بسبب اقتدائي الكامل بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. فلو لم أكن من أمته وما اقتديت به لما حظيتُ بشرف المكالمة والمخاطبة هذا أبدًا، حتى لو كانت أعمالي مثل جبال الدنيا كلها”.

فالذي يعترض على سيدنا المسيح الموعود عليه السلام حتى بعد الاطلاع على هذه الأمور هو ظالم وجاهل وفتّان، ولا نستطيع أن نقول غير ذلك. وأمْرهم إلى الله، أي هؤلاء الذين يدَّعون أنهم كبار العلماء. إذا كانت الغاية من بعثة المسيح الموعود عليه السلام إقامةَ التوحيد وتوضيح مقام النبي صلى الله عليه وسلم ومكانته العظيمة للعالم وجمْع العالم تحت لوائه صلى الله عليه وسلم من ناحية، فمن ناحية أخرى كان هدفه تمكينَ الناس من إدراك أهمية تأدية حقوق العباد والشفقة على خلق الله والعمل بها.

فقد ضمَّن شروط البيعة شرطا بل شرطين لهما علاقة مباشرة بهذا الموضوع. حيث قال في الشرط الرابع: على المبايع أن يتعهد “ألا يؤذيَ، بغير حق، أحدًا من خلق الله عمومًا والمسلمين خصوصًا من جراء ثوائر النَّفْس لا بيده ولا بلسانه ولا بأي طريق آخر”

وفي الشرط التاسع: “أن يظلّ مشغولا في مواساة خَلْق الله عامةً لوجه الله تعالى خالصةً، وأن ينفع أبناءَ جنسه قدر المستطاع بكلّ ما رزَقه الله من القوى والنعم.”

فبحسب ذلك يقول عليه السلام بيانا لتعليم الإسلام: إن للدين جزأين فقط، أحدهما حب الله والثاني حب بني البشر لدرجة يعدّ مصيبتهم مصيبته هو والدعاء لهم.

ثم يقول حضرته: “الدين والإسلام بحسب التعليم الإسلامي ينقسم إلى قسمين اثنين فقط، أو يمكن أن نقول بتعبير آخر إن لهذا التعليم هدفين عظيمين، الأول معرفة الله- حقَّ المعرفة- وحبُّه والتفاني في طاعته طاعةً صادقة كما هو مقتضى الطاعة والحب. والهدف الثاني هو بذل جميع القوى والقدرات والكفاءات والمواهب في خدمة عباده عليه السلام ومواساتهم، والشكر والإحسان إلى كل محسن بدءا من الملِك إلى أدنى إنسان”.

فهذا هو التعليم في معاملة المخلوق بعد حب الله سبحانه وتعالى، ويمكن أن نقول إن هذا التعليم يلفت انتباهنا إلى الاعتناء بخَلْق الله حبًّا لله سبحانه وتعالى. فما الذي كان العمل الشخصي لحضرته عليه السلام في هذا الخصوص وكيف كان يتصرف، فقد قال في موضع توضيحا لذلك:

إنني أؤكد لجميع المسلمين والمسيحيين والهندوس والآريا أني لا أناصب أحدا العداء في هذا العالم، (أي لا أعد أي معارض عدوا لي) إنني أحب بني البشر حبَّ الأم الرءوم أولادَها بل أكثر من ذلك. وإنما أعادي العقائد الباطلة التي تقتل الحق. إن مواساة البشر واجبي، كما أن من مبادئي النفور من الكذب والزور والشرك والظلم ومن كل عمل سيئ والجور وسوء الخلق.”

ثم يقول عليه السلام موضحا هذا الأمر أكثر في موضع آخر: “واضح أن كل كائن حي يحب بني نوعه- حتى النمل يحب النمل- إذا لم يكن هناك أي هدف شخصي، وما لم تحُل أية مصلحة شخصية دون هذا الحب. فمن واجب الداعي إلى الله أن يكون أكثر حبا من غيره، فها أنا أعلن أني أكثرُ الناس حبا لبني البشر غير أنني أعادي أعمالهم السيئة وكلَّ أنواع الظلم والفسق والتمرد، ولا أعادي أحدا عداوة شخصية. لذا فإن الكنـز الذي أوتيتُه وهو مفتاح جميع كنوز الجنة وآلائها، أعرضُه على بني البشر بحماس الحب. وإن التأكد بأن الكنـز الذي أوتيته هو في الحقيقة من قبيل الجواهر والفضة والذهب وليس متاعا زائفا، سهلٌ جدا. فمن المعلوم أن كل هذه الدراهم والدنانير والجواهر تحمل صورة سلطان كما على عُملة حكومية، أي إنني أملك تلك الشهادات السماوية التي لا يملكها غيري. (أي أن الله تعالى يؤيدني ويشهد لي) فقد أُخبرت أن الإسلام وحده هو دين الحق من بين الأديان كلها، وقد قيل لي إن الهداية القرآنية هي وحدها التي ترتقي إلى درجة الكمال في الصحة من بين الهدايات كلها، ونزيهة عن الشوائب البشرية. وقد فُهّمتُ أن الرسول الذي جاء بالتعليم الكامل الطاهر من الدرجة الأولى والفيّاض بالحكمة، وترك أسوة حسنة في حياته لجميع كمالات الإنسان هو سيدنا ومولانا محمد المصطفى عليه السلام وحده. وقد أُخبرتُ بالوحي الإلهي المقدس المطهّر أنني بُعثتُ منه مسيحا موعودا وإماما مهديا وحَكَما في الاختلافات الداخلية والخارجية كلها. وقد شرَّفني رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذين الاسمين كليهما سلفا ثم سمّاني اللهُ سبحانه وتعالى بهما في مكالمته المباشرة، ثم اقتضى الزمن بلسان حاله أن أُسمَّى بهذين الاسمين. (مجموعة الإعلانات، المجلد2)

لم يذكر المسيح الموعود عليه السلام هذه الأمور للكتابة فقط ولم يكتف بالادعاء فحسب أنه يحب بني البشر أكثر من غيره بل نرى مظاهر ذلك على صعيد الواقع في سوانح حياته. فقد ادّعى عليه السلام كونه المسيح الموعود وأظهر الله تعالى الآيات تصديقا لادعائه، وكان بعضها من قبيل الآفات بالنسبة إلى الناس فكان عليه السلام يضطرب بشدة عند حلولها بهم.

يروي المولوي عبد الكريم رضي الله عنه الذي كان يسكن في زاوية من بيت المسيح الموعود عليه السلام: حين تفشى الطاعون وظهر بأن عددا كبيرا من الناس كان يذهب ضحيته كل يوم، ففي تلك الأيام سمعتُ المسيح الموعود عليه السلام ذات يوم وهو يدعو وقد استغربت من دعائه بشدة. يقول الراوي بأنه كان في صوت المسيح الموعود عليه السلام أثناء الدعاء حرقة كبيرة وألما كبيرا لدرجة كان المستمعون يتأثرون بهما بشدة متناهية، وتستولي عليهم حالة يصعب وصفُها. فكان عليه السلام يتضرع في حضرة الله باكيا بكاء شديدا وكأن امرأة تعاني من آلام المخاض. عندما سمعتُ بإصغاء أكثر وجدته يدعو لنجاة خلق الله من عذاب الطاعون ويقول: يا إلهي، لو هلك هؤلاء الناس بعذاب الطاعون فمن يعبدك؟

لاحِظوا الآن أن العذاب نازل على المعارضين بحسب نبوءته، ولكنه عليه السلام يدعو لإزالته، بينما كان ممكنا أن يثير المعارضون ضجة نتيجة زوال العذاب ويقولوا بأن نبوءته بطلت وذهبت سدًى، ولكنه عليه السلام لم يبالِ بذلك بسبب مواساة بني البشر بل كان يدعو الله لينقذهم من العذاب ويرشدهم إلى طريق آخر لسلامة إيمانهم. إذًا، ليس بوسع معارضيه عليه السلام القول بأنه لم يقم بمواساة بني البشر عند الضرورة. بل هناك أحداث كثيرة في حياته عليه السلام تدل على مواساته للبشرية، وسأسرد لكم حادثا واحدا منها وهو التالي:

لما بدأت الإجراءات لبناء منارة المسيح في قاديان رفع الهندوس المجاورون شكواهم إلى المسئولين في الحكومة أنها ستؤدي إلى هتك سِتْرِهم في بيوتهم. فجاء نائب المفوض من قبل الحكومة للتحقيق في الأمر، (فشرح المسيح الموعود عليه السلام الموضوع بالتفصيل أن المنارة بمنـزلة آية وستتم إضاءتها وستستنير بسببها المنطقة المجاورة لها ولكن لن يُهتَك سِترهم في بيوتهم مطلقا، وإذا كان هناك هتك لسترهم في بيوتهم فإن بيوتنا أيضا مثلها في ذلك. إذًا إن القول بهتك الستر ليس صحيحا بل هو عذر واهٍ)

كان مع المندوب الحكومي شخص من الهندوس المحليين اسمه “لاله بُدَّها مَلْ”، فقال عليه السلام للمندوب الحكومي مشيرًا إلى ذلك الهندوسي: هو يسكن هنا فاسأله: هل حدث مرة أن قصرتُ في اغتنام أية فرصة أتيحت لي لإفادته ولم أُفده؟ ثم اسأله: هل حدث مرة أنه وجد فرصةً للإساءة إليّ والإضرار بي ثم فوَّت تلك الفرصة؟ لقد ألحق بي الضرر دائما أما أنا فأحسنتُ إليه دوما. كان “لاله بُدّها مَل” مع نائب المفوض ولم يستطع أن يرفض كلامه عليه السلام بل لم يكن له إلا أن يبدي الندم والخجل فقط.

هذا، وهناك حادث يتعلق بالمولوي محمد حسين البطالوي الذي عادى المسيح الموعود عليه السلام إلى أقصى الحدود واستصدر فتوى الكفر ضده وسماه دجالا وضالا- والعياذ بالله- وأوقد نار الكراهية والعداوة ضده عليه السلام في البلد كله ولكن حين أراد محاميه طرْح بعض الأسئلة في أثناء القضية عن نسب المولوي محمد حسين التي تؤدي إلى النيل من شخصه منعه عليه السلام بشدة. كان محاميه المولوي فضل الدين غير أحمدي وكان يقول: إن السيد مرزا إنسان عجيب، ويملك أخلاقا غريبة بحيث يهجم شخص على عرضه بل على حياته ومقابله إذا وُجّهت إلى ذلك الشخص بعض الأسئلة لاضعاف شهادته فيرفض عليه السلام ذلك على الفور قائلا لا أسمح بطرح مثل هذه الأسئلة.

قال المسيح الموعود عليه السلام عن المولوي محمد حسين نفسِه في بيت شعر عربي له:

قطعتَ ودادًا قد غرسناه في الصبا … وليس فؤادي في الوداد يقصِّر

باختصار، هذا أحد الأمثلة للجهود التي قام بها كثير من المشايخ المسلمين للقضاء على مهمة المسيح الموعود عليه السلام وعارضه كثير من العلماء المزعومين وأصدروا فتاوى التكفير ضده ولا يزالون يصدرونها، ونتيجة ذلك نواجه المعارضة في مختلف بلاد العالم ولا سيما بلاد المسلمين.

وهذا تأثير تعليم المسيح الموعود عليه السلام أننا اليوم أيضا لا نتخلى عن مكارم الأخلاق ردّا على هؤلاء المعارضين ولا نأخذ القانون بأيدينا، لَيْتَهم أدركوا أن الـحَكَم العدل والمسيحَ والمهدي هو مرزا غلام أحمد القادياني عليه السلام. وإن نشر الإسلام وإرساء التوحيد وإقامة حكومة الرسول صلى الله عليه وسلم الحقيقية التي تستولي على القلوب وليس على الأرض، إنما تكون بواسطة المسيح الموعود عليه السلام وجماعته وليس بالسيف ولا بالسلاح أو بالقوة أو بالإرهاب ولا بقتل الناس باسم الإسلام.

وما يحدث من أحداث إرهابية في أوروبا يقوم بها الأفراد أو التنظيمات باسم الإسلام، وقد قُتل الأبرياء ظلما هنا في لندن قبل يومين، إذ دُوْهِمَ المشاة بالسيارة وقُتِلَ شرطي، وسبب ذلك هو أن هؤلاء العلماء المزعومين أرشدوا الناس إلى الطريق الخاطئ وولّدوا فيهم أفكار الظلم والوحشية بدلا من أن يرسّخوا في قلوبهم تعليم الإسلام الجميل، وفي مثل هذه الحالة إنه من واجب الأحمديين –كما قلت سابقا وأكرره في كثير من الأحيان- أن يَعرضوا أمام العالم جمال الإسلام. وأما معارضة الجماعة فهي لا تستطيع أن تضر بالجماعة أبدا. إن الله تعالى قد أرسل المسيح الموعود عليه السلام ليغلب ولينشر الإسلام، فنحن الذين سينشرون الإسلام وعلينا أن نندّد بشدة بما يحدث من القتل والدمار واغتيال الأبرياء، ونرفعَ صوتنا ضده في كل مكان، ومن واجبنا أن نواسي المصابين.

يقول المسيح الموعود عليه السلام:

“اسمعوا جيدًا أيها الناس جميعًا! إنه لمما أنبأ به خالقُ السماوات والأرض أنه سوف ينشر جماعته هذه في البلاد كلها، ويجعلهم غالبين على الجميع بالحجة والبرهان. ولسوف تأتي أيام، وهي قريبة، تكون فيها هذه الجماعة هي الوحيدة التي تُذكَر في العالم بالعز والشرف. إن الله سوف يبارك في هذه الجماعة والدعوة بركاتٍ كبرى خارقة للعادة، ويخيِّب كلَّ من يفكر في القضاء عليها، وسوف تستمر هذه الغلبة حتى يوم القيامة. فإذا كانوا يستهزئون بي فلا ضرر من استهزائهم، لأنه ما من نبي إلا وقد استُهزئ به. فكان من المقدر أن يُستهزَأ بالمسيح الموعود أيضا، كما يقول الله تعالى: ]يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَّسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ[. فقد جعل الله تعالى علامة لكل نبي صادق أن يُستهزَأ به، ولكن مَن يستهزئ بالذي ينزل من السماء مع ملَكينِ أمام أعين الناس جميعا؟ فالعاقل يستطيع أن يفهم بهذا الدليل وحده أن فكرة نزول المسيح الموعود من السماء فكرةٌ باطلة تماما. اعلموا جيدًا أنه لن ينزل من السماء أحدٌ. إن جميع معارضينا الموجودين اليوم سوف يموتون، ولن يرى أحد منهم عيسى بن مريم نازلًا من السماء أبدًا، ثم يموت أولادهم الذين يخلفونهم ولكن لن يرى أحد منهم أيضًا عيسى بن مريم نازلًا من السماء، ثم يموت أولاد أولادهم، ولكنهم أيضًا لن يروا ابن مريم نازلًا من السماء. وعندئذ سوف يُلقي الله في قلوبهم قلقا أن أيام غلبة الصليب قد انقضت، وأن العالم قد تغيَّر تمامًا، ومع ذلك فإن عيسى بن مريم لم ينزل بعد؛ فحينئذ سينفر العقلاء من هذه العقيدة دفعةً واحدة، ولن ينتهي القرن الثالث من هذا اليوم إلا ويستولي اليأسُ والقنوط الشديدان على كل من ينتظر عيسى، سواء كان مسلمًا أو مسيحيًّا، فيرفضون هذه العقيدة الباطلة؛ وسيكون في العالم دين واحد وسيد واحد. إنني ما جئت إلا لأزرع بذرةً، فقد زُرعتْ هذه البذرة بيدي، والآن سوف تنمو وتزدهر، ولن يقدر على عرقلتها أحد. (تذكرة الشهادتين)

هذه البذرة التي بذرها المسيح الموعود عليه السلام تنمو وتثمر بفضل الله تعالى وإذا كنا نريد أن نصبح أغصانه الخضراء فعلينا –كما هو ثابت من كتابات المسيح الموعود عليه السلام وعمله- أن نجعل حبنا لله سبحانه وتعالى وحبنا للرسول صلى الله عليه وسلم ومواساتنا لخلق الله وحبنا لهم بحيث يشهد على ذلك كل عمل لنا. وفّقنا الله تعالى لذلك. (آمين)

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.