خطبة الجمعة بتاريخ 28/11/2014

آخر تحديث : الأحد 30 نوفمبر 2014 - 11:10 صباحًا
2014 11 30
2014 11 30
خطبة الجمعة بتاريخ 28/11/2014
خطبة صلاة الجمعة

خطبة الجمعة بتاريخ 28/11/2014 التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام يوم 28/11/2014 في مسجد بيت الفتوح بلندن

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. [بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّينَ]، آمين.

يقول سيدنا المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام : الجدير بالتذكر بخصوص الاستعانة أن الله ﷻ وحده جدير بأن يُستعان به، أي إذا كنتم بحاجة إلى أي نصر لتحقيق مهماتكم فالذات الإلهية وحدها تستطيع أن تنصركم نصرا حقيقيا، أي تقدر على نصركم، وتنصر فعلا.

وهذا الأمر مهم بمكان لدرجة يجب أن يضعه كل مؤمن حقيقي في الحسبان كل حين وآن، سواء كانت الاستعانة لسد احتياجاته الشخصية أو لقضاء حاجات الجماعة. لكننا نلاحظ على أرض الواقع أن الناس لا يهتمون بهذا عادة، أي لا يهتمون به اهتماما لائقا. يقول معظمنا في الظاهر إن الله بفضله قد سد حاجاتنا لكنهم إذا استعرضوا أحوال أنفسهم بتعمق فسيجدون أسبابًا كثيرة يرونها وسيلةً لقضاء حاجاتهم وتحقيق مآربهم.

لقد بيَّن سيدنا المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -بتقديم الأمثلة- الأوضاعَ والظروف التي يظن الإنسان فيها أن مختلف الناس ساعدوه وأعانوه، أو قد نال هدفه بقوة ساعده. فالإنسان يزعم عادة أنه هو من يسد كل حاجة له قبل كل شيء، ويتمكن فعلا من قضاء حاجته بقدرته وعلمه وعقله. ويزعم أنه بكفاءته وقوته وقدرته قد تمكن من حل مسائله، ويتبجح ويفتخر بأنه لا يستعين بأحد، أو لم يستعن بأحد. لكنه أحيانا تطرأ عليه حالات بحيث لا يستطيع سد حاجاته شخصيا، ويحتاج إلى مساعدة خارجية، فيقع نظره على أقاربه وأعزته، فيستعين بهم، وهم يساعدونه فعلا. عندها يخطر بباله أن وجود الأقارب أيضا جيد. فلو لم يكن لديه هؤلاء الأقارب لما سُدتْ حاجته، لكنه أحيانا يواجه الأوضاع التي لا يستطيع فيها أقاربه وأفراد الأسرة أن يساعدوه، أو هم لا يساعدونه، فيمد نظره ويقع على أصدقائه ومعارفه، ويظن أنهم يقدرون على مساعدته، فيستنصرهم فيقدمون له يد العون فعلا، فيعتقد أن الأصدقاء والمعارف أيضا شيء جيد، إذ يفيدونه في الأوضاع الحرجة. ثم يأتي عليه زمن حين يتوجه إلى الأصدقاء فيذكرون له مشاكلهم ويعتذرون، سواء كانت مشاكل حقيقية أو كانوا ذكروها للتخلص منه فقط. على كل حال هم لا يفيدونه، وأحيانا لا يقدر الأصدقاء على أن يساعدوه إذ لا تكون المساعدة بوسعهم. ففي هذه الحالة يتوجه إلى بعض المؤسسات أو الجماعة التي ينتمي إليها، فبمساعدتها يتحقق هدفه، بل بعده أيضا تتحقق أهدافه بانتظام، فيعتقد أن الانضمام إلى نظام أو جماعة أمر جيد أيضا. وبذلك تتوطد علاقته وارتباطه بالجماعة، بل قد لاحظتُ أن البعض يتعثرون بهذا السبب أيضا، حيث يزعمون أنه في مناسبة كذا استعانوا بالجماعة وهي لم تقدم لهم يد العون.

باختصار، من الصحيح أن بعض الناس إذا تحققت أعمالهم بحسب رغبتهم أو إذا وجدوا المساعدة من الجماعة فهذه المساعدة تتسبب في تقوية علاقتهم بالجماعة. ثم يحدث في حياة أحدٍ ما أنْ لا يقدر أفراد أسرته وأقاربه وأصدقاؤه على مساعدته بل حتى النظام والجماعة التي ينتمي إليها لا تقدر على مساعدته بسبب بعض القيود أو الاضطرار، ولا تفيده شيئا، عندها يتوجه إلى الحكومة التي يعيش تحت ظلها فهي تساعده فيعدّها كلَّ شيء، ويكون لبقية الأشياء والعلاقات كلها وضع ثانوي، إلا أنه من الملاحظ أن الحكومة أيضا في بعض الأحيان لا تستطيع أن تساعده، ويظن أنه لا يجد حقوقه، ولا تنصفه الحكومة، فيطرق باب أناس يعملون لمواساة الإنسانية، فهم ينفعونه ويفيدونه، حيث تظهر موجة للمواساة الإنسانية، فتمتد إلى بلاد كثيرة بل إلى العالم كله، ونتيجة للمواساة الإنسانية ينجح ذلك الإنسان أو الفئة أو عدد من الناس، وينالون هدفهم. عندها يظنون، أو إذا كان إنسان واحد فيظن، أن العالم كله أو منظمات المواساة الإنسانية في العالم ساعدتْه ولم يقدر على مساعدته أحد غيرها، فلو لم تساعده لبقي محروما من الإنصاف والحقوق.

فيعدّ هذه العلاقة الدنيوية -التي نجحت في نيل حقوقه باسم المواساة الإنسانية- كلَّ شيء، وهذه المنظمات لحقوق الإنسان موجودة في العصر الراهن على صعيد وطني وعالمي أيضا، وتعمل لحقوق الإنسان، وهي تحارب الحكومات المادية قانونيا لنيل الحقوق، وتسعى لممارسة الضغط العالمي. فهي تحرز أحيانا إنجازات عظيمة حيث تساعد المتضررين والمتورطين في المشاكل، لكنه من الحق أيضا أنه يأتي زمان لا تفيد فيه الإنسانَ جهودُه وتدابيره الشخصية، ولا ينفعه الأقاربُ ولا الأصدقاء ولا الشعب ولا يشكِّل النظام والحكومة ومنظمات حقوق الإنسان أيضا وسيلةً لنجاحه، ولا يراها تُكسبه النجاح، ومع ذلك إذا تمكن الإنسان من نيل هدفه فيؤمن بأن نجاحه تَحقق بسبب نصر غيـبي، وقدر ما يؤمن أحد بتأييد غيـبي فإنه ينسب نجاحه إلى الله.

لقد ذكرتُ منظمات المواساة الإنسانية، فالأحمديون يدركون جيدا هذا الموضوع في هذه الأيام، فمختلف الأحمديين ينتظرون قبول طلبات اللجوء في شتى البلاد، فالمنظمات الكثيرة بل منظمة عالمية تتبع الأمم المتحدة هي أيضا تسعى للمساعدة، إلا أن بعض الحكومات لا تقبل رأيها أيضا. فهذا أيضا يحدث. على كل حال عندما تظهر هذه الأوضاع التي تبعث على اليأس في الظاهر، وتتحقق الغايات رغما عنها، فيعتقد الإنسان أن أحدا من الغيب ساعده، وإذا كان يؤمن بالله فيخطر بباله أن الله قد حقّق مرامه. فإذا كان الإنسان يوقن بالله يقينا تاما ويدرك أن الله I وحده جدير بأن يستعان به، وهو وحده قادر على النصر فينسب ذلك النجاح الذي أنجزه دون أي مساعدة خارجية إلى الله. ويدرك حقيقةَ أن المساعدة التي قدمها له أقاربُه وأصدقاؤه وجماعتُه والحكومة أو منظمات المواساة الإنسانية كانت من الله في الحقيقة، وكانت يد الله القوية وراء كل هذه المعونات الظاهرية. أما الذين ليست علاقتهم قوية بالله فيعدّون الوسائل المادية كلَّ شيء، ويركزون عليها ويهتمون بها، ولا ينتبهون إلى الله. لكن حين تفشل هذه الوسائل كلها يتذكرون الله، لأنه لا يبقى لهم مناص من ذكر الله، حيث كانوا قد استخدموا جميع الوسائل المادية، عندها يقولون: ربنا، لن يستقيم الأمر بدون نصرك، فأنت صاحب كل قدرة وقوة، وجميع المحامد تتحقق فيك. فهذا يدل على أنّ التدبير مهما كان عظيما ومحكما فهو محدود، وكذلك أي حكومة أو منظمة لا تملك إلا قوة محدودة، وأن كل هذه القوى المادية والتدابير المادية تصبح باطلة وعديمة الجدوى عند حد معين.

لقد قلت قبل قليل إن الذين علاقتهم بالله غير قوية فهم يعتمدون كثيرا على الأسباب المادية لكنها حين تفشل يلتفتون إلى الله، وهذا الأمر لا يقتصر على الذين علاقتهم بالله غير قوية فقط، بل يقول القرآن الكريم إن الملحدين والمشركين أيضا ينتبهون إلى الله تلقائيا في حالة اليأس. فيقول الله تعالى[وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا] (الإسراء: 69). فالله تعالى يخبرنا هنا أن هناك أناسا يدعونه وقت الطوفان والمصيبة، ثم ينسونه بعد النجاة. من فطرة البشر أنهم ينيبون إلى الله بمنتهى التواضع والتذلل وقت الشدة ناسين كل ما سواه من ولي ونصير، ويبتهلون أمام الله تعالى بأنه لو نجّاهم منها فلن يستعينوا بعدها بسواه، ولكن ما إن تنكشف عنهم الغمة حتى يعودوا إلى زهوهم وكبرهم وتفاخرهم. فالحق أن الإنسانَ كافرُ نعمةٍ وأنانيٌّ جدا، ومع ذلك انظروا إلى رحمة الله الواسعة، فإنه يعلم أنهم سيتمردون عليه ويعرضون عنه بعد وصولهم إلى البر، وليس تواضعهم وتذللهم ودعاؤهم وابتهالهم واضطرارهم إلا عابرا ومؤقتا، ومع ذلك يقبل دعاءهم وقت اضطرارهم، ورغم هذه الحقيقة يقول البعض إن الله ظالم- والعياذ بالله.

لقد ذكر سيدنا المصلح الموعود رضي الله عنه واقعة عن قوم لا يؤمنون بالله، وإذا حلّت بهم مصيبة فلا ينادون إلا الله، وهي أن المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام لما تنبأ عن وقوع زلزال وقع زلزال عنيف، وكان في كلية الطب بلاهور طالب هندوسي ملحد يجادل زملاءه عن وجود البارئ دوما، بل كان يبلغ في نقاشه حد الاستهزاء بالله تعالى، وعندما وقع الزلزال كان هذا داخل غرفته، فلما أحسّ بأن السقف موشك على السقوط وأيقن أنه ليست هناك قوة تمنعه من السقوط بدأ يقول بصورة عفوية: “رام رام”. فقال له زملاؤه في اليوم التالي: ماذا حدث بك وقت الزلزال، فإنك تنكر الله، ولكنك كنت تصرخ: رام رام- علما أن “رام” هو اسم الله تعالى عند الهندوس- فقال: لا أدري ماذا حدث بي عندها، يبدو أنني كنت فقدت الصواب عندئذ. والحق أنه عاد إلى صوابه في تلك اللحظة فقط، إذ لما اختفى عنه كل سند مادي، تراءى له سند الله وحده الذي هو صاحب القوة كلها، ولم ير عندها أي نصير ولا معين سوى الله تعالى.

فالإنسان يظل ينظر إلى الأسباب المادية ما دامت ميسرة له وما دامت تغنيه، أي أن الإنسان ما دام مفتقرا إلى اليقين الكامل بالله تعالى، أو ما دامت الأسباب الأخرى متوفرة لديه، فإنه يشيد بها بل يتملق للذين يملكون تلك الأسباب مبالغًا في طعن الآخرين، ولكن حين لا يجد أية أسباب فإنه يدعو الله تعالى، أي أنه حين ييأس من الجميع ولا يجد حيلة ولا سبيلا فعندها يتوجه إلى الله، ويدعوه ويثني عليه ويتضرع له في اضطرار.

وهناك قصة أخرى من الحرب العالمية الأولى وكان سيدنا المصلح الموعود رضي الله عنه يحكيها، بل لقد ذكرتها أنا أيضا مرارا، وهي تبين كيف أن الملحدين يؤمنون بالله في مواقف عصيبة. والقصة تقول: في الحرب العالمية الأولى وفي عام 1918 قام الألمان بتجميع قواتهم كلها وهاجموا قوات الحلفاء، حتى بدا أن لا مناص الآن للإنجليز أو قوات الحلفاء من الدمار، ذلك أن القوات الألمانية قامت بشق خط دفاع قوات الحلفاء الممتد إلى سبعة أميال وجعلته نصفين؛ نصف في جانب ونصف في آخر، وكان الشق واسعا بحيث كانت القوات الألمانية قادرة على أن تمر من بين قوات الحلفاء بسهولة وتحاصرها وتهاجمها من خلفها وتدمرها تدميرا. فأبلغَ قائدُ قوات الحلفاء القائد الأعلى بالموقف قائلا: ليس عندي قوات لسد هذه الفجوة وإعادة بناء الخط. لقد ظن الحلفاء أن قواتهم ستباد في ذلك اليوم، وأنه سيمحى أثر إنجلترا وفرنسا من الوجود. وصلت إلى القائد الأعلى برقية قائده القائلة بأن الموقف عصيب جدا وأن الدمار وشيك، وكان وقتها في جلسة مع رئيس الوزراء للاستشارة في أمر مهم، وما كان رئيس الوزراء قادرا على فعل شيء في ذلك الوضع الحرج جدا، إذ لم يكن عنده قوات إضافية، ولو كانت فما كان قادرا على إيصالها إلى مكان المعركة بسرعة. يقول سيدنا المصلح الموعود رضي الله عنه: لا شك أن الأوروبيين يؤمنون بالمسيحية، إلا أننا لو بحثنا في داخلهم لوجدنا أن إيمانهم فارغ، لأن أكثرهم ماديون وملحدون عمليا، (وأنا أقول: أما اليوم فثمانون بالمئة منهم يقولون على الملأ أنهم ملحدون) فمع أن أوروبا المحبة للمادية كانت لا ترفع بصرها إلى الله عمومًا مغرورة بما عندها من موارد وأموال، والحكام خاصة يكونون مغرورين بقوتهم وسلطتهم، وخالين من أي إيمان بالله تعالى، إلا أن ما حدث هو أن زعيمهم الذي كان سكرانا بنشوة قوته وسلطته وعظمته وموقنا بانتصاره كونه رئيس قوات الحلفاء، لما أدرك أنه ليس هناك سبيل لنجدة قواته بقوة مادية تنجيهم من المصيبة، نظر إلى زملائه وقال: هلمّ ندعُ الله تعالى بأن ينجدنا. فبدأوا جميعا الدعاء راكعين على ركبهم. ويقول المصلح الموعود رضي الله عنه: وليس بمستبعَد أنهم إنما نجوا من الهلاك في تلك المعركة نتيجة دعائهم هذا.

فكما يقول الله تعالى في هذه الآية التي قرأتها على مسامعكم الآن فإن الله وحده يكون مع العبد وينصره في ساعة العسرة التي يخذله فيها الجميع، بل يخبر الله تعالى أن دعاء الملحد أيضا مقبول إذا ما دعا باضطرار. ذلك أن الله تعالى يُري الملحدين في بعض الأحيان آيةً تدليلاً على وجوده تعالى، ولو كانوا ذوي حظ سعيد فإن تلك الآية تكفيهم لأن تجعل عاقبتهم محمودة، ومثل هذه الأحداث تقع اليوم أيضا حيث يوقن الملحدون بالله تعالى برؤية الآيات. اللهم إلا أن يبارز أحدهم نبيا أو جماعتَه، وعندها لن يقبل دعاؤه مهما دعا الله مضطراً، لأن دعاءه يكون خلافًا لقدر الله المبرم، لأن الله تعالى قد وعد أنبياءه بالغلبة. أما تلك الحرب الدائرة بين ألمانيا وإنجلترا فكان الخصمان فيها من نوع واحد، ولذلك استجاب الله دعاء أحد الفريقين حين دعا باضطرار، حيث هيأ أسبابًا حالت دون أن يفطن الألمان لحدوث ثغرة في خط العدو، فلم يقدروا على انتهاز هذه الفرصة السانحة، حيث تقول القصة أن الألمان لم يعرفوا أن خط العدو قد حدثت فيه ثغرة، فلم يقدروا على كسب المعركة، وليس هذا فحسب، بل إن القائد الأعلى في قوات الحلفاء دعا قائدا كان واثقا من كفاءته وقدرته على احتواء الموقف، فقال له: لا تسألني أي سؤال، إنما أخبرك بالوضع في ساحة القتال، فقد شق العدو خط دفاعنا، والطريق مفتوح أمامه للتقدم، وليس عندنا أية قوات إضافية لنجدة جيشنا، فاذهبْ إلى أرض المعركة ودبّرْ كيفما استطعت لسد هذه الثغرة مؤقتا. لم يوجه هذا القائد إلى القائد الأعلى أي سؤال، ولم يقل له كيف أقوم برأب هذه الثغرة الحاصلة في خط دفاعنا والذي صار به جيشنا منقسما نصفين وليس لدينا قوات إضافية، بل ركب سيارته وتوجّه إلى جنود من الجيش كانوا مأمورين على تقديم خدمات غير قتالية للمقاتلين من أكل وشرب وغيره، لقد وصل إلى هناك وجمعهم وقال لهم: كنتم تتُوقون إلى خدمة بلدكم، وكانت مشاعركم تشتعل شوقا للمشاركة في القتال لدى رؤيتكم الجيش المحارب، وتتولد في قلوبكم أمنية لخدمة البلد والأمة عند سنوح الفرصة، فتعالوا لأن الفرصة المطلوبة قد حانت اليوم فتقدّموا واصطفّوا. ففعلوا ذلك إلى أن مضى 24 ساعة وصل خلالها الجيش من أماكن مختلفة لتدارك الوضع.

فالقصد من هذا القول هو أن أهل الدنيا أيضا – مع اتخاذهم التدابير المتاحة لهم – يلجأون إلى الله عند فقْد كل سند لهم. فإذا كان أهل الدنيا يُرون مثل هذه المشاهد، فإلى أي مدى يحتاج مَن يدَّعون التطلع إلى الله في كل صغيرة وكبيرة إلى التركيز على هذا الأمر؟ ولتحقيق هذا الغرض علّمنا الله تعالى دعاءً وأمرنا بقراءته في كل ركعة من كل صلاة، وذلك لكي لا تنحرف نظرتنا عن الله تعالى أبدًا، ولئلا نتوجه إلى أي سند دنيوي، وألا يخطر ببالنا أولا التوجّه إلى السند الدنيوي ثم إلى الله. لا شك أن الله تعالى أمر باتخاذ التدابير الظاهرة وينبغي العمل بها ولكن ينبغي أن يكون التوكل على الله، وألا نبدأ بالدعاء إلى الله تعالى عندما يغشانا الموج في البحر، أو نتذكر الله بعد تشتت الصفوف وتكسرها، بل علّمنا الله تعالى هذا الدعاء وأكد على قراءته في كل ركعة من كل صلاة، وبذلك علّمنا أنه ينبغي أن ترتفع أنظارنا إليه دومًا، والدعاء المذكور هو: [إياك نعبد وإياك نستعين]. هناك حديث طويل قال فيه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إنه إذا قال العبد: [ إياك نعبد وإياك نستعين] قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. أفليس من حسن طالع المسلمين أن الله تعالى يعطيهم ضمانًا لاستجابة أدعيتهم؟ ولكنه لا يتحول إلى ضمان أبدي إلا إذا ظل العبد عاكفًا على عبادة الله ومنتبهًا إليها مخلصًا له على الدوام، ويجب ألا يركز على الدعاء عند تعرضه للمشكلة فحسب، لأن الملحد أيضا يقوم بذلك عند تعرضه لتلك الحالة. يجب ألا يكون دعاؤنا على هذا النحو، بل ينبغي أن نتذكر أننا أحمديون وعهِدنا على يد إمام الزمان أننا سنجعل كل قولنا وعملنا وفق رضى الله تعالى، وعهِدنا الاستمداد بالله والاستعانة به في العسر واليسر وفي الضيق والرخاء والبراءة عن كل ما سواه. فما أحوجنا إلى فهم مضمون “إياك نعبد وإياك نستعين” من أجل الوفاء بعهودنا! لن ندعو الله تعالى عند الغرق فقط على شاكلة الملحد، بل لا بد أن ندرك حقيقة عبادة الله والاستعانة به والعمل بها كالمؤمنين الذين يحققون المعارج الروحانية العليا ويدّعون أن قوتنا الكاملة وطاقتنا الكلية تكمن في خضوعنا أمام الله تعالى وهو سنَدنا الكامل. ينبغي أن نحاسب أنفسنا لنعرف ماذا نعمل حاليًا وماذا ينبغي علينا فعله؟ هل يصل مستوى عباداتنا ودعائنا لله تعالى إلى الدرجة المطلوبة المتوافقة مع ما حدّده الله تعالى، أو ينتهي عملنا بعد ترديد “إياك نعبد وإياك نستعين” كالببغاء 32 مرة في صلواتنا اليومية؟ ينبغي أن نتذكر أننا ضعفاء وعدوّنا قوي جدًّا، لا نملك لمواجهة العدو قوةً دنيوية ولا أسبابًا أو وسائل أخرى. فلا سبيل لنا في هذه الأوضاع سوى الخضوع أمام الله تعالى، فعلينا أن ندرك روح دعاء: “إياك نعبد وإياك نستعين” ولا نبرح عتبة الله تعالى. لقد بلغت الهجمة الشيطانية اليوم أوجها، وتوضع العراقيلُ في سبيلنا في كل مكان، يزداد المسلمون غير الأحمديين عدواةً لنا لإيماننا بإمام الزمان، ويزداد غير المسلمين أيضا لنا حسدًا لأن الجماعة تحقّق نجاحًا في استقطاب انتباه العالم، ورأينا صورةً خفيفة لهذا الحسد في شكل عداء للجماعة في وسائل الإعلام في ألمانيا في الفترة الأخيرة. إن هذا الحسد والمعارضة سوف تحترق بنيرانها الذاتية، بإذن الله. ولكن ينبغي ألا ننسى أداء واجباتنا، وألا نتغافل عن عبادة الله والاستعانة به لأننا لا نقوى بدون ذلك على مواجهة العدو. وعون الله وقوته عظيمة لدرجة لا توازيه أية قوة دنيوية. ينبغي التذكر دومًا أنه عندما يستعد الله تعالى لنصرة أحد فلا بد أن يلقى نجاحًا ولا يمكن لأية قوة دنيوية الحيلولة دون نجاحه، لأن نطاق عون الله ونصرته واسع جدّا ولا حدود لقواه، لا حدودَ لذات الله تعالى ولا لصفاته. فمن واجب كل أحمدي الخضوع أمامه عز وجل، والاستعانة به. إنه ليس بواجب الأحمديين في باكستان وحدهم لأنهم أكثرهم تعرضًا للمشاكل، ولا هو واجب الأحمديين في بعض البلاد الإسلامية بل هو واجب كل أحمدي من كل بلد وفي كل بقعة في العالم أن يخضع أمام الله تعالى بطاعة كاملة طالبًا عونه.

لا شك أن الجماعة ترتبط فيما بينها بأواصر متينة، وينبغي أن يكون الأمر كذلك، لأنها الميزة الأساسية للجماعة وبدونها لا تبقى الجماعة جماعةً. فهناك حاجة ماسة إلى أن يدعو الجميع لبعضهم بعضا لكي تُسعِف النصرة الإلهية كل أحمدي في كل حين وفي كل مكان. إذا بلغت حالتنا هذا المستوى فسنرى مشاهد مدهشة لعون الله ونصرته لنا.

يقول المسيح الموعود عليه السلام: تذكروا أن الله تعالى غني لا يبالي بأحد ما لم يكثر من الدعاء ويكرره. فإن سرّ نجاحنا يكمن في الإكثار من الدعاء وتكراره، وهو ما نحتاج إلى التركيز عليه. ينبغي أن ندعو الله تعالى أن ينصرنا على المشاكل التي تعترض سبيلنا سواء أثيرت من قبل حزب أو من قبل حكومات أو من الحاسدين الذين أثاروها لعيث الفساد في المجتمع، وسواء استخدموا الإعلام أو أية طريقة أخرى مطيةً لتحقيق أهدافهم، وندعو الله تعالى أن ينصرنا على هؤلاء الذين ينشغلون في إلحاق العار بعِرض الجماعة وشرفها. لا نتوقع أي عون من أحد سواه عز وجل ولا يمكن لنا ذلك. ينبغي أن ندعو الله تعالى أنه إذا كانت تقصيراتنا قد أخّرت هذه النصرة الإلهية فارحمنا واعف عنا ونجّنا من سخطك وأدخلنا في الذين يَنْعَمون بأمطار أفضالك وإنعاماتك والذين قد بلغوا الفهم والإدراك الكامل لدعاء: إياك نعبد وإياك نستعين.

يقول المسيح الموعود عليه السلام: “لقد علّم الله تعالى: “إياك نعبد”. وكان من الممكن لو علَّمها وحدها أن يعتمد الإنسان على قوته ويبتعد عن الله، لذلك علّم الله تعالى إلى جانب ذلك: “إياك نستعين”، أي لا تظننَّ أن العبادة التي أقوم بها إنما أقوم بها بقوتي وقدرتي الشخصية، بل الحق أنه لا يمكن أن يتم شيء ما لم يحالف الإنسانَ عونُ الله، وما لم يوفّقهُ الله تعالى أو لم يعطِه القوة من عنده.”

فينبغي أن نجعل هذه الحقيقة أيضا نصْب أعيننا دومًا، وفَّقنا الله تعالى لفهْم هذا الموضوع الهامّ ووضْعِه نصب أعيننا دائمًا والعمل به. آمين.

أذكّركم مرة أخرى بالدعاء، إن أوضاع العالم تتغير بسرعة فائقة فادعوا الله تعالى أن يجعلها ذريعةً لرقي الجماعة، وألا تحول دون ازدهارها، وادعوا الله تعالى أن نكون عابدين لله ومستفيضين دومًا بعونه ونصرته. آمين.

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.