خطبة الجمعة بتاريخ 2/1/2015

آخر تحديث : الخميس 8 سبتمبر 2016 - 6:36 مساءً
2015 01 04
2016 09 08
خطبة الجمعة بتاريخ 2/1/2015
46-wi-ahmadiyya-holiness-2014.jpg-pwrt2

خطبة الجمعة بتاريخ 2/1/2015 التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام يوم 2/1/2015 في مسجد بيت الفتوح بلندن

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. [بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّينَ]، آمين.

جمعة اليوم هي الجمعة الأولى في عام 2015م، وبهذه المناسبة لا زلتُ أتلقى رسائل التهنئة من مختلف الناس، منها ما يأتي عبر الفاكس، كما يقدّم الإخوة تهانيهم شفهيا أيضا. أدعو الله تعالى أن يكون هذا العام مباركا لكم جميعا من كل الجوانب والنواحي. ولكن إلى جانب ذلك أريد القول أيضا بأن تبادُل التهاني فيما بيننا لا ينفع إلا إذا فحصنا أنفسنا جيدا إلى أيّ مدى أدّينا في العام المنصرم حق كوننا أحمديين، وإلى أيّ مدى نعزم على السعي لأداء هذا الحق في العام القادم. فعلينا أن نعقد العزم من هذه الجمعة على النشاط والسعي لأداء هذا الحق في العام الحالي.

مما لا شك فيه أن المهمة التي كلِّفنا بها نحن الأحمديين لا يمكن أداء حقها إلا بكسب الحسنات فقط، ولكن السؤال هو: ماذا يجب أن يكون مستوى تلك الحسنات؟ فليكن واضحا أن المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام بنفسه قد وضّح هذا المستوى لكل من ينضم إلى الأحمدية ويدّعي كونه أحمديا. كل واحد من الأحمديين يتعهد على يد خليفةِ الوقت مرة واحدة في العام على الأقل مستخدمًا الوسائل والتكنولوجيا الحديثة أن يسعى جاهدا للوصول إلى المستوى الذي بيّنه المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام. وقد وضّح المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام لنا الأحمديين هذه المعايير في شروط البيعة. إنها عشرة شروط في الظاهر ولكنها في الحقيقة تتضمن أكثر من ثلاثين مسئولية تقع علينا كأحمديين، إن أحصيناها بنظرة عابرة.

فإذا كنا نريد أن نفرح بالسنوات الجديدة بصورة حقيقية فيجب علينا أن نجعل تلك المسئوليات نصب أعيننا دائما، وإلا فالذي يَعُدّ نفسه أحمديا وتقتصر فرحته على أنه يعتقد بوفاة المسيح الناصري عَلَيهِ السَلام ويؤمن بالمسيح المقبل الذي أُنبئ عنه، فهذا لا يكفي. لا شك أن الاعتقاد هو خطوة أولى ولكن المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام يتوقع منا أن نفهم الحسنات بعمق ونعمل بها ونُنقذ أنفسنا من السيئات كما ينقذ المرء نفسه من الوحش الضاري. وإذا فعلنا ذلك فلن ننجح في إحداث الانقلاب في نفوسنا فقط بل سنكون وسيلة لتغيير العالم وتقريبهم إلى الله تعالى أيضا.

على أية حال، سأذكر اليوم هذه الأمور بشيء من التفصيل بُغية التذكير، لأن التذكير بها ضروري جدا ليبقى الهدف من بيعتنا أمام أعيننا دائما.

فأوّل ما قاله المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام هو العهد باجتناب الشرك. المؤمن الذي يؤمن بالله تعالى، وبسبب إيمانه بالله تعالى يبايع إمام الزمان عملا بأمر الله تعالى، لا يمكن أن تكون لمثل هذا الشخص أدنى علاقة بالشرك، إذ لا يمكن لمشرك أن ينصاع لأمر الله. أما الشرك الذي يوجّه إليه المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام أنظارنا فليس شركا ظاهريا بل هو خفيّ جدا يُضعف إيمان المؤمن. يقول المسيح الموعود في شرح هذا الموضوع:

“التوحيد ليس مجرّد أن تقول “لا إله إلاّ الله” بلسانك وتُخفي آلاف الأوثان في قلبك. بل كلّ من يعظّم عملَه أو مكرَه أو خدعته أو خططه بالقدر الذي يعظّم به الله تعالى؛ أو يعتمد على شخص آخر بالقدر الذي كان ينبغي فيه التوكل على الله وحده؛ أو أنه يعظم نفسه بالقدر الذي يجب أن يعظم به الله وحده، فهو في جميع هذه الحالات عابدا للأوثان عند الله تعالى، لأن الأوثان ليست فقط تلك التي تُصنع من ذهبٍ أو فضة أو نحاس أو حجارة وتُعبد بصورة ظاهرية، بل إنّ كلّ شيء، وكلّ قول، وكلّ عمل يُعطَى أهميةً لا تليق إلاّ بالله ﷻ وحده، لهو وثن عند الله تعالى”.

فنحن بحاجة اليوم إلى أن نفحص أنفسنا لنرى هل اعتمدنا في العام الماضي على مساعينا وجهودنا واعتبرناها كل شيء أو استخدمناها كوسيلة فقط وخضعنا أمام الله تعالى وطلبنا منه ﷻ أن يبارك لنا في جهودنا ومساعينا. إنّ فحْصَنا أنفسَنا بالعدل سوف يكشف علينا حقيقةَ العهد الذي قطعناه.

لقد أخذ المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام منا عهدا بعدم قول الزور. مَن مِن العقلاء يمكن أن يستحسن الزور أو يقول بأنه يرغب في قول الزور؟ يقول المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام بأن الإنسان لا يلجأ للكذب ما لم تكن هناك غاية تدفعه للكذب. إذًا، إذا كانت هناك حاجة نفسية كامنة وراء الكذب عندها فقط يميل المرء إليه. ولكن من مقتضى الأخلاق الفاضلة ألا يكذب الإنسان ولا يترك أهداب الصدق وإن كان ذلك يشكّل خطرا على حياته أو ماله أو عِرضه. الحق أنه لا يتميز الصادق من الكاذب إلا عندما يواجههما ابتلاء أو كانت مصلحتهما الشخصية مهددة بالخطر. فإذا خرج المرء من هذا النوع من الابتلاء رافع الرأس مضحيا بمصلحته فهو صادق. يأتي الناس إلى البلاد الأوروبية طالبين اللجوء ولكن بعضهم يكذبون بترغيب من المحامين على الرغم من نصحي لهم مرارا ألا يفعلوا ذلك، ويُدلون بإفادات كاذبة. وبالنتيجة تُرفض قضايا الكثيرين منهم. توجد لجنة المحامين المركزية هنا وفي بلاد أخرى أيضا تساعد الذين يطلبون اللجوء وترشدهم إلى أمور مهمة تكون ضرورية لنجاح قضيتهم. وقد حدث مرارا أن رئيس تلك اللجنة أخبرني أن قضية فلان رُفضت لأنه كذب كثيرا في إفادته. فيستند بعض الناس إلى الكذب من أجل مصلحة دنيوية ولا يفكرون أن الله تعالى قد جمع بين الشرك وقول الزور في سياق واحد.

كذلك هناك أناس يكذبون لأخذ المعونة من الحكومة. يقول المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام إن الكذب أيضا وثن، والذي يعتمد عليه لا يتوكل على الله. إذًا، هناك ضرورة لنفحص أنفسنا بدقة متناهية من هذا المنطلق أيضا.

ثم قال المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام: عليكم أن تتعهدوا باجتناب الزنا. فقال: لا تقربوا الزنا. أي ابتعدوا عن مناسبات يمكن أن تخطر بسببها هذه الفكرة ببالكم. ولا تسلكوا مسلكا يخشى بسببه الوقوع في الذنوب.

أقول: في هذه الأيام تُبثّ أفلام خلاعية على قنوات تلفزيونية وعلى الانترنيت ومنها ما يبدأ فوْر فتحه، وهي تمثّل زنا العينين وزنا الأفكار، ثم تصبح وسيلة للدفع إلى المعاصي وتخرّب البيوت. هناك سيدات كثيرات يكتبن عن أزواجهن أنهم يشاهدون على الانترنيت أفلاما خلاعية طول النهار. كذلك يكتب بعض الرجال عن زوجاتهم، ثم يصل الأمر إلى الطلاق والخلع، أو يصبح المرء أسوأ من الحيوانات بسبب هذه الأفلام. المجتمع الأحمدي مبرَّأ عن هذه الأشياء بوجه عام ولا تحدث مثل هذه الحوادث إلا ما شذ وندر. ولكن إن لم تسعوا جاهدين لإنقاذ أنفسكم وأنتم في هذا المجتمع فلا ضمان أن يبقى المرء طاهرا ونزيها. إذًا، هناك حاجة لنفحص أنفسنا بدقة وتركيز شديد.

ثم أخد المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام منا عهدا باجتناب سوء النظر، ولهذا الغرض أمر الله تعالى بغضّ البصر حتى لا يكون هناك مجال لسوء النظر أصلا. لقد ورد في الحديث: “حرِّمت النار على عين غضَّت عن محارم الله”. يقول المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام: “لقد أوصِينا ألا ننظر إلى المحارم وإلى أماكن زينتهنّ أبدا… لأنّه لا بدّ أن نتعرّض يوما للعثار بسبب هذه النّظرات الطليقة. فبما أنّ الله سبحانه وتعالى يريد أن تبقى أبصارنا وقلوبنا وخواطرنا جميعها مصونةً، لذلك فقد أرشدنا لهذه المبادئ السّامية”.

كذلك قال المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام أن الإسلام فرض الالتزام بهذه الشروط على الرجال والنساء على السواء. فكما أمر النساء بالالتزام بالحجاب كذلك وصّى الرجال بغضّ البصر. ولكن علينا أن نحاسب أنفسنا إلى أيّ مدى نعمل بذلك.

ثم أخذ المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام منا عهدا أن نجتنب كل نوع من الفسق والفجور. الخروج من دائرة أوامر الله هو الفسق. وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ذات مرة أن السباب أيضا فسق. ويقول المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام أنه ثابت من القرآن الكريم أنه يجب أن يعاقَب الفاسق قبل الكافر. وقال أيضا: “عندما تجاوز المسلمون الحدود في الفسق والفجور وبدأوا يهتكون أوامر الله وينْفِرون من شعائره ﷻ وضلّوا في ملذات الدنيا وزينتها أهلكهم الله كذلك على يد هولاكو وجنغيز خانْ”.

وهذا هو حال المسلمين اليوم أيضا.

ثم أخذ المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام من المبايعين عهدا أنهم لن يظلموا أحدا. الظلم ذنب كبير دون شك. وغصبُ حقِّ أحد بغير حقٍ ظلمٌ عظيم. عندما سئل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أيّ ظلم أكبر؟ قال ما مفاده: أكبر ظلم أن يغصب المرء من حق أخيه أرضا ولو بقدر ذراع. وإذا أخذ حصاة من تلك الأرض ظلما سوف تُجعل الأرض من تحتها بجميع طبقاتها طوقا له يوم القيامة.

أي مهما كانت الأرض عميقة تحت تلك الحصاة، والله أعلم بعمقها وغورها، سوف تُجعل طوقا في عنقه يوم القيامة. إنه لموقف خطير للغاية، ويجب أن يفكر به مَن يغصبون حقوق الآخرين في القضايا بناء على أنانيتهم أو لمصالحهم الشخصية.

ثم أُخذ منا عهدٌ ألا نرتكب الخيانة. وقد وضع النبي ﷺ معيار اجتناب الخيانة قائلا: “لا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ”. فهذه هي المعايير التي يجب أن نصل إليها. لا يمكن لأحد أن يقدم عذرا لخيانته فيقول بأني خُنتُ في أمانة هذا الشخص أو غصبتُ حقه لأنه خانني في وقت كذا وكذا. بل يجب أن تراجعوا دار القضاء للحصول على حقوقكم أو اذهبوا إلى المحاكم إذا كان الفريق الثاني غير أحمدي. أو إذا سمح لكم نظام الجماعة للرجوع إلى المحكمة فراجعوها ولكن مجرد تصور الخيانة يهز أساس إيمان المؤمن.

ثم تعهدنا أننا سنجتنب كل نوع من الفساد. لا ينشأ سؤال الفساد والخصام بين الأحمدين والأقارب على أية حال، بل يجب أن نرى ما هو التعليم الذي أعطانا المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام في المعاملة مع الأغيار الذين يؤذوننا؟ يقول عَلَيهِ السَلام: الذين يهجرونكم وينفصلون عنكم لسبب وحيد أنكم انضممتم إلى جماعة أقامها الله تعالى فلا تخاصموهم بل ادعوا لهم بالغيب.

ثم قال: إنني مأمور بأن أنصحكم مرة بعد أخرى أن تجتنبوا مواطن الفساد والخصام دائما. اسمعوا الشتائم واصبروا. عليكم أن تردّوا السيئة بالحسنة وإذا كان أحد مستعدا للفساد فالأفضل أن تنسحبوا. عندما أسمع أن أحدا خاصم غيره مع كونه من هذه الجماعة فلا أحب ذلك أبدا. كذلك لا يريد الله أن تسلك جماعة ستكون أسوة للعالم كله سبيلا غير سبيل التقوى”.

فيجب ألا نسيء معاملة الأحمديين ولا غيرهم. فإذا وضع الأحمديون نصائح المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام فيما يتعلق بمعاملتهم مع زوجاتهم أو إخوتهم أو الذين حولهم نصب أعينهم فستـزول تلقائيا الشكاوى التي تظهر للعيان وإن كانت بعدد قليل، أو سوف يقلّ عددها على الأقل إلى حدّ كبير.

ومن العهود التي أخذها منا أننا سوف نتنكب طرق البغي والتمرد، سواء كان تصرُّف البغي ضد أدنى عامل في نظام الجماعة أو الحكومة المعاصرة. فقد نصحَنا سيدنا المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام باجتناب التصرفات التي تنبعث منها رائحةُ التمرد. إن إظهار التصرف الباغي ضد أوامر الحكومة -ما عدا التدخل في أمور الدين- الذي يجعل الإنسان مخالفا للقوانين أو يمكن أن يثير الآخرين ضد القانون ليس منهجا إسلاميا.

ثم قال حضرته: تعهَّدوا أنكم لن تَدَعوا الثوائرَ النفسانية تغلبكم. في العصر الراهن -كما قلت سابقا أيضا- فُرص كثيرة متوفرة لجعْل الناس مغلوبي الثوائر النفسانية بواسطة التلفاز والانترنت. ويحدث الشجار والنـزاع والفساد أيضا لأن الثوائرَ النفسانية تغلب الإنسان. فمن واجب الأحمدي المسلم أن لا يدخر جهدا لاجتناب أبسط أمر قد يؤدي إلى إثارة الثوائر النفسانية بأي شكل كان.

ثم قال عَلَيهِ السَلام إنه بعد الانضمام إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية يجب عليكم أن تستجيبوا لأمر الله بأداء الصلوات الخمس بشروطها. فعاهدوا على ذلك أيضا، فالصلاة واجبة على الطفل البالغ من العمر عشر سنوات. فعلى الوالدين أن يهتموا بذلك، ولن يتمكنوا من أداء حق الاعتناء ما لم يكن الوالدان مثالا في إقامة الصلاة. تصلني الشكاوى الكثيرة حيث يقول بعض الأطفال إن والِدَينا لا يصلُّون، أو تقول الزوجات إن أزواجهن لا يصلُّون. فأي نموذج يقدِّمه هؤلاء للأولاد؟! فالمراد من أداء الصلاة خمس مرات بشروطها –بحق الرجال- أن يصلوها جماعةً في المسجد، إلا في المرض أو بسبب عذر جائز معين. فإذا بدأ العمل بهذا عمرت مساجدنا بالمصلين. فحتى لو عمل بهذا المسئولون فقط لتغيَّر الوضع لحد كبير، وفي هذا الخصوص أظل أتحدث بين حين وآخر، لكن ما زال هناك نقص كبير. والحاجة ماسة لبذل الجهود. فيجب على نظام الجماعة والمنظمات الفرعية للجماعة، أن تعير هذا الأمر اهتماما كبيرا.

يقول سيدنا المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام إن الذي يريد أن يتخلى عن الصلاة فماذا أنجز أكثر من الحيوانات؟ فليس بينه وبين الحيوانات أي فرق. إذن كل أحمدي بحاجة ماسة إلى بذل الجهود الكثيرة في هذا المجال.

ثم من العهود التي أخذها منا أننا سنلتزم بصلاة التهجد. يقول المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام: “عليكم أن تلتزموا بالتهجد لأنها سنة السلف الصالح، وهي وسيلة لنيل القرب الإلهي. هذه العادة تنهى عن الذنوب، وتقضي على السيئات، وتحمي من الأمراض المادية.” فمن الجدير بالانتباه أن صلاة التهجد ليست علاجا روحانيا فحسب بل هي علاج مادي أيضا. لقد قال المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام: “على أفراد جماعتنا أن يلتزموا بإقامة صلاة التهجد. وعلى من لا يقدر على فِعل المزيد أن يؤدّي ركعتين كحدٍّ أدنى، لأنه سيحصل على فرصةٍ يدعو فيها بعض الأدعية. إن الدعوات التي تُرفع في مثل هذا الوقت تتحلى بتأثير عجيب.” نحن بحاجة ماسة إلى هذا الأمر أيضا.

ثم قد أخذ منا عهدا بأننا سنصلي على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. فقد قال النبي ﷺ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا. (صحيح مسلم)

فللصلاة على النبي أهمية قصوى، وهي مهمة جدا لإجابة الدعاء أيضا. فعَن عُمَرَ بن الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: إنَّ الدُّعاءَ مَوقُوفٌ بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّي عَلَى نَبِيِّكَ ﷺ (الترمذي)

ثم من العهود التي نقطعها في البيعة أننا سنداوم على الاستغفار، فقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ. (أبو داود)

يقول سيدنا المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام: بعض الناس يطلعون على الذنوب، ويكونون على علم بالذنوب، وبعضهم لا يطلعون على الذنوب، ولذا أمر الله بالالتزام بالاستغفار، حتى يظل الإنسان يستغفر من كل ذنب سواء ما ظهر أو بطن وسواء كان على علم به أو لا. فيجب أن نضع هذه الأهمية أيضا في الحسبان دوما.

ثم أخذ حضرته عَلَيهِ السَلام منا عهدا بأننا سنذكر منن الله. وأعظم منن الله علينا أنه وفَّقنا للإيمان بإمام الزمان، فلو تذكرنا منة الله هذه لبذلنا الجهود لإنشاء العلاقة الخاصة بالمسيح الموعود عَلَيهِ السَلام أيضا كل حين وآن. ويحصل لنا الالتفات للعمل بما أمرَنا به.

ثم من العهود أني سأداوم على حمد الله. فقد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ أَقْطَعُ. ثم قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ مَنْ لَمْ يَشْكُرْ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرْ الْكَثِيرَ وَمَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُر اللَّهَ. (مسند أحمد)

فاحمدوا الله تعالى ممتـنِّين لخلقه أيضا.

ثم من العهود التي قطعناها أنَّا لن نؤذيَ، بغير حق، أحدًا من خلق الله عمومًا والمسلمين خصوصًا من جراء ثوائر النَّفْس. فعلينا أن نعفو قدر المستطاع. لكن إذا اضطررتم لمعاقبة أحد على تصرفه المؤذي جدا بدافع الإصلاح لا بدافع العناد الشخصي والغضب فلا تأخذوا القضية بأيديكم، بل يجب أن ترفعوا الأمر إلى الحكام. فالإصلاح الضروري سيقوم به أولو الأمر، وليس لكل فلان وعلان أن يتولى مهمة الإصلاح. فلا تنتقموا من أحد شخصيا، ويجب أن تتخذوا التواضع والانكسار شعارا لكم.

ثم من العهود أنّا سنكون أوفياء لله تعالى وراضين بقضائه في حالةِ التَرَح والفَرَح وجميع الأحوال. فقد ورد في حديث قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ. وذلك لأنه ينال الثواب على الصبر. فالجدير بالمؤمن أن يفرّ إلى الله في كل حال. وعندما يتحقق ذلك فسنكون منجزين العهد بأننا مستعدون لتحمُّل كل ذلة وحزن في سبيل الله، وأننا لن نتولى عنه عند حلول أي مصيبة. يقول سيدنا المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام إن الذين هم لي لا يمكن أن ينفصلوا عني في المصيبة، ولا عند تعرضهم لسباب الناس وشتائمهم، ولا في الابتلاء السماوي والمحن. فعلينا أن نبقى أوفياء للمسيح الموعود عَلَيهِ السَلام ابتغاء مرضاة الله، ونبذل الجهود في سبيل ذلك، إن شاء الله. وحتى لو أوذينا أو أسيء إلينا فلن نبالي بذلك، فهذا عهْدنا.

ثم من العهود التي قطعناها مع المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام أنا لن نتّبع التقاليد الفارغة. فقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ. (البخاري) فيجب أن نكون حذرين جدا في هذا المجال كل حين وآن. في العصر الراهن قد ظهرت عادات وتقاليد باطلة في احتفالات العرس والزيجات، فعلى الأحمديين أن يجتنبوها. يجب أن لا يتورطوا فيها متأثرين بالمجتمع والجيران، فقد تكلمت عن ذلك بالتفصيل في إحدى الخطب السابقة. فعلى سكرتيرات التربية ولجنة إماء الله أن تلفت أنظار أفراد الجماعة بين حين وآخر إلى هذه الأمور لكي يجتنبوا الأعمال غير المقبولة.

ثم من العهود أننا سنكفُّ عن الأهواء النفسانية والأماني الكاذبة. يقول المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام إن الذي يخاف المثول أمام ربه وينهى النفس عن الأهواء النفسانية فله الجنة. فإنما المراد من نهْي النفس عن الأهواء التفاني في الله، وبذلك يمكن أن يعيش الإنسان في الجنة في هذه الحياة الدنيا أيضا باكتسابه رضوان الله. فالفوز بالجنة في هذا العالم أيضا ممكن.

ثم من العهود التي قطعناها أننا سنخضع لسلطة القرآن المجيد نفوسنا بكل معنى الكلمة. يقول سيدنا المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام: “فكونوا حذرين ولا تخْطُوا خطوةً واحدة خلاف تعليم الله وهدْي القرآن. أقول والحق أقول لكم إن الذي يُعرض عن أصغر حكم من أحكام القرآن السبعمئة فإنه بيده يسدّ على نفسه باب النجاة”.

ثم من العهود أننا سنتخذ قولَ الله وقولَ الرسول دستورًا لعمَلنا في جميع مناهج حياتنا، يقول سيدنا المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام: “لنا رسول وحيد ونزل عليه كتاب وحيد فقط هو القرآن الكريم والذي باتباعه يمكن أن نصل إلى الله.” فيجب أن نبذل الجهود لنيل ذلك.

ثم من العهود أننا سنُطلّق الكبرَ والزهو طلاقًا باتًّا. يقول سيدنا المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام “الحقّ أقول لكم: ليس ثمة يوم القيامة بعد الشرك شرّ مثل الكِبر. إنه الشرّ الذي يُهين الإنسان في كلا العالمين”. (مرآة كمالات الإسلام)، فالموقف خطير. ثم قال: “إني أنصح جماعتي أن تتجنبوا الكبر لأن الكبر جِدُّ مكروهٍ في أعين ربنا ذي الجلال” (نزول المسيح)

ثم من العهود أننا سنقضي أيامَ الحياة بالتواضع والانكسار. قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ دَرَجَةً رَفَعَهُ اللَّهُ دَرَجَةً حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي عِلِّيِّينَ. (مسند أحمد) أي إذا استمر في التواضع فسوف يحرز أسمى درجات في الجنة.

ثم من العهود أننا سنتحلى دومًا بدَماثة الأخلاق. يجب أن يضع كل واحد منا هذا أيضا في الحسبان. ثم من العهود أننا سنعيش بالحلم والرِّفق. يقول سيدنا المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام: إذا أردتم البحث عن الله فابتغوه عند قلوب المساكين.

ثم أخذ العهد من المبايع “أن يكونَ الدِّينُ وعزُّه ومواساةُ الإسلام أعزَّ عنده من نفسه وماله وأولاده ومن كل ما هو عزيز لديه.” ثم أخذ عهدا أنه سيظلّ مشغولاً في مواساة خَلْق الله عامةً، خالصةً لوجه الله تعالى. يقول سيدنا المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام: فيا أيها الذين تنتمون إليّ يجب أن تواسوا كل إنسان مهما كان دينه دون أي تمييز وتحسنوا إليه. فهذا هو تعليم القرآن الكريم حصرا.

ثم أخذ العهد أن المبايع سينفع أبناءَ جنسه قدر المستطاع بكلّ ما رزَقه الله من قوًى ونِعَم. يقول سيدنا المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام: إن جميع حاجات الخلق وحيثما جعل القسَّام الأزلي ﷻ بعضهم محتاجا إلى بعض من شتى الطرق والأوجُه، يجب على المبايع أن ينفعهم في كل هذه الأمور ابتغاء مرضاة الله فقط بمواساته الحقة الخالية من المصالح الشخصية التي يمكن أن تصدر من الإنسان، وأن يساعد بكفاءاته الموهوبة من الله كل ذي حاجة إلى المساعدة، ويبذل الجهود لإصلاح دنياه وعقباه.

فالسعي لتقدُّم أهل الدنيا الروحاني يندرج في نفع بني البشر، فمن واجبنا أن ننفع الخلق ماديا وروحانيا، فحين نواسيهم ونساعدهم ونخدمهم ماديا فمن واجب كل أحمدي أن ينفعهم بتبليغهم دعوة الإسلام أيضا.

ثم أخذ عليه السلام منا عهدًا على أن ننشئ معه علاقة متينة من الطاعة لا يوجد لها مثيل في طاعة قريب لقريبه أو خادم لسيده، وأننا سنطيعه في كل ما يأمرنا به من أجل تربيتنا الدينية والعلمية والروحانية، وفي كل ما يأتينا من قِبل نظام الخلافة من أجل إقامة الشرع من تعليمات وهي بلا شك تتفق مع القرآن الكريم وأقوالِ النبي صلى الله عليه وسلم وأسوتِه الحسنة، والتي يستحيل بدونها أن نتقدم أو نظل متحدين.

فهناك حاجة لمحاسبة أنفسنا لنرى مدى وفائنا بعهدنا هذا، وما إذا كنا مقصرين في ذلك فكيف نتلافى هذا التقصير.

لقد قال المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام: لن يدخل في جماعتنا إلا الذي يجعل تعاليمنا دستورًا للعمل، ويسعى للعمل بها بكل ما أوتي من قوة.

ندعو الله تعالى أن يصفح عنا ويغفر لنا تقصيراتنا في السنة الماضية، ويوفقنا في هذه السنة الجديدة لبذل كل ما في وسعنا لنصوغ حياتنا بحسب ما تمناه لنا المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام.

بعد الصلاة سوف أصلي صلاة الغائب على اثنين. أحدهما هو أخونا الشهيد لقمان شهزاد ابن السيد الله دِتَّهْ المحترم من قرية “بهري شاه رحمان” بمحافظة غوجرانواله، حيث استُشهد بعد أن أطلق عليه بعض معارضي الجماعة النار بعد صلاة الفجر يوم 27/12/2014. إنا لله وإنا إليه راجعون. كان الشهيد لقمان شهزاد هو الوحيد في أسرته الذي تشرف بالانضمام إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية حيث بايع في 27/11/2007. كان الشهيد قبل بيعته كثير الجلوس والاختلاط بالمسلمين الأحمديين في قريته، حيث توطدت علاقته مع السيد سلطان أحمد، رئيس جماعتنا هناك بعد أن حضر مناظراته مع المعارضين واستمع للأدلة الأحمدية ورأى ازدهار جماعتنا. ثم بدأ يشاهد برامج قناتنا ايم تي اي، وكان يستمع لخطبي للجمعة بوجه خاص، وهذا ما حداه إلى قبول الأحمدية. بعد انضمامه إلى جماعتنا واجه معارضة شديدة، وحاول المعارضون بكل ما في وسعهم أن يردّوه عن الأحمدية، فاضطهدوه وهددوه وذهبوا به إلى المشايخ، ولكن لم يقدر أي منهم على الصمود أمامه. أخذه عمه عنوةً إلى مسجد في قريته ذات مرة، حيث كان المشايخ مجتمعين، فألحّوا عليه أن يتبرأ من الأحمدية، فقال لهم: إذا أثبتم لي بالأدلة والبراهين بطلان الجماعة الإسلامية الأحمدية فسوف أتركها. فقالوا له: انتهى وقت الجدال وتقديم الدلائل، وليس أمامك الآن إلا إنكار الأحمدية. فرفض الشهيد عرضهم، فأوسعَه عمُّه وكلُّ من كان هنالك من مشايخ وغيرهم ضربًا بالعصي وما إلى ذلك، فأصيب في فقرات ظهره إضافة إلى جراح بالغة أخرى، ثم ألقوه على عربة وأخذوه إلى مزرعة عم له آخر وسجنوه هنالك مع المواشي. فلما علمتْ والدتُه غيرُ الأحمدية بالخبر، وصلت هناك وطالبت عمَّه بإعادته لها، فرفض وصفع وجهها، فلم تبرح تلحّ على تسليمه لها فسلّمه لها قائلاً: من الآن فصاعدا لا علاقة لنا بك.

بعد بيعة الشهيد بسنة أكرهَه أهله على الذهاب إلى السعودية عند والده محاولةً منهم لقسْره على ترك الأحمدية، فتعرض هنالك لمعاملة سيئة جدا إذ أخبر أهله والدَه بانضمامه إلى الأحمدية قبل أن يصل إلى السعودية. ومع ذلك ظل الشهيد يحاول الاتصال بالأحمديين المقيمين في السعودية، وبعد محاولة شهور عديدة تمكن من الاتصال بهم بواسطة أحد الأحمديين الهنود، فسر الشهيد بذلك سرورا كبيرا. ووفقه الله تعالى للحج. عاد الشهيد بعد ثلاثة أعوام من السعودية إلى الوطن وبدأ العمل في مزرعته.

عقد معارضو الأحمدية في قرية الشهيد “بهري شاه رحمان” مؤتمرا بعنوان “ختم النبوة” في 26/11/2014 وقد حضره المشايخ المعارضون من باكستان كلها، فأفتوا فيه بوجوب قتل الأحمديين وألّبوا القوم على الشهيد لقمان شهزاد بوجه خاص. وبعد انتهاء المؤتمر ظل الشهيد يتلقى تهديدات مستمرة من قبل المعارضين، وفي الأخير تعقبوه يوم 27/12/2014 وهو ذاهب إلى مزرعته بعد أداء صلاة الفجر وأطلقوا على رأسه الرصاص من ورائه وأصابوه بجرح بالغ، وفاضت روحه إلى بارئها وهو في طريقه إلى المستشفى. إنا لله وإنا إليه راجعون.

وُلد الشهيد في 5/4/1989. كان أمينًا، صالحا، طيب القلب، شريف النفس، خلوقا، ومخلصا وفدائيا جدا. كان يخدم الجماعة المحلية بمنصب سكرتير المال وقت الشهادة. بعد البيعة ظلّ يطالع كتب المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام بشغف كبير. كان شديد الولع بالدعوة والتبليغ. كان يقول للإخوان الأحمديين: إنما صديقي من يطالع كتب المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام. كان يقول: لن أطمئن إلا بعد أن أدخل أهلي جميعا في الأحمدية.

قالت إحدى السيدات غير الأحمديات من الجيران بعد وفاة الشهيد: لقد رأيت في هذا الفتى ثورة عظيمة بعد انضمامه إلى الأحمدية، فمنذ أن صار أحمديا بدأ يصلي صلاة التهجد، إذ كانت غرفته تضيء في الساعة الثالثة تماما كل ليلة. كانت والدته تستاء مني عندما كنت ألومه على انضمامه إلى الأحمدية ، فكان يقول لوالدته: يا أماه، لا بد لنا الآن من سماع هذه الأقوال، وقد قبلتُ الأحمدية.

لقد سمعنا آنفًا قولاً لسيدنا المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام حيث أوصانا بالصبر على سباب المعارضين، وهذا ما قاله الشهيد لأمه بأنه لا بد لك الآن من سماع مثل هذه الأقوال بسببي.

رفع الله درجات الشهيد وأسكنه أرفع مكان في جنة الفردوس، ووفق أهله للاقتباس من نور الأحمدية.

وكتب السيد رفيع بت: قبْل استشهاده بأسبوع زارني الشهيد في ربوة، وظل يتحدث كل الوقت عما كتب الله لجماعتنا من رخاء وازدهار. كان مجنونا في الدعوة إلى الله تعالى. ذهبتُ به إلى أحد الإخوة في حي “باب الأبواب” في ربوة، فرأى عنده نسخًا لمراجع هامة للدعوة، فلم يملك نفسه من فرط السرور، وظلّ يصورها بهاتفه النقال، وقال سأعود عاجلا للانتفاع ثانية من هذا الكنز الذي في حوزة أخينا هذا.كان من مزاياه البارزة مطالعة كتب المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام يوميا، مما زاد في روحانيته جدا، وكل مَن جلس في مجلسه خرج من عنده مفعمًا بحماس متزايد.

وكتب السيد ألماس محمود ناصر المحترم وهو أحدُ دعاتنا: كان الشهيد لقمان من قرية أُرسلتُ إليها كداعية بعد تخرجي من الجامعة الإسلامية الأحمدية فورا. كان الشهيد يجالسني طويلا مع أنه لم يكن قد بايع بعد. كان قريبا جدا من الأحمدية بسبب اطلاعه على شتى المسائل عن الجماعة حتى كان يعتبر نفسه أحمديا، وإذا جرى الحديث عن الفرق بين الأحمدي وغيره فكان يقول إني أحمدي. كان هذا الفتى عالي الهمة رغم بيعته في سن مبكر جدا- لقد سمعتم آنفًا أنه تعرض للضرب والضغوط- فعندما تعرّضَ في مسجد للضرب بالعصي وبحوامل القرآن التي يوضع عليها المصحف عند التلاوة، واختُطف إلى مزرعة عمه تحت تهديد السلاح، وجاءت أمه لإنقاذه، لم يحضر أي طبيب لإسعافه، وإنما أسعفه سرًا طبيب غير أحمدي كان صديقا له.

ويتابع الداعية ويقول: لقد أحسستُ بشدة أن عزيمة الشهيد لقمان أحمد كانت كرواسي الجبال. لم يتزعزع ولم يصبه أدنى خوف على كل ما واجهه من ظلم واضطهاد ووحشية، بل قدّم نموذجًا كنموذج الصحابة الكرام بعزيمة نادرة وصبر خارق.

وكتب السيد رانا عبد الرؤوف المحترم من السعودية: ظل على صلة مع الجماعة بدون انقطاع، ولكنه عانى بسبب كفيله في السعودية دوما. لقد حاول أقاربه والعمال تهييج كفيله ضده قائلين: إنه كافر، فرد عليهم يوما: لقد رأيت هذا الشاب يقرأ القرآن ويصلي في أوقات الفراغ دوما، أما أنتم فلا تقرأون القرآن ولا تصلون، فكيف يكون هو الكافر؟ ومع ذلك ظل أقاربه يعرقلون طريقه في بحثه عن العمل لكونه أحمديا.

حكى السيد امتياز، وهو أحد الأحمديين من قرية الشهيد والمقيمين في السعودية حاليا، واقعة، فقال: توفي قريب من أقارب الشهيد من طرف أمه بعد بيعته بأيام قليلة، فجمع أخوالُه بعض المشايخ بهذه المناسبة وأخذوا الشهيد إليهم للنقاش، وكان الشهيد يحمل في جيبه دوما الكتاب الأحمدي الجيبي الذي فيه الردود على مطاعن المعارضين، فظل المشايخ يناقشون الشهيد ويوجهون إليه شتى الأسئلة، فلم يزل يرد عليها بقوة، وفي الأخير بدأ المشايخ يثيرون الصخب والضجة، فقال لهم شخص كبير من أقارب الشهيد: لقد أغلق هذا الطفل أفواهكم جميعا، وظل يرد على مطاعنكم بأدلة دامغة وبمنتهى الاحترام، فلا تثيروا الضجة الآن، بل ليرُدّ عليه كل واحد منكم بنوبته. وأنى لهم أن يردّوا إذ ليس بيدهم دليل؟

ولما اشترك في الجلسة السنوية في السعودية أخبر أنه كان قد رأى مشهد تلك الجلسة في المنام سلفا.

والجنازة الأخرى هي للسيدة شهزادي ستانوس، وهي مقدونية، حيث توفيت إلى رحمة الله في 19/11/2014 عن عمر يناهز 49 عاما، إنا لله وإنا إليه راجعون. بايع زوجها في عام 1996، فوفقها الله للبيعة بعده ببضعة أشهر.

وكان السيد شريف دروسكي والسيد شاهد أحمد قد ذهبا من ألمانيا إلى مدنية بيروفو في مقدونية في جولة تبليغية في شهري آذار/ مارس ونيسان/ أبريل عام 1995، فبلّغ السيد شريف دروسكي الدعوة الأحمدية لأحد أقاربه السيد جعفر ولزوج المرحومة، فقبلا الدعوة.

وقد أخبر زوجُ المرحومة وقال: لم نرزق بأولاد رغم مضي حوالي 12 عاما على زواجنا، فكتب السيد شاهد رسالة إلى حضرة الخليفة الرابع رحمه الله تعالى طالبًا الدعاء له، فرزقه الله ابنًا بعد ذلك بفترة قصيرة.

لقد واجه المسلمون الأحمديون هناك أنواع المعارضة والصعوبات في بداية الأمر، ولكنها ظلت صابرة ومتمسكة بالإيمان بقوة. قبْل انضمامها إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية لم تكن تعرف الصلاة، فتعلّمتْها. خدمت الجماعة كعضوة نشيطة في “لجنة إماء الله”. كانت سيدة مخلصة جدا، ومواظبة على حضور المكان المخصص للصلاة جماعة. كانت تشارك في فعاليات الجماعة بحماس وشوق، وتستضيف الدعاة في بيتها، وتطالع كل كتاب وكتيب ينشر إلى لغة بلادها.

ليس للجماعة مركز في مقدونية، ولذلك أخذ أهلها جثمانها إلى مسجد غير أحمدي للغسل، فاستولى غير الأحمديين على جثتها وصلّوا عليها بأنفسهم، ورفضوا أن يردوها لأهلها وأرادوا حربهم، فلزم زوجها الصبر ولم يُرِدْ محاربتهم تفاديًا لأي فتنة وفساد، وقام الإخوة الأحمديون بأداء الصلاة عليها غيابيًا. رفع الله درجات المرحومة، وتغمدها بمغفرته، وزاد ابنها وزوجها إخلاصا ووفاء للجماعة.آمين

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.