خطبة الجمعة 16/01/2015

آخر تحديث : الخميس 8 سبتمبر 2016 - 6:36 مساءً
2015 01 21
2016 09 08
خطبة الجمعة 16/01/2015
Microsoft Word - PR - Calgary Friday Sermon

خطبة الجمعة 16/01/2015 التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام يوم 16/01/2015 في مسجد بيت الفتوح بلندن

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿ بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضالِّينَ ﴾، آمين.

﴿ إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ (الأحزاب: 57)

هذه الآية توضِّح أن الله جل جلاله يُنـزل رحمته على نبيه الكريم، وأن ملائكته أيضا يصلُّون على النبي صلى الله عليه وسلم ويطلبون منه صلى الله عليه وسلم الرحمة له. ففي هذه الحالة لا يمكن أن ينجح أولئك الذين يريدون منْع رقي هذا النبي أو تقليله باستخدام شتى الحيل والوسائل المنحطة. فالذين يُلصقون به ﷺ التهم الباطلة ويزعمون بجعله عرضة لسخريتهم واستهزائهم أنهم سينجحون، يعيشون في جنة الحمقى، فلن تُلحق مؤامراتهم وجهودهم أي ضرر بنبي الله الحبيب ﷺ، بل سوف يظل يتحقق بانتظام الهدفُ الذي من أجله كان الله قد بعثه. أما في هذا العصر فقد فتح الله آفاقا جديدة لنشر تعليمه الجميل بإرسال محبه المخلص عَلَيهِ السَلام لتحقيق هذا الهدف.

فالنبي صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله جل جلاله إلى كل قوم وفي كل زمن، فهو صلى الله عليه وسلم يهيئ بنفسه الوسائل لنصرته أيضا بفضله ورحمته، إن أعداء النبي صلى الله عليه وسلم لم ينجحوا في الماضي قط ولن ينجحوا الآن، فهذا ما قدره الله. وينبغي أن لا يقلق أي مسلم حقيقي على أن أي سعي مادي يمكن أن يحط من شأن النبي صلى الله عليه وسلم أو الإسلام. غير أن المهمة التي عهدها الله جل جلاله إلى المسلم الحقيقي هي أنه كما يصلي ﷻ وملائكتُه على النبي صلى الله عليه وسلم لرفع مكانته ﷺ يجب أن تصلُّوا أنتم أيضا على نبي الله الحبيب الكامل والأخير صلواتٍ لا حصر لها وتسلموا تسليما مؤدين مهمتكم، فهذا هو واجب كل مسلم حقيقي. علينا أن نصلي ونسلِّم على النبي صلواتٍ لا عدَّ لها اتباعا لله وملائكته منضمين إلى الذين يسعون لرقي دينه وازدهاره.

إن ما حدث في فرنسا في الآونة الأخيرة حيث هاجم بعض المسلمين مكتب إحدى الجرائد وقتلوا اثني عشر شخصا، فقد ذكرتُه لكم في الخطبة الماضية باختصار ولفتُّ انتباه أفراد الجماعة إلى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لن ينتصر الإسلام بالقتل وسفك الدماء، بل سوف ننجح في أهدافنا بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. كما كنت حذرتُ من أنه قد تصدر ردة فعل خاطئة لهذا الهجوم، وهذا ما كان يُتوقع من هؤلاء، فقد أبدَوا ردود فعل خاطئة ونشروا رسوما مسيئة مرة أخرى، التي سببت لنا الألم أكثر، كما كان ينبغي أن تتسبب في تألُّم كل مسلم حقيقي. فأي فائدة ترتبتْ على هذا الإرهاب؟

قبل سنتين أو ثلاث سنوات كان أصحاب هذه الجريدة قاموا بتصرف باطل وأثيرت القضية ثم خمدت، لكن الذين يدَّعون أنهم مسلمون بتصرفهم الخاطئ أثاروها من جديد، فما قامت به هذه الجريدة في الماضي باستمرار قد أبدى الكثيرون من القادة الأوروبيين ردة فعل شديدة تجاهه وكانوا استنكروا هذا الفعل، وكانت كثير من الحكومات قد صرَّحت أنها لن تسمح للصحفيين في بلادهم بذلك. لكنه بعد ظهور هذا الحادث في الأسبوع الماضي قد أبدى كثير من العقلاء في الظاهر والمسئولين والقادة تأييدَهم لهذه الجريدة ودعموها. وبدأت تصل إلى هذه الجريدة مساعدة بالملايين من شتى الأماكن. كانت هذه الجريدة تنشر 60000 نسخة فقط وكان يقال إنها تكاد تندثر وينقطع صدورها نهائيا، لكن بعض المسلمين المزعومين رفعوا عدد نسخها إلى خمسة ملايين خلال أسبوع واحد. والآن يقول بعض المحللين والمقدِّرين إن الجريدة قد تستمر عشر سنوات أو أكثر، وهي التي كان يقال إنها قد تستمر لستة أشهر فقط.

فهذا التصرف لم ينشر الفكرة الباطلة عن تعليم الإسلام في كثير من بلاد العالم فحسب، بل قد ساهم هؤلاء المسلمون المزعومون في استعادة العدو المشرف على الهلاك حياتَه. ليت المنظمات التي تمارس الظلم باسم الإسلام تُدرك أن تعليم الإسلام في الحب والمودة يستطيع أن يُسقط العالم في حضن الإسلام بسرعة كبيرة. فلا يقْدر أي دين آخر أن ينافس الإسلام في تعليم الصبر ورحابة الصدر والتسامح. إن العيون الدينية لأهل الدنيا هؤلاء عمياء، الذين لا يكادون يتورعون عن السخرية من الله ناهيك عن استهزائهم بأنبيائه. فإذا صدرت منا أيضا ردةُ فعل جهلا على تصرُّف هؤلاء الجهلة فسوف يتمادون في الجهل. يقول الله جل جلاله: يجب أن تُعرضوا عن هؤلاء المليئين لغوا وسخفا بدلا من التصدي لهم واعتزلوهم. فليس الجلوس في مجالسهم وموافقتهم رأيا وحده ذنبا أو هو وحده يجعل الإنسان أثيما بل عندما يردّ المرء على أصحاب التصرف الباطل بمثله فيستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم نتيجة لذلك أو يستخدمون كلمات نابية ضده كردة فعل، فهو الآخر يساهم في هذا التصرف المشين.

فعلى المسلم الحقيقي أن يجتنب ذلك، ويفوِّض الأمر إلى الله. فإنما قال الله جل جلاله: ما داموا يعودون إليّ فسوف يواجهون العواقب الوخيمة على تصرفاتهم. فمن المؤكد أنهم سوف يرجعون إلى الله أخيرا يوما من الأيام فسوف ينبئهم بما عملوا. إن عدو الإسلام في العصر الراهن يريد أن يُلحق الضرر بالإسلام وتعليمه الجميل والنبيِّ ﷺ باستخدامه الوسائل المنحطة بدلا من رفع السيف. لكن الله جل جلاله بقوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﴾ قد علَّمَنا مبدأ أساسيا هو أن هذه التصرفات لن تضر النبي صلى الله عليه وسلم أي ضرر، إنما واجبُكم أن تصلُّوا على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه هي مهمة المسلم الحقيقي بدلا من التورط في التصرفات الباطلة وردِّ الجهل بمثله. فإذا أديتم حق ذلك فاعلموا أنكم أنجزتم مهمتكم. فالذين كانوا يعارضون هذه المجلة كما ذكرت قد بدأ الكثيرون منهم يؤيدونها بعد حدوث الهجوم الأخير، قائلين إن حرية الرأي حق كل واحد. ومع ذلك ما زال هناك محبو الإنصاف والعدل والعقلاء الذين استنكروا نشْر رأي بذيء ضد النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المجلة، وألقوا المسئولية على الإدارة. فمثلا قد صرح أحد أعضاء هذه الجريدة الأوائل المسمّاة “شارلي إيبدو” وهو هنري رسل: كانت الرسوم التي نشرتْها الجريدة مستفزة ولهذا السبب قد دفع رئيس تحريرها فريقَه إلى الموت نتيجة هذا الفعل الطائش. وقال: كانت الأمور من هذا القبيل التي كان يقوم بها هؤلاء الصحفيون لا تندرج في موقفنا ومنهجنا الأساسي.

وكذلك قد أصدر البابا أيضا تصريحا رائعا فقال يجب أن تكون لحرية الرأي حدودٌ، فحرية الرأي لا تعني إطلاق العنان تماما. فقال: إن لكل دين وقارا يجب احترامُه وينبغي أن لا يُشَنّ الهجوم على كرامة أي دين. ثم قال مثالا إن صديقي القريب جدا مني -الذي ينظم جولاته أيضا- إذا سبَّ أمي أو أساء إليها فستكون ردة فعلي أني سوف ألطم وجهه وهذا ما ينبغي أن يتوقعه مني. باختصار إن إثارة مشاعر أحد خطأ، أما هؤلاء الصحفيون فقد أثاروا المشاعر فهذا ذنبُهم.

فهذا التصريح صحيح جدا، فعلى المسلمين أيضا أن يتعقلوا الآن، وينبغي أن لا يُبدوا ردة فعل خاطئة أخرى.

إن لوسائل الإعلام سيطرةً على العالم في العصر الراهن، فللإعلام دور بارز في إشعال النار أو إخمادها أو إثارة الاضطرابات أو إيقافها. فقد حدث للمرة الأولى أنه بعد هذا الحادث اتصلت الصحافةُ في بريطانيا وبعض البلاد الأخرى في أوروبا بالجماعة الإسلامية الأحمدية لتعرف موقفها وردة فعْلنا. فصرَّحنا أن هذا القتل تصرُّف غير إسلامي ونبدي الأسف عليه، لكننا نقول في الوقت نفسه بأنه يجب أن تكون حدودٌ لحرية الرأي، وإلا سيكون الذين هم يثيرون مشاعر الآخرين ويجرحونها هم المسئولين عن الفساد في العالم. وبالإضافة إلى هذا قد نُشرت أمور مفصلة أخرى في الصحافة.

لقد نشرتْ موقفَنا قناة سكاي نيوز ونيوز فايف وبي بي راديو وايل بي سي وبي بي سي لِيدز ولندن لايف في بريطانيا، أما خارج بريطانيا فتلفزيون فاكس و سي ان ان وجرائد كندا وكذلك جرائد مختلفة في اليونان وأيرلندا وفرنسا وأميركا نشرت موقفنا. كما سجلت بعض المقابلات في ستوديوهاتها أيضا وبذلك وصل الموقف الصحيح والتعليم الصحيح للإسلام إلى عدة ملايين من سكان العالم. فقد سجل أحد التلفزيونات هنا مقابلة مع أمير الجماعة ومقابلة مع الإمام عطاء المجيب راشد المحترم أيضا، ومثل ذلك قد دُعي مندوبونا إلى الاستوديوهات وسجلت مقابلاتهم وطُرحت عليهم الأسئلة في أميركا وكندا وفرنسا أيضا، كما نَشرت الجرائد تعليقاتنا ومقالاتنا ونشرت الأخبار حول هذا الموضوع. باختصار قد أدَّى هذا الفريق الإعلامي في الجماعة حقه جيدا في كل مكان في العالم. فقد أدَّى هذا الفريق حق إيصال التعليم الحقيقي إلى الناس في بريطانيا وأميركا وكندا. فقد قال أحد الصحفيين في كندا تعليقا على مساعي الفريق الإعلامي في الجماعة واتصالاته: إنني أتساءل أن الجماعة الإسلامية الأحمدية فرقةٌ صغيرة في المسلمين ومع ذلك غطى الإعلامُ موقفهم جدا، ونشر أخبارهم ومقالاتهم فما سبب ذلك؟ فهم بذلوا الجهود في إيصال الرسالة الصحيحة.

فقد قدَّر الله أن جماعة المحب المخلص للنبي صلى الله عليه وسلم هي التي ستري الآن وجه الإسلام الصحيح للعالم وتخبر الناس ما تعلمتْ منه عَلَيهِ السَلام.

فمن واجبنا كما قلت في الخطبة الماضية أيضا أن نوصل هذه الرسالة إلى الناس في محيطنا ونشرح لهم أن ردود فعل خاطئة لن تؤدي إلى شيء غير الفساد، والأوضاع المتأزمة سلفا سوف تشتد أكثر وتندلع النار وتنتشر في الجهات الأربع، والعالم لا يستطيع تحمُّلها الآن.

فلا تثيروا الناس بردة فعل خاطئة، ولا تستنـزلوا بطش الله. نسأل الله جل جلاله أن يهب لأهل الدنيا عقلا، لكنه بالإضافة إلى ذلك تقع على كل أحمدي مهمةٌ كبيرة هي أن يسير على الطريق الذي أخبرنا الله به وهو: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ أي صلُّوا وسلِّموا على هذا النبي بحماس ونشاط. يجب على كل مؤمن أن يسعى للعمل بجميع أوامر الله دون أن يقول لِم ولماذا، والملاحظ أنه لا يُثار سؤال من هذا القبيل عادة، إذ حينما يزداد إيمانُ أحد وعلمُه بالأمور الدينية، ويزداد إدراكه للدعاء، يطّلع على حكمة الأوامر وفوائدِها أو يدركها. كما أنّ من التعليم الجميل للإسلام أن يسعى الإنسان لطلب العلم، إذ يقول الإسلام: اُطلبوا العلم واسعَوا لإحراز الفهم والإدراك، ولإنشاء العلاقة بالله تعالى تقدموا إليه ﷻ.

على أية حال، لقد أمر الله أن تتعلموا هذا الأسلوب لتفهموا الحكمة بأسرع ما يمكن ولا تنتظروا تعلُّمها رويدا رويدا وببطء. بل يجب أن تفهموا وتدركوا أسلوب العمل بأوامر الله حتى تتمكنوا من العمل بها على أحسن وجه نتيجة هذا الفهم والإدراك. وبهذا الصدد سوف أقتبس لكم بعض الأحاديث ومقتطفات من كلام المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام تبين أهمية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وبركاتها. نحن ندّعي حب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم لذا عندما يقول أحد شيئا غير لائق بحقه ﷺ أو ينسب إليه شيئا غير صحيح تُجرح قلوبنا بشدة بسبب حبنا له ﷺ. ولكن كيف يجب أن نُظهر الحب الحقيقي وكيف ستظهر فائدته للعيان فهناك رواية حول هذا الموضوع: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً.

إذًا، إن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هي الأسلوب الحقيقي لإظهار الحب له وبه يمكن نوال قربه.

ثم هناك رواية عن أنس رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ما مفاده: قال النبي صلى الله عليه وسلم أن أكثركم أمنا من ويلات يوم القيامة وأهوالها أكثركم صلاة علي يوم القيامة. وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: إن صلاة الملائكة تكفيني ولكن الله تعالى قد أعطى المؤمنين فرصة للحصول على الثواب من خلال الصلاة علي.

وقد ورد في رواية عن الأسلوب الصحيح للدعاء: عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَجِلْتَ أَيُّهَا الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّيْتَ فَقَعَدْتَ فَاحْمَد اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَصَلِّ عَلَيَّ ثُمَّ ادْعُهُ قَالَ ثُمَّ صَلَّى رَجُلٌ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّهَا الْمُصَلِّي ادْعُ تُجَبْ.

وهناك رواية أخرى: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ.

فالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كما تزيد المرء حبا للنبي صلى الله عليه وسلم كذلك هي ضرورية لاستجابة الدعاء ولمغفرة المرء أيضا. فقد جاء في رواية أخرى: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ إِنَّ الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

لقد قال المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام لأحد مريديه في بيان كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: يجب عليك أن تتوجه كثيراً إلى الصلاة على النبي، اطلب بركة للنبي صلى الله عليه وسلم بذوق وإخلاص كما يطلبها أحد لحبيبه حقاً، واطلبها بالتضرع الشديد، ولا تتصنع في هذا التضرع والدعاء، بل يجب أن تكون الصداقة والحب صادقيْن، ويجب أن تطلب للنبي صلى الله عليه وسلم بروحٍ صادقةٍ البركات المذكورة في الصلاة عليه. وعلامة الحب الذاتي ألا يكلّ الإنسان أبدا ولا يملّ ولا تكون هناك شائبة من أهواء النفس. (أي ألا تكون هناك مصلحة شخصية، بل يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فقط لتنـزل عليه بركات الله تعالى.)

ثم يقول عَلَيهِ السَلام مبيّنا حكمة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: ليس النبي صلى الله عليه وسلم بحاجة إلى دعاء أحد كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث أنه تكفيني صلاة الملائكة. يقول المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام: هناك سر مكنون في ذلك، وهو أن مَن يطلب رحمة وبركة لأحد بحب ذاتي، فبسبب علاقة الحب الذاتية هذه يصبح جزءًا من وجوده، فالفيض الذي ينـزل على المدعو له ينـزل على الداعي أيضاً. ولأن فيض الحضرة الأحدية على رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، فينال المصلون عليه ﷺ البركة بالحب الذاتي، فيأخذ كل واحد منهم بركة من البركات اللانهائية على قدر حماسهم، ولكن قليلا ما تظهر هذه الفيوض دون حماس روحاني أو حب ذاتي”.

فعلينا أن نسعى جاهدين لخلق هذا الحماس في أنفسنا. ثم يقول عَلَيهِ السَلام في بيان السبب وراء الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: “انظروا إلى صدق سيدنا ومولانا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفائه، لقد واجه كل نوع من السيئة وتحمل مصائب وآلام شتى إلا أنه لم يبالِ بها، فبسبب هذا الصدق والوفاء أنزل الله تعالى عليه فضله، ولأجل ذلك قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾، ويظهر من هذه الآية أن أعمال النبي صلى الله عليه وسلم كانت قد بلغت درجة عظيمةً بحيث لم يستخدم الله تعالى أية كلمة لبيان تعريفها وتحديد وصفها، كان بالإمكان أن تُستخدم الكلمات المناسبة لها ولكن الله لم يستخدمها قصدًا ويعني ذلك أن أعماله الصالحة كانت أسمى من أن يتم التعريف بها وتحديد وصفها. لم يستخدم الله تعالى مثل هذه الآية بحق أي نبي من الأنبياء. لقد كانت روحه ﷺ تتحلى بأسمى درجات الصدق والوفاء وكانت أعماله محببة في عين الله تعالى لدرجةِ أنه أمَر الناس بالصلاة عليه للأبد شكرًا على هذه النعمة.”

ثم يقول عَلَيهِ السَلام شارحا أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسيلة للاستقامة واستجابة الدعاء: “قد فُرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل صلاة للاستزادة من حبه وتجديد الحب لكي تكون في اليد وسيلة الاستقامة لإجابة هذا الدعاء. الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسيلة عظيمة للحصول على الاستقامة، فلا تصلوها على سبيل التقليد والعادة، بل صلوها واضعين في الحسبان حسن النبي صلى الله عليه وسلم وإحسانه ولإعلاء مراتبه ومدارجه، ولانتصاره ﷺ. وستكون النتيجة أنكم ستنالون ثمرة لذيذة وحلوة لاستجابة الدعاء.”

وسأبين لكم لاحقا كيف تعلو هذه المدارج: ثم يقول عَلَيهِ السَلام بعد ذلك: “كم هو مباركٌ هذا العصر حيث اتخذ الله تعالى هذا القرار المبارك في هذه الأيام الحرجة الحالكة (قال عَلَيهِ السَلام هذا الكلام في الأيام التي كان يقال فيها بحق النبي صلى الله عليه وسلم كلامٌ مشين) وهيَّأ من الغيب وبمحض فضله أسباب نصرة الإسلام، توطيدًا لعظمة النبي صلى الله عليه وسلم، فأقام هذه الجماعة. إنني أسأل الذين يكنّون حبًّا وألمًا وتعظيمًا للإسلام: هل أتى على الإسلام زمان أسوأ من هذا العصر، حيث تعرض الرسول ﷺ للسباب والشتائم والإساءة، وجُعل القرآن الكريم عرضة للإهانة إلى هذه الدرجة؟ إنني أتأسف وأتألّم جدًّا على حالة المسلمين حتى لا يقرّ لي قرار في بعض الأحيان، إذ لا يوجد فيهم أدنى إحساس بتلك الإهانة. هل يظنون أن الله تعالى لم يرد لرسوله ﷺ أي عزّ أو شرف؟ فإنه عز وجل، رغم هذه الشتائم والإهانات، لم يُقِم أي جماعة سماوية من عنده، ليَكُمّ أفواه أعداء الإسلام وينشر عظمة النبي صلى الله عليه وسلم وطهارته في العالم؟!”.

أي إن لم يُقم أية جماعة سماوية، فهذا يعني أن الله لم يبالِ بأدنى كرامة للنبي صلى الله عليه وسلم، على الرغم من هذا القدر من السباب والشتائم التي كيلت بحقه عليه الصلاة والسلام. فلم يقل هنا بأنه يجب عليكم أن تنهضوا حاملين العصيّ والبنادق وابدأوا بالقتل وسفك الدماء، بل كان تأسيس جماعة سماوية ضروريا لإقامة عزة النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن بالحجة والبرهان وبواسطة تعليمه الجميل وليس بإطلاق الرصاص، لأنه عندما يصلي الله وملائكته على النبي صلى الله عليه وسلم- عندما يساء إليه- كان إظهار هذه الصلاة ضروريا، وقد قدّر الله أن تظهر هذه الصلاة بإنشاء هذه الجماعة أي الجماعة الإسلامية الأحمدية وبواسطتها.

فهذا الوضع يوجب علينا بشدة أكثر أن نصلّي على النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذي قبل. فقد قال المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام بأن الله تعالى أرسلني لأقيم مجددا عظمة النبي صلى الله عليه وسلم الغابرة. وقال عَلَيهِ السَلام أيضا: لأُري العالم حقائق القرآن الكريم. فإن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجب على كل أحمدي اليوم لنكون من الذين يحققون الهدف من بعثة المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام ويلبّون دعوة الله، وواجب علينا أن نؤدي حق ادعائنا بحب النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الحق لا يمكن أداؤه بالهتافات والمسيرات فقط كما يفعله المسلمون غير الأحمديين. لأداء هذا الحق يجب على كل واحد من الأحمديين أن يبلّغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ملايين المرات مقرونا بألمه القلبي. فهذه الصلاة ستكون أكثر نفعا للقضاء على الأعداء من إطلاق الرصاص والقذائف من المدافع.

ثم يقول المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام في رسالة إلى أحد مريديه موضحا أسلوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: يجب الانتباه إلى أقصى الحدود أنه يجب أن يكون كل عمل بريئا من شوائب العادة والتقليد، فيجب أن تكون الأعمال كلها نزيهة من التقاليد والعادات وتتدفق من القلب بثورة الحب. (أي يجب أن تنـزهوا أعمالكم من أوساخ التقاليد والعادات ليتدفق الحب من إخلاص القلب). لا تصلِّوا على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كما يرددها الناس كالببغاء؛ إذ إنهم لا يخلصون له ﷺ بشكل كامل، ولا يسألون له بركات إلهية بحضور القلب. بل يجب على الإنسان أن يرسخ في ذهنه قبل الصلاة على النبي الأكرم ﷺ أنه قد بلغ في حبه للنبي صلى الله عليه وسلم مبلغًا بحيث يستحيل أن يكون أحد- منذ بدء الخليقة- قد أحب أحدا أكثر من حبه للنبيّ ﷺ، ويستحيل أن يأتي في المستقبل أحد يستحق حبًّا أكثر منه. (أي يجب أن يبلغ هذا الحب مستوى بحيث لا يخطر بالبال – رغم التفكير العميق – أن تكون محبته لأحد من الماضي قد وصلت إلى الدرجة التي يحب بها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن يكون أحد في المستقبل مَن يمكن أن يحبّه بهذه الدرجة من الحماس) ويمكن إقامة مثل هذه الحالة على نحوٍ بحيث يستعد المصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بصدق القلب بتحمل كل ما تحمّله المحبون الصادقون من المصائب والشدائد في حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو ما سيتحملونه في المستقبل، أو بتحمل ما يجوّزه العقل من نزول مصائب أخرى في هذا الميدان، (كيف يمكن أن تنشأ هذه الحالة المذكورة؟ إنما تنشأ من خلال استعداد أحد بصدق قلبه لتحمل جميع المصائب التي تحملها القدامى، أو ما يمكن للعقل تجويزه من مشاكل ومصاعب في سبيل محبة الرسول ﷺ.)

ولا يتردد قلبه في تحمل مصيبة قد تخطر بالعقل والخيال، ولا ينقبض قلبه أو يتردد في طاعة أمرٍ يقدّمه العقلُ، ولا يكون في قلبه مكان لمخلوق آخر ينازعه على جنس هذا الحب. إذا أقيم هذا المذهب (وترقى الإيمان إلى هذه الدرجة) فعلى الإنسان أن يصلّي على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم -كما أخبرتك مشافهة أيضاً- لكي يُنـزل الله الكريم بركاته الكاملة على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ويجعله ينبوع البركات للعالم كله، ويُظهر قدسيته وعلو مرتبته وشأنه في هذا العالم وفي العالم الآخر. ويجب أن يتم هذا الدعاء بالحضور التام كما يدعو أحد بحضور القلب التام في زمن مصيبته، بل أكثر تضرعاً وتذللاً من ذلك، وينبغي ألا يتطلع خلال هذا الدعاء إلى شيء لنفسه كأن يتأمل أن يُجزى عليه، أو تحصل له منـزلة أو درجة.

(يجب ألا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم أو يدعو له لينال ثوابًا أو يكسب درجة) بل ينبغي أن يكون هدفه الخالص هو أن تنـزل البركات الإلهية الكاملة على رسول الله المقبول ﷺ، ويَظهر جلاله مُشرقاً في الدنيا والآخرة، وعلى هذا يجب أن تنعقد همتُه، ويلتزم به مركّزًا عليه ليل نهار، وينبعي ألا يكون مرادُ قلبه أكثر من ذلك. (فيجب المواظبة على هذا العمل) فإذا صلى أحد على النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الطريق خرجتْ صلاته عليه من إطار التقليد والعادة، فلا بد أن تصدر أنوار عجيبة من مثل هذه الصلاة. ومن علامات حضور القلب التام أن يكون دعاؤه هذا مصحوبًا بالبكاء والابتهال في معظم الأوقات، ويؤثر في توجهاته وفي ذرات كيانه بحيث يصبح النوم واليقظة سيين. (رسالة إلى مير عباس علي، رسالة رقم 9، رسائل أحمدية ج1)

ثم كتب حضرته عَلَيهِ السَلام في رسالة له لأحد مريديه بخصوص السعي للدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “عليك بصلاة التهجد وترديد الأوراد والتسبيحات المأثورة والمعمول بها. هناك بركات كثيرة في صلاة التهجد. إن التكاسل خسارة، ولا قيمة لمن يخلد إلى الكسل والراحة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنْكبوت: 70). وإن أفضل أنواع الصلاة على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم هي ما خرجت من لسانه المبارك، وهي: “اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وعلى آل إبراهيم إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. اللهم بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وعلى آل محمد كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وعلى آل إبراهيم إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ”. إن الكلمات التي تخرج من فم إنسان تقيٍّ لا تخلو من البركة أبدًا، فما بالك ببركة كلمات خرجت من فم سيد المتقين وسيد الأنبياء ﷺ! قصارى القول، إن هذه الكلمات للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هي الأكثر بركةً من غيرها، وهذه الكلمات هي وِردُ هذا العبد المتواضع أيضًا. لا يلزم التقيد بعدد معين في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، بل الذي يلزم هو أن يقرأها المرء بالإخلاص والحب وحضور القلب والتضرع إلى أن تنشأ في القلب حالة من البكاء والوجد والتأثير ويمتلئ الصدر انشراحًا ولذة.”

ندعو الله تعالى أن يخلق فينا جميعًا هذه الروح، وأن تتصاعد من قلوبنا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي تصل إلى العرش ثم تروينا هذه الصلاة بفيوضها.

هناك كثيرون منا يصلّون على النبي صلى الله عليه وسلم بفضل الله تعالى بكل ألم وحرقة ويريهم الله تعالى مظاهر فيوض هذه الصلاة، وأدعو الله تعالى أن يزداد في الجماعة عدد هؤلاء المصلّين على النبي صلى الله عليه وسلم لأن مثل هذه الصلاة تفيد الجماعة أيضا وتؤدي إلى رقيها.

أعجبني طريق المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، رغم أن الكثيرين منا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم بطريق هو أقرب إلى هذا الطريق إلا أنني أريد أن أقدّم لكم أسلوب المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لأنني أرى أن هذا الأسلوب بالإضافة إلى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يؤدي إلى زيادة الحب الذاتي مع النبي صلى الله عليه وسلم وإلى فهم حقيقة الدعاء لرقي الجماعة.

قال حضرته رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “عندما ندعو لأحد يصير هذا الدعاء مدعاة لرفع درجاتنا أيضا، وعليه فإذا صلينا على النبي صلى الله عليه وسلم أدت هذه الصلاة إلى رفع درجات النبي صلى الله عليه وسلم كما أدت إلى رفع درجاتنا أيضا، أي أدت إلى إيصال إنعامٍ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسببت في نيلنا لهذا الإنعام عن طريقه ﷺ. ومثاله كمثال الغربال الذي إذا وضع فيه شيء سقط جزء منه على القماش الذي يكون تحته، على هذه الشاكلة جعل الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم غربالا لهذه الأمة، فأولاً يُنعم الله تعالى عليه ببركاته ثم ننال تلك البركات بواسطته. عندما نصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويرفع الله تعالى درجات النبي صلى الله عليه وسلم بسبب هذه الصلاة، فلا بد أنه يخبره ﷺ أيضا أن هذه الهدية قُدّمت إليك من المؤمن فلان، (أي أتت هدية الصلاة القلبية هذه من المؤمن فلان) ولا بد أن هذا الأمر يثير في قلب النبي صلى الله عليه وسلم عاطفة الدعاء لنا، وبسبب دعائه ﷺ لنا ينيلنا الله تعالى نصيبًا من تلك البركات.

قال حضرته: أخبركم عن أسلوبي الذي أتبعه كلما ذهبت للدعاء على قبر المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام، فأول ما أبدأ به هو الدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم ثم أدعو للمسيح الموعود عَلَيهِ السَلام، والدعاء هو: اللهم لا أملك ما أستطيع تقديمه لهؤلاء الأبرار كهدية، فلا تفيدهم تلك الأشياء التي أملكها، ولكنك تملك كل شيء، لذلك أدعوك وأتضرع إليك أن تمنّ عليّ وتقدّم لهما في الجنة مني هديةً لم يتلقياها في الجنة قبل هذا. فلا بد أن يسألا عند استلامها: ممن هذه الهدية؟ (أي عندما يقدم الله تعالى لهما هذه الهدية فلا بد أن يسألاه: من أرسل لنا هذه الهدية؟) وإذا أخبرهما الله تعالى عن ذلك فلا بد أن يدعوا له وهكذا ترفع درجات الداعي لهما أيضا. وهذا الأمر ثابت من القرآن والأحاديث النبوية، وهو أصل إسلامي مسلّم به، ولا يسع أحد إنكار نفع الدعاء للأموات.

لقد نبّهنا القرآن الكريم بقوله ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ (النساء: 87) إلى أنه إذا أهدى إلينا أحد فينبغي أن نقدّم له هدية أفضل منها، وإن لم نستطع ذلك فعلى الأقل نردّ إليه بمثلها. وعملا بهذه الآية القرآنية إذا دعونا للنبي صلى الله عليه وسلم أو للمسيح الموعود عَلَيهِ السَلام ونصلي عليهما ونسلّم، فسيقدم الله تعالى لهما هديةً من قِبلنا. لا نعلم عما حوَتْه الجنة من نِعَم ولكن الله تعالى يعلم ما بها، لذلك فسندعو الله قائلين: اللهم أعط النبي صلى الله عليه وسلم هديةً لم تقدّم له مثلها قبل هذا. فكان لا بد أن يتم إخباره من الله تعالى عند تقديم هذه الهدية أنها من فلان؛ ثم كيف يمكن أن يظل النبي صلى الله عليه وسلم صامتًا بعد تلقيه مثل هذه الهدية ولا يدعو لمرسلها، بل ستخرّ روحه ﷺ عفويًا في حضرة الله تعالى وتقول: اللهم أجزه منا أحسن الجزاء، وهكذا يعود هذا الدعاء إلى المصلّي على النبي صلى الله عليه وسلم ويؤدي إلى رفع درجاته.

فهذه هي الطريقة الناجعة للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وللرد على الطاعنين، وهي التي يمكن أن ننتفع بها أفرادًا وأمةً بدون أن نرتكب ما فيه أية شائبة للشرك. وهذه الطريقة للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي تفتح سبل رقي الجماعة الذي سيؤدي إلى ازدياد عدد المصلين على النبي صلى الله عليه وسلم ونقصانِ عدد معارضي الإسلام تلقائيا.

وهناك أمر آخر أود ذكره؛ يسأل البعض: لماذا نقول “اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، واللهم بارك على محمد وعلى آل محمد”، فما الحكمة في ذلك.

اعلموا أن من معاني الصلاة لغةً التعظيم أيضا، وعليه فدعاؤنا “اللهم صل على محمد وعلى آل محمد” يعني: إلهي، أَرْسِ عظمةَ محمد صلى الله عليه وسلم في العالم برفعِ اسمه وجعلِ رسالته ناجحة وغالبة في العالم وجعلِ شريعته باقيةً دائمة إلى الأبد، وقبولِ شفاعته لأمته في الآخرة وزيادةِ أجرها وثوابها.

لقد ذُكر هذا المعنى للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مفصلا من قبل في بعض ما قرأته عليكم من أقوال المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام، ولكنه لم يُذكَر على ضوء اللغة.

ثم بعد ذلك يذكر الحديث النبوي الكلمات التالية للصلاة: “اللهم بارِكْ على محمد وعلى آل محمد”، ومعناها: إلهي، اجعلْ ما كتبتَ للنبي صلى الله عليه وسلم من عزة وعظمة وجلال دائمًا وباقيًا لأبد الآبدين.

باختصار، إن جملة “اللهم صل على محمد…” دعاءٌ لغلبة شريعة النبي ولبقائها إلى الأبد ولشفاعته لأمته، وجملة “اللهم بارك على محمد….” دعاءٌ لدوام وبقاء عزة النبي صلى الله عليه وسلم وعظمته وجلاله إلى أبد الآبدين.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بشكل حقيقي، ويرزقنا ببركتها قربَه سبحانه وتعالى، ويجعلنا نزداد حبًا للنبي صلى الله عليه وسلم باستمرار، باذلين كفاءاتنا في نشر شريعته، ولاعبين دورنا في القضاء على الفتن والفساد في الدنيا طبقًا لتعاليمه صلى الله عليه وسلم. اللهم وفقنا لذلك. آمين.

سوف أصلى صلاة الجنازة على اثنين، أحدهما هو المولوي عبد القادر الدهلوي درويشُ قاديان، حيث توفي إلى رحمة الله في 10-1-2015 عن عمر 97 عاما. إنا لله وإنا إليه راجعون.

كان المرحوم ابنَ أحد صحابة المسيح الموعود عليه السلام وهو حضرة الدكتور عبد الرحيم رضي الله عنه. حاز المرحوم شهادة “مولوي فاضل” من المدرسة الأحمدية بقاديان، ثم وفقه الله لخدمة الجماعة بشتى المناصب، فقد عمل سكرتيرا عاما لمكتب الدروشة في الحي الأحمدي بقاديان، ثم خدم مدة طويلة بصفته نائب الناظر للدعوة والتبليغ ومعاونًا للناظر الأعلى. كما خدم بمنصب “ناظم العقارات”، وقاضٍ في الجماعة، ومدقق حسابات في مؤسسة “صدر أنجمن أحمدية”، وسكرتير “بهشتي مقبرة”، ونائب رئيس أنصار الله.

لقد نُشر مقال للمولوي المرحوم في مجلة “المشكاة” في عددها الصادر في نوفمبر 2003 بعنوان “قصة درويش بلسان درويش”، حيث كتب فيه: كان حضرة مير محمد إسحاق رضي الله عنه يدرّسنا الحديث في الصفوف المتقدمة بالمدرسة الأحمدية، وكان يحبنا جدا، فقال لي ذات يوم: عليك أن تقدّم طلبا للذهاب إلى مصر من أجل الدراسة. فقدمت الطلب للمكتب المعني في الجماعة، فجاءني منه الجواب: مَن ليس عنده النقود من أجل استخراج جواز السفر فماذا سيعمل في مصر. فأخبرتُ حضرة المير بهذا الرد. ثم بعد يومين رأيت في المنام أن حضرة المولوي شير علي رضي الله عنه جاءني وقال: “عبد القادر، مِصر”. وحكيت رؤياي لحضرة المير أيضا. واتفق بعد ذلك في زمن الحرب العالمية الثانية أن حثّت الجماعةُ الشباب على التعبئة في الجيش، فالتحقت بالجيش في شعبة المؤن ( ثم أُرسلَ المرحوم مع الجيش إلى مصر) وكان الجنود يعطون إجازة سبعة أو عشرة أيام بعد فترة، فذهبت من مصر إلى روما بدلاً من الهند لقضاء الإجازة. وكانت في روما قاعة كبيرة على يمين كنيسة، فسألت البعض عنها فقالوا: إن البابا يلقي هنا الخطاب كل يوم اثنين، ويزوره الناس. فذهبت يوم الاثنين إلى القاعة، وكان الناس واقفين فيها في دائرة. فألقى البابا خطابًا عن سلام العالم نظرًا إلى أن الزمن زمن الحرب، ثم عاد مرورًا بين الحضور، وعندما مر قريبا مني مددت إليه يدي للمصافحة، فوضع البابا يده في يديّ وتوقف، فأمسكت يده في يدي وبلّغته رسالة الإسلام، وأخبرته عن مجيء المسيح ثانية، وأنه قد ظهر وأن حضرة مرزا غلام أحمد القادياني قد أعلن أنه المسيح الموعود، وقد بايعته، وأدعوك لقبول دعوته. وهكذا بلّغتُ البابا الدعوة. فأبدى البابا سعادته بكلامي. ثم اجتمع حولي الزوار الذين كانوا قد أتوا من أمريكا وأوروبا وأشادوا بجرأتي. ثم كتبت إلى حضرة الخليفة الثاني رضي الله عنه تفصيل لقائي مع البابا وتبليغي له دعوة الإسلام، وقد نُشر في عهد الخليفة الثاني رضي الله عنه في تاريخ الأحمدية مجلد 10 بعنوان “تبليغ دعوة الإسلام إلى البابا”.

لقد ذكر المرحوم في مقاله هذا ثلاث واقعات له مثيرة عن استجابة الدعاء والتصرفات الإلهية الخارقة.

لقد وفق الله المرحوم للحج عام 1969.

أعقب المرحوم ثلاثة بنين وأربع بنات، وقدَّم لهم جميعا تعليمًا عاليا رغم ضيق ذات اليد: أبناؤه كلهم مقيمون الآن خارج الهند. فابنه الأكبر السيد إسماعيل نوري قد وفقه الله تعالى لخدمة الجماعة بألمانيا بمناصب مختلفة. وكان ابنَه الأكبر الذي رُزق به حين بدأ حياته كدرويش في قاديان.

كانت زوجة المرحوم قد توفيت منذ سنوات كثيرة، وكان يعيش وحده في قاديان، فالتمس منه أبناؤه أن يأتي إلى ألمانيا للعيش معهم، فرد عليهم وقال: لا تتحدثوا معي عن هذا الموضوع مرة أخرى. فعاش سنوات كثيرة في قاديان وحده ووفّى عهد الدروشة إلى آخر لحظة من حياته. كان المرحوم موصيا ودُفن في المنطقة الخاصة بالدراويش في “بهشتي مقبرة” بقاديان. رفع الله درجات المرحوم ووفق أولاده لاتباع خطواته. آمين

والجنازة الثانية هي للسيدة مباركة بيغم زوجة المرحوم بشير أحمد “حافظ آبادي”، الذي كان أحد دراويش قاديان. لقد توفيت المرحومة إلى رحمة الله في 3-1-2015 عن عمر يناهز 83 عاما. إنا لله وإنا إليه راجعون. كان والدها السيد شفيع أحمد رئيس جماعتنا في “مودها” بأتربرديش بالهند. بسبب انقسام الهند عام 1947 كانت هناك عراقيل كبيرة في سبيل تزويج هؤلاء الدراويش من بنات من باكستان، فأمرهم حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه بالزواج في عائلات بالهند، فتزوج السيد بشير أحمد “حافظ آبادي” من المرحومة عام 1951 حيث كانت عائلتها من ولاية “أتربرديش” الهندية.

كانت المرحومة مباركة بيغم شديدة المواظبة على الصلاة والصوم، وصالحة ومخلصة جدا. أعطت حلّيها للجماعة عندما دعت للإنفاق في بعض الصناديق. قضت فترة طويلة وصعبة من الدروشة مع زوجها بمنتهى الصبر والشكر، واقفة بجنبه في العسر واليسر. علما أن الأوضاع قد تحسنت الآن كثيرا بفضل الله تعالى، ولكن في أوائل أيام الدروشة قد عاش الدراويش في قاديان في ضيق شديد جدا. كانت المرحومة شديدة الولاء للخلافة. أحد أولاد المرحومة هو السيد منير أحمد الحافظآبادي، وهو واقف لحياته لخدمة الدين ويعمل بمنصب الوكيل الأعلى للتحريك الجديد بقاديان، وبمنصب رئيس لجنة إدارة مطبعة “فضل عمر”. وابن آخر لها يعمل طبيبا. ثلاث من بناتها يعشن في باكستان، وكانت اثنتان من بناتها معها وقت الوفاة. كانت المرحومة منخرطة في نظام الوصية في الجماعة، فدُفنت في “بهشتي مقبرة”. رفع الله درجاتِها، وأدام الأحمدية في نسلها ووفّقهم لأن يزدادوا إيمانا وإيقانا ويكونوا من السباقين في خدمة الدين. آمين

رابط مختصر
أترك تعليقك
2 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

  • rachid
  • بم