خطبة الجمعة بتاريخ 23/01/2015

آخر تحديث : الخميس 8 سبتمبر 2016 - 6:36 مساءً
2015 01 28
2016 09 08
خطبة الجمعة بتاريخ 23/01/2015
خطبة صلاة الجمعة

خطبة الجمعة بتاريخ 23/01/2015 ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام يوم 23/01/2015 في مسجد بيت الفتوح بلندن

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

﴿بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضالِّينَ﴾، آمين.

اليوم سأسرد عليكم بعض الروايات التي رواها المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عن المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام والتي يتبين منها ماذا كان مستوى احترامِ النبي صلى الله عليه وسلم عند المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام وكيف كان يُظهر ردة فعله في هذا المجال.

لقد سرد المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حادثا يتعلق بالبانديت ليكهرام وقال: كان المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام ذات مرة موجودا على محطة القطار في لاهور أو أمرتسر إذ جاءه البانديت ليكهرام وسلّم عليه. لما كان البانديت ليكهرام يحتل مكانة مرموقة بين أتباع آريا سماج، فرح كثيرا أصحاب المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام على أنه جاء ليسلّم على المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام، ولكن المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام لم يهتم به قط. وحين لُفت انتباهه إلى ذلك- إذ ظُنّ لعله عَلَيهِ السَلام لم يعلم أن ليكهرام جاء وسلّم عليه- قال عَلَيهِ السَلام بحماس شديد: ألا يستحيي إذ يسبّ سيدي ويسلّم عليّ؟ أي لم يهتمّ المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام بمجيء ليكهرام قط. والمعلوم أنه إذا اتفق لأحد من عامة الناس مقابلة زعيم أو قائد كبير يحسبه مدعاة لاعتزاز كبير لنفسه. فمن عادة الناس أنه إذا جاءهم شخص مرموق يقابلونه باهتمام بالغ وإذا جاءهم شخص فقير لا يهتمون به.

يقول المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في مكان آخر في ذكر الحادث نفسه: كان كبار الناس أيضا يحسبون اللقاء مع ليكهرام مدعاة لاعتزازهم نظرا إلى الاحترام والمكانة التي كان يحظى بها ليكهرام عند الآريين. ولكن انظروا إلى غيرة المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام، إذ جاء ليكهرام لمقابلته عَلَيهِ السَلام ولكنه قال: لن أقابله ما لم يتوقف عن سبّ سيدي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. من هذا الحادث تتبين غيرته عَلَيهِ السَلام على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وفيه درس أيضا أنه ليس صحيحا أن يسلّم المرء على الناس الكبار فقط واضعا في حسبانه أن ذلك سيرفع من شأنه بل احترام الفقراء أيضا ضروري. الأصل في الموضوع هو إظهار الغيرة في محلها المناسب. فإذا استخدم شخص كبير- مهما كان كبيرا- كلمات غير لائقة بحق نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فلا حاجة لإعطائه أهمية. على أية حال، هناك جوانب مختلفة لهذا الموضوع.

يقول المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في بيان حادث آخر من هذا القبيل: كانت معاملة المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام لأولاده حسنة جدا لدرجة ما كان ليخطر ببال أحد أنه يمكنه أن يسخط على أحد منهم. كنا صغارا وكان في بالنا أن المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام لا يغضب قط. كان مستوى حبه للأولاد عاليا جدا لدرجة أن المولوي عبد الكريم رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال (للمصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) إن المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام ذكر له ذات مرة أن ضِلعه يؤلمه، فتم تدليكه ولكنه لم ينفع. فعُثر عند فحص الأمر على أن في جيبه قطعةَ لَبِنَةٍ أدّت إلى الألم في ضلعه. سئل حضرته: ما قصة هذه القطعة في جيبك؟ قال: لقد أعطانيها “محمود” وطلب مني أن أحتفظ بها. فوضعتُها في الجيب لأعطيه إياها عند الطلب. يقول المولوي عبد الكريم رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: قلتُ لحضرته: أرجو أن تعطيني إياها وسأحتفظ بها. قال عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام: لا بل سأحتفظ بها عندي. فهذا كان مدى حبه عَلَيهِ السَلام لأولاده.

يقول المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: كان يحبنا جميعا كثيرا وكان يحب أخانا الأصغر مرزا مبارك أحمد بوجه خاص، فكنا نظن أنه لا يمكنه أن يحب أحدا أكثر منه. ولكن هذا الحب لم يغلب على حبه للنبي صلى الله عليه وسلم. فذات مرة فلَتَ من لسان هذا الابن المدلل بسبب قله فهمه بمقتضى الطفولة كلمة ما كانت تليق بشأن النبي صلى الله عليه وسلم، فضربه المسيح الموعودُ عَلَيهِ السَلام ضربةً واحدة بحزم.

يقول المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في بيان حادث آخر: عقد الآريون جلسة في لاهور ودعوا المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام أيضا للاشتراك فيها. وتعهّد المشرفون عليها بأنه لن تُقال كلمة سيئة بحق الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن كالوا فيها شتائم بذيئة. حضر الجلسة بعض أفراد جماعتنا أيضا بمن فيهم المولوي نور الدين رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الذي كان المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام يحترمه احتراما خاصا. ولكن عندما سمع المسيحُ الموعود عَلَيهِ السَلام أنه قد كيلت للنبي صلى الله عليه وسلم شتائم بذيئة في الجلسة قال للمولوي نور الدين: كيف قبلتْ غيرتك أن تجلس في تلك الجلسة؟ لماذا لم تخرج منها فورا؟ كان المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام في ذلك الوقت في حماس شديد لدرجة وكأنه سيسخط عليه نهائيا. قال المولوي المحترم: لقد أخطأتُ يا سيدي. قال عَلَيهِ السَلام: أيّ خطأ هذا أن يُشتَم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في مجلس وتبقى جالسا فيه؟!

ويقول المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في مكان آخر: كنتُ أنا أيضا مع المولوي نور الدين في تلك الجلسة فنهرني المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام بشدة وقال: لماذا بقيتَ جالسا هنالك؟

والذين يتّهمون المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام أنه يفضّل نفسه على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، والعياذ بالله، هل لهم أن يبارزوه عَلَيهِ السَلام في حب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؟ ليت هؤلاء المتّهمون ينتهبون إلى حب المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم!

ثم ذكر المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مناظرة المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام التي تمت بينه وبين عبد الله آتهم: إن مناظرة المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام منشورة في كتابه “الحرب المقدسة”، وقد عُقدت هذه المناظرة حين كان المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام قد أعلن أنه هو المسيح الموعود وكان المشايخ قد كفّروه، وأصدروا فتاوى بوجوب قتله.

يضيف حضرته رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ويقول: الأمن الذي تحظى به الجماعة حاليا لم يكن متيسرا في تلك الأيام، (علمًا أن تاريخ هذا الكلام يعود إلى 1923م) بل كان أفراد الجماعة كلهم في كل مكان يواجهون ظروفا صعبة لا يواجهها أفراد الجماعة الآن إلا في مناطق عددُهم بها قليل جدا. ففي ظل هذه الظروف عُقدت المناظرة مع مسيحي لأنه كان قد تحدى المسلمين من غير الأحمديين في منطقة جندياله للمبارزة، فوجّه هؤلاء المسلمون غير الأحمديين هذه الدعوة إلى المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام وطلبوا منه أن يناظر ذلك المسيحي نيابة عنهم.

باختصار، طُلب من شخص غير أحمدي أن يناظر مسيحيا، ثم وُجّهت الدعوة إلى المسيح الموعود لهذا الغرض. فاستعد لها حضرته عَلَيهِ السَلام فورا. ولم يقل حينئذ إن المسيحيين ليسوا أعداء ألداء لنا كعداوة المسلمين غير الأحمديين، لأن المسيحيين لم يفتوا بقتله ولكن المشايخ غير الأحمديين كانوا قد أفتوا سلفا بقتله عَلَيهِ السَلام. ولكن عندما طُلب منه- وإن كان الطلب من قِبل المسلمين غير الأحمديين- المناظرة لإقامة عزة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وعزة الإسلام وترسيخ دعائم وحدانية الله عز وجل. خاض المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام المناظرة فورا، وسافر مغادرا قاديان. فبسبب غيرته الإيمانية لم يبال بشيء.

على أية حال، كانت هذه المناظرة طويلة فامتدت إلى 15 يوما، وفي نهايتها دعا المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام وحدد معيارا (للتمييز بين الصادق والكاذب) وتنبأ بنبوءة. وقال المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام بشأن تلك النبوءة: “ما كُشف عليّ هذه الليلة هو ما يلي: عندما دعوت الله تعالى بكل تضرع وابتهال، وسألته أن يحكم في هذا الأمر، وقلت إننا لسنا سوى عباد ضعفاء، وبدون حكمك لا نستطيع أن نحقق شيئا، أعطاني ربي هذه الآية بشارة منه، مؤدّاها أن الفريق الذي يختار الباطل عمدا في هذا النقاش من بين الفريقين ويترك الإله الحق ويؤلِّه الإنسان الضعيف، مصيره أنه سيُلقى في الهاوية خلال خمسة عشر شهرا، أي شهر مقابل كل يوم من أيام المناظرة، وأنه سيلقى ذلا وهوانا كبيرين إذا لم يرجع إلى الحق. أما الذي على الحق، ويؤمن بالله الحق، فستظهر بذلك عزته وإكرامه”.

إذًا، كان المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام يؤمن بإله صادق أما المسيحيون فكانوا قد ألّـهوا يسوعَ وكانوا يناقشون الموضوع نفسه. على أية حال، كانت المناظرة طويلة كما قلتُ، وقد رأى العالم كله عاقبتها أيضا، وقد روى المصلح الموعود حادثين اثنين بهذا الشأن وسأسردهما عليكم.

فقد ذكر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الخواجه غلام فريد من “شاشران شريف” في أثناء الحديث عن هذا الموضوع أنه عندما مضى ميعاد نبوءة المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام الإنذارية عن عبد الله آتهم ولم يمت عبد الله آتهم بدأ أصحاب النظرة السطحية بإثارة الشغب والضجيج قائلين بأن نبوءة المرزا كانت كاذبة.

ذات مرة بدأ يسخر بعض الناس في بلاط نواب بهاولبور أن نبوءة ميرزا المحترم لم تتحقق إذ إن آتهم ما زال حيًّا، وكان في المجلس خواجه غلام فريد المحترم من “شاشران شريف” أيضا وكان النواب من مريديه. وأثناء الحديث خرجتْ من فم النواب أيضا جملةٌ، نعم، إن نبوءة الميرزا المحترم لم تتحقق. فتحمَّس الخواجه المحترم كثيرا وقال بمنتهى الجلال: من ذا الذي يقول إن آتهم حيٌّ، إنما أرى جثمانه، فصمت النواب المحترم. يقول سيدنا المصلح الموعود بعد سرْد هذا الحادث: بعض الناس يبدون أحياءً في الظاهر لكنهم في الحقيقة أموات، ويبدو البعض الآخرون أمواتا لكنهم في نظر الله أحياء. أما الذين هم أحياء فيرى أصحاب الرؤية الروحانية ألوفا منهم موتى. فقد ورد عن أحد الصالحين أنه كان يقيم في المقبرة وحين سأله أحدٌ ذات مرة لماذا تركتَ الأحياء وأتيت إلى هنا في المقبرة. فقال: إنما أرى الجميع في المدينة موتى، أما هنا فأرى أحياء. فليس من شأن كل واحد معرفةُ الأحياء والموتى الروحانيين، ويجب على المؤمن الحقيقي أن يسعى لإحراز هذه المعرفة. لكنه إذا كان المرء يملك النظرة الروحانية فعندها يقدر على تمييز الموتى من الأحياء، ويجب أن يسعى لذلك كلُّ واحد منا. أما عبد الله آتهم فأودّ أن أخبركم أنه لم يكن ميتا روحانيا فحسب بل كان قد أصابه الموت المادي أيضا بحسب النبوءة، إلا أنه حصل تأخير قليل وذلك لأسباب قد بيَّنها المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام بنفسه. ثم عن النبوءة بحق آتهم نفسها قد بين المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في موضع فقال: يجب على المؤمن أن يتوكل على الله، صحيح أن الله هو الذي ينجز الأعمال لكن يجب علينا أن نفعل ونفكر ونقول بحسب ما قاله الله عز وجل حصرا. أي يجب أن نفعل ونفكر ونقول بحسب ما يقوله الله لنا. فحين أعلن المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام النبوءة ضد آتهم وانقضى الميعاد كان عمري يومذاك ست أو سبع سنوات، وأتذكر ذلك المشهد جيدا حيث كانت المكتبة في قاديان وكانت السيارة واقفة في الغرفة المجاورة لها وكان الخليفة الأول يلقي الدرس في الغرفة الواقعة غربها أو كان يطبب فيها، كما ظل المولوي قطب الدين رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هو الآخر يطبب فيها في الأيام الأخيرة، وكانت معها أيضا حجرةٌ تودع فيها الكتب وكانت فيها مطبعة لسيدنا المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام وفي الغرفة التي كان الخليفة الأول يطبب فيها يتم فيها تجليد الكتب ومن ثم توضع في الحجرة. باختصار كان بعض تلامذة الخليفة الأول أيضا يقيمون فيها. في ذلك الزمن كان قليل من الناس يأتون إلى هناك لذا كان الذين يأتون عادة يدْرسون عند الخليفة الأول وكان المكان نفسه مدرسة يدرِّس فيها الخليفة الأول ولم تكن هناك أي مدرسة أخرى. وكان الناس يدرسون عند حضرته ويخدمون الجماعة أيضا. أنا أتذكر جيدا أني عند انتهاء ميعاد النبوءة عن آتهم- وربما كان ذلك في أواخر 1894 أو أوائل 1895- كنت صغيرا إذ كان عمري يومذاك خمس سنوات ونصف أو ست سنوات. وما زلت أتذكر ذلك المشهد، ولم أكن أفهمه يومذاك لأني كنت صغيرا. لكنني الآن أفهم من خلال الأحداث أنه في اليوم الأخير من ميعاد النبوءة عن آتهم أي يوم انتهاء مدة الخمسة عشر شهرا كان الناس يصرخون باكين ويدْعون متضرعين أن يموت آتهم. وكان ذلك بين العصر والمغرب، ثم حانت الصلاة وصلَّى المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام بالناس وبعد الصلاة جلس. لم أكن أحضر في هذه المجالس بانتظام بل كنت أجلس فيه نادرا، لكنني في ذلك اليوم جلست في المجلس، وأتذكر أن المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام أبدى الغضب على الذين كانوا يدعون الله بابتهال لموت آتهم، وقال: هل عند أحد غيرةٌ على كلام الله أكثر منه؟ فحين قال الله عز وجل إنه سيحدث كذا فعلينا أن نؤمن حتما بأنه سيحدث لا محالة. أما إذا كنا أخطأنا في فهم كلام الله فليس لزاما على الله أن يقرر بحسب خطأنا، أي إذا كنا فهمنا الأمر خطأً فليس الله ملزما بأن يحقق الأمر بحسب ما فهمناه. وحين آمنا بأنه شخص صادق فإن من واجبنا أن نوقن ونثق بما يقول.

باختصار من واجب المؤمن أن يتوكل على الله. إن كلام الله يتحقق في كل حال. وهذه النبوءة كما ذكرتُ تحققتْ حتما بقوة، وإن كانت تأخرت مؤقتا لتوبة عبد الله آتهم لكنه صار فريسة لها أخيرا. وفي هذا الخصوص تكلم المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام في مواضع عدة وأذكر لكم واحدا أو اثنين. فقد قال في بيان النبوءة عن آتهم: على أبناء جماعتنا أن يتذكروا هذه المسائل دوما، فلا يغيبنَّ عن البال بخصوص رجوع آتهم أنه أخرج لسانه فور سماع النبوءة ووضع يديه على أذنيه وارتجف وشحب لونه، وقد لوحظ رجوعه عند جماعة كبيرة، ثم استولى عليه الخوف وظل ينتقل من مدينة إلى أخرى، وتخلى عن المعارضة ولم ينشر قط أي عبارة ضد الإسلام. وحين دعي للقسم من خلال الإعلان على أن يُمنح جائزة لم يستجب، ثم هلك تحقيقا للنبوءة الصادرة ضده عقابا على كتمان الشهادة. فلو عُرضت هذه الأمور على أي مسيحي منصف لما وجد بدًّا من التسليم. باختصار إن تذكُّر المسائل على هذا المنوال واجب، وقراءة الكتب أمر مهم. وتعرفون ذلك إذا قرأتم كتب المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام.

ثم قال حضرته في موضع: إن هذه النبوءة كانت شرطية فقد ظل فزعا مذعورا ويتنقل من مدينة إلى أخرى، فلو كان يوقن ويثق بربه المسيح فما معنى هذا الاضطراب الكبير؟ إلا أنه حين أخفى الحق وأراد إضلال العالم- لأن إخفاء الحق كان يمكن أن يكون حجر عثرة في طريق بعض غير المطلعين- فقد أخذه من هذه الدنيا بحسب وعده الصادق في الشهر السابع من صدور إعلاني الأخير، والموتُ الذي كان يخافه ويهرب منه قد أصابه. لا أفهم أي إشكال يمكن أن يواجهه الناس في قضية آتهم. فالقرائن القوية موجودة بكثرة ومع ذلك ينكرون. ومعلوم أن المحاكم تدين المجرمين بالقرائن القوية بالإعدام. باختصار كانت هذه الآية المتعلقة بآتهم عظيمة وقد ورد في البراهين الأحمدية إلهام بكلمات صريحة وواضحة عن هذه الفتنة.

ثم قال حضرته في موضع في بيان هذه النبوءة: لقد قيل فيها “إذا لم يرجع إلى الحق”، ولم يرد فيها “بشرط أن يُسلم”. لقد سبق له أن سمّى النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم دجالا –والعياذ بالله- وكان هذا هو الدافع إلى المناظرة، ثم عندما أعلنتُ النبوءة ووضع يديه على أذنيه على الفور وقال: معاذ الله، معاذ الله، لا أسميه دجالا.

إن هؤلاء الناس لا يدركون أن التنصُّر أو عبادة الأوثان وحدها لا تستدعي العذاب في الدنيا، بل إن يوم القيامة مقرَّر لمثل هذه العذابات. العذاب يحلّ دائما نتيجة التجاسر والتجرّؤ. فلو لم يتجاسر أبو جهل وغيرُه ولم يثيروا الفتن لما نزل العذاب. إن مجرد الاعتقاد بالباطل لا يستدعي عذابا ولا يستصدر أي نبوءة، وإنما تصدر النبوءات نتيجة التجاسر دائما… مهما عبد الإنسان أوثاناً أو عبد أناسًا فلا ينـزل عليه العذاب ما لم يتجاسر. لو نزل العذاب بناء على الأمور المذكورة آنفا ماذا سيبقى ليوم القيامة؟.. السجن الحقيقي للكفار هو القيامة (أي مكان اتخاذ القرار عن مصير الناس هو القيامة)، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا إذًا يحل العذاب في الدنيا؟ وجوابه بإيجاز أنه ينـزل نتيجة التجاسر. (أي أن العذابات التي تنـزل في هذا العالم فإنما بسبب التجاسر).

لقد حاول خلال هذه المناظرة القسس -الذين كانت المناظرة تتم معهم- أن يظهروا للناس ضعف المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام فكادوا له واختاروا طريقا لإهانته أمام الناس، ولكن الله تعالى قلّب عليهم شرَّهم وطرأتْ عليهم حالة من القلق الشديد، وكانت جديرة بالرؤية على حد قول الذين عاينوها.

يقول المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عن الخليفة الأول رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنه كان يقول –لأن المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يقول بأنني كنت طفلا صغيرًا حينذاك- : لقد رأينا أثناء المناظرة التي تمت مع القسيس “آتهم” مشهدًا أذهل عقولنا أولا ثم رفع إيماننا إلى السماء. فلما عجز القسس في المناظرة ورأوا أنهم لا تنفعهم حيلة تجاه حضرته عَلَيهِ السَلام، مكروا مكرًا بمساعدة بعض المسلمين ليستهزئوا به عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام، فأحضروا في أحد الأيام بعض الصمّ والعُمي والعُرج قبل موعد المناظرة وأجلسوهم جانبا، ولما حضر المسيح الموعود عَلَيْهِٰ السَلام قدّموهم إليه فجأة وقالوا: إن هذا النـزاع لن يُحسَم بالنقاشات؛ إنك تدعي بأنك مثيل للمسيح الناصري، وكان المسيح يهب البصر للعُمي والسمع للصُمّ وقوة المشي للعُرج؛ وقد أحضرنا كل هؤلاء لكي لا تتعب في البحث عنهم، فإذا كنت مثيلاً للمسيح الناصري حقًّا فاشفِهم. يقول حضرة الخليفة الأول رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لما سمعنا كلام القسس وجلت قلوبنا وأصابنا قلق شديد، إذ كنا نعلم أنه كلام فارغ، ولكن خشينا شماتة الأعداء واستهزاءهم إذ لعلهم بهذه الحيلة يجدون فرصة لذلك. فلما نظرنا إلى المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام لم نجد عليه أي آثار للقلق أو الضيق، بل لما فرغ القسس من كلامهم قال: أيها القسيس المحترم: إن المسيح الذي أدّعي بأني مثيل له لم يكن، بحسب تعليم الإسلام، يشفي العمي والصم والعرج الماديين، وإنما أنتم الذين تعتقدون بأن المسيح كان يشفي العمي والصم والعرج الماديين؛ وقد ورد في كتابكم أيضًا أنه لو كان فيكم إيمانٌ مثلُ حبّةِ خردلٍ لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقِلْ من هنا إلى هناك فينتقل، وتُرون ما أريكم من معجزات. (متى 17: 20 ولوقا 17: 6 ومرقس 16: 18)؛ فلا يحق لكم أن تطالبوني بهذا، أما أنا فعلى أتم الاستعداد لإراءة معجزات أراها سيدي محمد المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، ولو طالبتموني بها فإني مستعد لأريكم إياها. أما المعجزات التي تقولون أن المسيح قد أراها فإن كتابكم يعلن أن كل مسيحي فيه حبة خردل من الإيمان قادرٌ على أن يُريها؛ وقد أحسنتم صنعًا إذ وفّرتم علينا تعب البحث عن العُمي والصم والعرج، فاشفوهم إن كان فيكم مثقال حبة خردل من الإيمان. ويروي الخليفة الأول رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أن هذا الجواب بهت أولئك القسيسين الكبار، فأخذوا يُبعدون العُميَ والصمّ والعرج عن أنفسهم. (الحرب المقدسة، الخزائن الروحانية، المجلد 6، ص 150-156)

إذًا، فإن الله تعالى يُكرم مقرّبيه في كل موطن، ويلهمهم من الأجوبة ما يبهت الأعداء تمامًا.

كان أحد يكنّ للمسيح الموعود عَلَيهِ السَلام تقديرًا كبيرًا بداية ثم ارتدّ، يقول عنه المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : كان شخص يُدعى مير عباس علي، وكان يكنّ لحضرته عَلَيهِ السَلام إخلاصًا كبيرًا لدرجة تلقى حضرته وحيًا أيضا عن حالته التي كان عليها في ذلك الوقت. فلما تمت المناظرة بين المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام وبين المولوي محمد حسين البطالوي حمل إليه مير عباس علي رسالةَ حضرتِه، فلما وصل هناك استُقبِل بكل تقدير واحترام من قِبل المولوي محمد حسين والمشايخ الكبار الآخرين حيث أخذوا يقبّلون يديه قائلين: إنك تنحدر من آل الرسول صلى الله عليه وسلم، وإننا مستعدون لبيعة أمثالك ولكن من أين خرجَ لنا هذا المغولي؟ لو كان هناك مبعوثٌ موعودٌ بمجيئه لكان ينبغي أن يأتي من عائلة السادات. ثم ذكروا بعض الأمور المتعلقة بالتصوف والصوفية. ولما كان مير عباس علي يقدّر الصوفية أيما تقدير فقد ذكر له هؤلاء المشايخ بعض القصص للصوفية من هنا وهناك قائلين إنهم كانوا يُرون مثل هذه الأعاجيب، ثم قالوا له بعد ذكر هذه الواقعات: إذا كان “مرزا صاحب” على شيء فليُرِنا من هذه الأعاجيب شيئًا وسنؤمن به اليوم، مثلا فليمسك الحية أو يقوم بشيء من هذا القبيل. لقد وقر هذا الأمر في قلب مير عباس علي، فلما جاء إلى حضرته عَلَيهِ السَلام قال: سيدي إذا أريتَ كرامة آمنَ بك المشايخ كلُّهم.

كان حضرته عَلَيهِ السَلام يقول: لما خرجتْ كلمة الكرامة من لسان مير عباس علي تيقنتُ أن المشايخ أوقعوه في فخّهم. ثم نصحه المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام كثيرًا وأفهمه كثيرا ولكنه لم يستوعب شيئا وكانت النتيجة أنه ضاع إيمانُه وتلاشى تقديرُه وإخلاصُه الذي يكنه لحضرته.

ثم ذكر حضرته رَضِيَ اللهُ عَنْهُ واقعة مير عباس علي هذه وقال: لقد أُعلِم المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام عن مير عباس علي مرة أنه صالح، وتلقّى وحيًا بهذا الخصوص فأصبح حضرتُه يمدحه بناء عليه، ولكنه لم يُعطَ حتى ذلك الوقت علمًا بمصيره، ولم يعرف أنه سيرتد في يوم من الأيام، بل أعلمه الله لاحقا بهذا الأمر. فعِلمُ الإنسان محدود جدا، وعِلمُ الله هو الكامل الشامل لكل شيء، ولا يستطيع أحد أن يحيط بعلومه. ولا يخبر الأنبياءُ الناس إلا بالقدر الذي يخبرهم الله تعالى.

وهناك أمر آخر يتعلق بمير عباس علي الذي كان يكنّ للمسيح الموعود عَلَيهِ السَلام تقديرًا كبيرًا وعميقًا وتلقّى حضرته عنه وحيًا فأثنى على قواه الروحانية ولكنه ارتد فيما بعد، فاعترض بعض الناس على المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام أنه ما دام قد ورد مدحه في الوحي الإلهي فلماذا ارتدّ إذًا؟ قال حضرته: لا شك أن الوحي كان يتضمن مدحه، وكان كلام الله يُنبئ عن تمتّعِه بقوى روحانية عُليا، ولكنه لما استخدم هذه القوى في غير محلها تولّد فيه الكبر والغرور فنـزل عليه غضب الله تعالى وبالتالي ارتد.

يقول المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: يخبرنا دعاء سورة الفاتحة أن مرض النفاق والكفر يلازمان الإنسان كل حين وآن، ويهاجمانه بعد دخوله في المنعم عليهم، أي يهاجمانه بعد دخوله في حزب الذين أنعم الله عليهم، والدليل على ذلك أن اليهود والنصارى المذكورين في سورة الفاتحة ما آلوا إلى حالتهم هذه إلا بعد دخولهم في المنعم عليهم. فإن لم يعرف المنعم عليهم مكانتَهم ويتصرفوا بحسبها فإن الله تعالى يُدخلهم بسبب تكبرهم إما في المغضوب عليهم أو في الضالين، فينبغي أن تتذكروا هذه النقطة دومًا. وينبغي أن تتذكروا الدعاء الذي علمنا الله تعالى في آخر سورة الفاتحة من أجل تجنب السيئات وذلك لكي يجعلنا الله تعالى ضمن المنعم عليهم دومًا وألا تظهر فينا الآثار السيئة المذكورة.

لا يمكن بناءَ صلاحِ أحدٍ على علمه، يقول عن ذلك حضرته رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إذا افترضنا بناء الفضيلة والصلاح على العلم فحسب، لزِمَنا تكذيبَ أنبياءِ العالم كلهم، والعياذ بالله، وذلك لأن الذين يعارضونهم عمومًا هم العلماء. أي إن العلماء المعروفين هم الذين كانوا يعارضون أنبياء زمنهم. لقد عارض المسيحَ الموعود عَلَيهِ السَلام أيضا مثل هؤلاء الذين كانوا يحسبون أنفسهم علماء كبارًا بحسب العلوم الظاهرية لدرجة أن المولوي محمد حسين البطالوي كان يكتب عن المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام بكل ازدراء: “منشي غلام أحمد”، أي وكأن حضرته مجرّد كاتب أو محرر بحيث يستطيع كتابة أربعة أسطر، ولكنه ليس بعالم، وكان يتبجح بهذا الأمر ويبتهج لأنه كتب عن المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام بأنه محرر أو كاتب.

ثم ذكر حضرته رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قائلا: كنت صغير السن عندما ذكر المولوي سيد محمد أحسن الأمروهي في المجلس: إن المولوي محمد حسين البطالوي كتب عني بأنني “المولوي”، ولكنه كتب عن المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام بأنه محرر أو كاتب.

يقول المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: لقد ساءني آنذاك مع صغري أنه لماذا ذكر هذا الأمر في المجلس، ولا يزال يسوءني.

فعلى المؤمنين أن ينتقوا كلمات لائقة محترمة، أو لا حاجة بهم لذكر مثل هذه الأحداث.

لنستمع الآن إلى واقعة ذكرها حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه عن مدى تمسك المسيح الموعود عليه السلام بالصدق.

وضع حضرته عليه الصلاة والسلام رسالة في طرد للكتب بعثه إلى أحد عبر البريد بدون أن يعلم أن هذا ممنوع بحسب تعليمات وقواعد خدمة البريد، فرفع مكتب البريد قضية ضده عليه السلام، وعينوا مسئولا لهم لمتابعة القضية، وقد سعى هذا المسئول لمعاقبة حضرته على هذه الجريمة ليكون عبرة للآخرين. فقال المحامي للمسيح الموعود عليه السلام: الأمر سهل جدا، إن رجال البريد لم يفتحوا طردك أمام الشهود، فعليك أن تقول في بيانك أنك أرسلت الرسالة منفصلة عن الطرد، ولكنهم بسبب عدائهم يقولون إنها كانت موضوعة في الطرد. فقال حضرته: هذا كذب صريح. قال المحامي: لن تنجو من العقاب بدون هذا القول. قال عليه السلام: لن أكذب مهما حدث. فلما سئل حضرته في المحكمة: هل أنت وضعت الرسالة في الطرد؟ قال: نعم، أنا وضعتها في الطرد، ولكني لم أكن على علم بهذه التعليمات البريدية. ويقول حضرته عليه السلام: فألقى النائب العام خطابا طويلا مصرًّا على إنزال العقاب بي لأكون عبرة للآخرين. ولما كان خطابه بالإنجليزية فلم أفهم منه شيئا، إلا أن القاضي عندما كان يقول: no, no فكنت أفهم قوله هذا. ولما انتهى النائب العام من خطابه قال القاضي: ما دام قد صدق القول فإني أحكم ببراءته.

لقد استمعنا إلى هذه الواقعة وقرأناها مرارا، وقد ذكرتها أنا أيضا في مناسبات كثيرة، ولكنا نكتفي بالاستمتاع بسماعها فقط للأسف. هذا نموذج قدمه لنا حضرته في قول الحق، لذا فعلى الذين يفشلون في قول الحق من أجل بعض مصالحهم الشخصية أن يفحصوا أنفسهم. في هذه الدول يتحايل الناس من أجل الحصول على معونات حكومية، أو على حق اللجوء، أو على أموال من شركات التأمين، وعلى الأحمديين الذين يلجأون إلى مثل هذه الحيل أن يفكروا ويعلموا أنهم إنما يلجأون إلى هذه الحيل الدنيوية غير المشروعة من أجل حطام الدنيا، وهذا لا يليق بمسلم أحمدي أبدا.

الآن أذكر لكم شيئا عن الرقية والتمائم التي يميل إليها كثير من الناس. كتب حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه: قال المسيح الموعود عليه السلام إن أبا هريرة رضي الله عنه كان أقل تفقهًا من الصحابة الآخرين، فأثار المشايخ على قوله هذا ضجة كبيرة، ولكن الحق حق، فإن كل الروايات التي يستغلها المسيحيون للهجوم على الإسلام هي مروية عن أبي هريرة رضي الله عنه. السبب أنه رضي الله عنه كان لا يراعي السياق في ذكر مختلف الأحداث والأمور ويذكر أجزاء من الكلام غير مستوعب لها تماما، أما غيره من الصحابة فكانوا يروون الأمور والأحداث آخذين في الاعتبار سياقها. لقد بدأت الروايات عن المسيح الموعود عليه السلام تُنشر الآن، وكثير منها مروية عن أناس لم يكونوا متفقهين في الدين، فيعترض علينا الناس بسببها. فنُشرت ذات مرة رواية أنه لما بقي يوم واحد في انقضاء المدة المضروبة لتحقق نبوءة هلاك “آتهم” قال المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام للبعض أن يأتوه بحبات الحمص بعدد كذا بعد أن يقرأوا عليها سورة معينة كذا مرة، فلما جاءوه بالحبات بعد قراءة السورة عليها بالمرات المطلوبة ذهب بها خارج قاديان وألقاها في بئر معطلة بسرعة ثم ولى مدبرا ولم يعقب. ويتابع حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه ويقول: لما أثير أمامي الاعتراض على هذه الرواية سألت المسئولين وقلت: لماذا كتبتم هذه الرواية، فإنها تنافي عمل المسيح الموعود عليه السلام تماما، وتوحي وكأن حضرته أيضا كان يلجأ إلى اتخاذ الرقى والتمائم والعياذ بالله. ثم قمت بتحري الأمر فتبين أن شخصا كان قد رأى رؤيا كهذه فذكرها لحضرته عليه السلام، فقال له حضرته: يمكنك تحقيقها في الظاهر. وتحقيق الرؤيا في الظاهر شيء، أما القيام بمثل هذا العمل إرادةً وعمدًا فشيء مختلف تماما. ويكون وراء تحقيق الرؤيا ظاهرا في بعض الأحيان هدف خاص، ألا وهو أن يدفع الله ما في الرؤيا من شر إنْ أراد، فقد كتب المعبرون أن الرؤيا المنذرة إذا ما تم تحقيقها ظاهرا فلا يظهر ما فيها من شر بإذن الله إذ يعدّ الله تحقيقها ظاهرا تحقُّقَها في الواقع. ونجد مثالا على ذلك في الحديث، فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم سواري كسرى في يد سراقة بن مالك، وكان فيه إشارة إلى فتح بلاد الفرس وهذا هو التعبير الذي نذكره عموما، ولكن كان في ذلك إشارة أيضا إلى أنه بعد فتح البلاد الفارسية سوف تقع على الإسلام بعض المصائب والمشاكل من قبل الفرس، ذلك أن رؤية الذهب في المنام تعني الهم والمصيبة، ففهم سيدنا عمر رضي الله عنه هذه الرسالة الكامنة في الرؤيا، فدعا سراقة وقال له البس هذه الأَسْورِة والا سأضربك بالسياط. لا شك أنّ لبس الذهب ممنوع على الرجال، ولكن عمر رضي الله عنه ألبسها سراقة ليس تحقيقا لرؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر فحسب، بل أيضا دفعًا لأي شر كامن في الرؤيا. وبالفعل ألبَس عمر سراقة الأسورة الذهبية وهكذا حاول دفع ما في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم من دواعي الهم والغم.

وعليه فإن بعض الأمور تثير التساؤل إذا ما ذُكرت مقطوعة عن سياقها وسباقها. مرة ألقى المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ خطبة نصح فيها أفراد الجماعة بتجنب الخصومات وأعمال الفساد، وكان ذلك في عام 1931، وقال بأن الجماعة قد بلغت مرحلة نضوجها فعلينا الآن أن نجعل أنفسنا وإيمانَنا متوافقًا مع العلوم الدينية، أي ينبغي أن نجعل عملنا متماشيًا مع علوم ديننا. بعد ذكر هذا الأمر أخبر حضرته أنه قد طُرد أحد من الجماعة لهذا السبب نفسه. فلما بدأ حضرته بالخطبة الثانية وقف أحد يسأل الخليفة الثاني: سيدي، ما اسم هذا الشخص الذي أُعلِن عن طرده؟ فقال له أحدٌ آخر: ينبغي تجنبَ الكلام أثناء الخطبة. تبسّم المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ثم ذكر واقعة للمسيح الموعود عَلَيهِ السَلام أن حضرته عَلَيهِ السَلام كان يذكر في المجلس مرة حادثَ تفتيش بيته وأنه قام به مفتش الشرطة في غورداسبور بعد حادثة قتل ليكهرام. قال حضرته: لما أراد مفتش الشرطة المرور من إحدى الأبواب الصغيرة اصطدم رأسه بقوة بحلْق الباب فاختل توازنه. قدّمنا له حليبًا للشرب إلا أنه رفض قائلا: جئت هنا للتفتيش، وشرب الحليب هنا يخالف واجباتي المهنية. هذا ما ردّ به المفتش على المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام. فلما سمع ذلك هذا الشخص (الذي ذُكر قبل قليل أنه سأل المصلح الموعود عن اسم المعلَن عن طرده) سأل المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام فورًا: هل أُدمي رأسُه أم لا؟ تبسم حضرته عَلَيهِ السَلام وقال: لم أخلع قبعته لأرى ذلك.

فبعض الناس يعتادون على الكلام دونما سبب أحيانًا. على أية حال، يمنع الكلام أثناء الخطبة. ومن تكلَّم ونصَحَه أحدٌ بأن الكلام أثناء الخطبة ممنوعٌ فإن تصرفَه أيضا خاطئ. يمكن إيصال الفكرة بالإشارة أو يتم النصح بعد الخطبة. وعلى ذلك أيضا ذكر المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ طرفةً أخرى فقال: جاء شخص إلى المسجد حين كانت الصلاة بالجماعة تُقام فألقى السلام بصوت عالٍ، وردَّ عليه أحد المصلين بصوت عال: وعليكم السلام، فقال له مصلّ آخر بجنبه: ألا تعرف أن الكلام ممنوع أثناء الصلاة؟ فلماذا رددت عليه السلام؟

على أية حال، ينبغي أن تتذكروا أن الخطبة أيضا جزء من الصلاة لذلك يمنع التكلم أثناء الخطبة. إذا كانت هناك حاجة للتكلم أو لمنع شيء فبإمكان الإمام الذي يلقي الخطبة أن يفعل ذلك، أما أثناء الصلاة فلا يحق للإمام أيضا أن يتكلم. ينبغي تربية الأولاد في البيت من البداية أنه كما يُمنع الكلام أثناء الصلاة كذلك يمنع أثناء الخطبة أيضا.

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.