خطبة الجمعة بتاريخ 06/02/2015

آخر تحديث : الخميس 8 سبتمبر 2016 - 6:36 مساءً
2015 02 10
2016 09 08
خطبة الجمعة بتاريخ 06/02/2015
خطبة صلاة الجمعة

خطبة الجمعة التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام يوم 06/02/2015 في مسجد بيت الفتوح بلندن.

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضالِّينَ، آمين.

يتوقف ظهور النتائج الإيجابية أو السلبية لمطالعة كتب المسيح الموعود عليه السلام على التفكير الذي يطالعها به صاحبه. ذكر المصلح الموعود رضي الله عنه حدثًا يتعلق بهذا الأمر فيقول: أتذكر واقعة تدل على أنه في المجتمعات الجدلية التي تخوض في المباحثات والمناظرات يتكلم أحدهم فيها مدافعًا عن فكرة والآخر يعارضه فيها، وكثيرًا ما يؤثر هذا الأمر سلبًا على الأفكار، لأن المتكلمين في هذه المباحثات لا يتكلمون بما في قلوبهم بل يشتركون في مبارزة كلامية ولا بد أن يتفوهوا فيها بشيء. يقول المصلح الموعود رضي الله عنه أن هذا الأمر يؤدي إلى إفساد الإيمان أحيانًا. يقول حضرته: ذكر المولوي محمد أحسن الأمروهي للمسيح الموعود عليه السلام أن المولوي بشير أحمد كان مؤيّدًا جدًّا للمسيح الموعود عليه السلام، أما أنا فكنت معارضًا شديدًا (أي أن المولوي محمد أحسن كان معارضا جدًّا). كان المولوي بشير يوصي الجميع بقراءة البراهين الأحمدية وكان يقول بأن مؤلفه مجدّد. فقلت له في نهاية المطاف (أي قال المولوي محمد أحسن للمولوي بشير أحمد): تعال نناظر إذا كان هو مجدد أم لا. ولكن ينبغي أن تكون المناظرة على النحو التالي: بما أنك مؤيّد له فاقرأ كتبه بنظرة معارض له، أما أنا فمعارض له فسأقرأها بنظرة الموافق. فحُدِّدت سبعة أو ثمانية أيام لمطالعة الكتب، فقد قرأا الكتب وكانت النتيجة هي أنني كنت معارضا (أي يقول المولوي محمد أحسن: بأنني كنت معارضا) فصرت أحمديا، أما هو فكان قريبًا من حضرته إلا أنه ابتعد كثيرا. (لقد فهم المولوي محمد أحسن الأمر فقبله، أما المولوي بشير فقد غادر الإيمانُ قلبَه.)

يعلق عليه المصلح الموعود رضي الله عنه فيقول: المناظرات ضارة جدًّا وفق ما يخبرنا علم النفس، وتؤدي إلى إلحاق أضرار فادحة أحيانا. ليس كل مدرّس يتأهل لفهم هذه المسائل الدقيقة. فإذا بحث أحد في الأشياء الجيدة عن بعض المفاهيم من أجل نقدها والاعتراض عليها فإنها قد تتحول عثارًا له.

هناك كثير من الناس يعترضون على كتب المسيح الموعود عليه السلام ويقولون بأننا قرأنا بأنفسنا وكان مكتوبًا هنالك هذا أو ذاك. يجد هؤلاء مثل هذه الأمور لأنهم لا يقرأون إلا بحثا عن الاعتراضات، ثم يقطعون الكلام عن السياق والسباق، فإنه ليس بأمر جديد علينا إذ إن المعترضين يثيرون اعتراضاتٍ على كلام الله أيضا، ويقول الله تعالى عن القرآن الكريم بأنه شفاء ورحمة للمؤمنين، أما المعترضون فإنهم ظالمون ولا يزيد القرآنُ الظالمينَ إلا خسارا، فإنهم يبتعدون عن جادة الصواب ويزدادون اعتراضا على ذات الله تعالى، ويعترضون على الإسلام وعلى ضرورة الدين. فلا يستفيد الإنسان من كلام الله تعالى أيضا ما لم يسعَ جاهدًا لقراءته بقلب طاهر.

ثم يذكر المصلح الموعود رضي الله عنه واقعة حدثت مع المسيح الموعود عليه السلام وهي تتعلق بأهمية الصلاة، فيقول: ذهب المسيح الموعود عليه السلام مرة لمتابعة إحدى القضايا في المحكمة، فتأخر عرضُ القضية للمداولة حتى حان وقت الصلاة. مع أن الناس منعوه  من المغادرة إلا أنه غادر المكان لأداء الصلاة، وبعد خروجه دُعي لمتابعة القضية إلا أنه ظلّ مشغولا بالعبادة، ولم يعد للمحكمة إلا بعد أن فرغ من الصلاة. وفق القاعدة المتبعة في المحكمة كان ينبغي أن يقضي القاضي ضدّه، ولكن الله أحب فعلَه هذا لدرجة نبّه القاضي إلى أن حضرته كان يؤدي الصلاة ويعبد ربّه، فتغاضى عن عدم حضورِه وقرر لصالحه أو لصالح والده. لم تكن هذه قضايا حضرتِه بل كانت قضايا عقاراتِ والده فكان يذهب لمتابعتها مضطرًّا من أجل والده.

ثم يذكر المصلح الموعود رضي الله عنه عن أهمية الصلاة بالجماعة وعن طريقٍ كان يتبعه حضرته، وكيف ينبغي علينا أن نعتاد الصلاة بالجماعة. قال حضرته: هناك طريقة لأداء الصلاة بالجماعة وهي أن يصلي المرء الصلاة بالجماعة مع أولاده وزوجته. وبسبب عدم مواظبة الناس على الصلاة بالجماعة لم تعد تعي قلوبهم أهميتها العظيمة. ينبغي التخلي عن هذه العادة أي عادة أداء الصلاة فرديًا وينبغي تبنِّي عادة أداء الصلاة بالجماعة. إذا حدث للمسيح الموعود عليه السلام أنه لم يستطع الذهاب إلى المسجد فكان يصلي في البيت إمامًا، ولم يكن يصلي وحده إلا على سبيل الندرة وبالاضطرار الشديد. كان يُشرك والدتَنا في الصلاة ويؤمها، وكانت نسوة أخريات أيضا يشتركن مع والدتنا. فأولا ينبغي على الإخوة أن يؤدوا الصلاة بالجماعة مجتمعين، ومن لم تسنح له هذه الفرصة فليصلِّها بالجماعة مع زوجته وأولاده. باختصار ينبغي على الإخوة أن يهتموا بالصلاة بالجماعة. وإذا كانت المدينة كبيرة ويقيم الإخوة في الأماكن المتباعدة فينبغي أن يؤدي أهل الحي الصلاة بالجماعة مجتمعين، وحيثما لا توجد المساجد فينبغي أن يسعى الإخوة لإنشائها.

باختصار، تقتضي أهمية الصلاة أنكم إذا كنتم في البيت فشاركوا الأولاد معكم وصلوا بالجماعة وذلك لينمو عند الأطفال أيضا إحساس بأهمية الصلاة بالجماعة.

إضافة إلى ذلك ركّز المسيح الموعود عليه السلام كثيرا على أداء الصلاة بكل شروطها. وقال المصلح الموعود رضي الله عنه: إذا صُلِّيت الصلاة بكل شروطها ومستلزماتها فإنها تتحول إلى شيء غاية في الجمال والروعة، ولكن إذا تركنا منها بعض الأمور بسبب تغافلنا وتجاهلنا فإنها تتحول إلى شيء لغو لا طائل منه، ولا يمكن أن تكون مثل هذه الصلاة مباركة. كان المسيح الموعود عليه السلام يقول: يصلي بعض الناس كما تنقر الدجاج الحبوب. لا يمكن أن تكون مثل هذه الصلاة نافعة، بل توجب لعنة أحيانًا.

شكى أحد إلى المصلح الموعود رضي الله عنه مرة أن العاملين تحت إدارتنا لا يسلمون علينا، أو الصغار لا يسلمون على الكبار، فقال ناصحًا: الأمر بإفشاء السلام موجّه إلى الكبار والصغار على حدٍّ سواء.

ثم قال المصلح الموعود رضي الله عنه: سمعت بيتًا من الشعر من المسيح الموعود عليه السلام ما معناه: إن لم يأت هو إليك يا “مير” فاذهبْ أنتَ إليه، فهل تجد منقصةً لك في ذهابك إليه؟

يقول حضرته : إذا كان أحد الإخوة لا يعمل بأمر النبي صلى الله عليه وسلم فلماذا لا نعمل به نحن. فإذا كانت الشكوى صحيحة فإن هذا العمل ينافي العقل ويخالف الأخلاق. لم يرد في أي مكان أن التسليم واجب على الصغير فقط وليس واجبًا على الكبير. فإن لم يُسلّم الصغيرُ فليبدأ به الكبير. يقول حضرته: دأبي هو أنني أبدأ بالسلام إذا كنت منتبهًا ولكن في بعض الأحيان لا أنتبه فيبدأ به الآخرون. يقول حضرته: ينبغي على النُظّار أن يكونوا أسوة في مثل هذه الأمور بدلا من إثارة الاعتراض. وعلى أصحاب المناصب في الجماعة أن يقيموا نموذجَهم في هذه الأمور مهما كان مستوى مناصبهم. وأن يبدأوا بالسلام، ولا يلزم أن ينتظروا ليبدأ الصغير أو العامل عندهم بإلقاء السلام. وهناك بعض أصحاب المناصب الذين لا يكادون يردّون على سلام الآخرين، ومثل هذه الشكاوى أيضا تصلني. فإذا كانت هناك شكاوى من قبل أصحاب المناصب فهناك شكاوى للناس أيضا منهم بأنهم لا يردّون على سلامهم، أو يردّون بصوت خافت جدًّا غير مفهوم، أو يردّون بعدم الاكتراث والاهتمام وكأن ردّ السلام تحول إلى مصيبة.

باختصار، ينبغي على كل فئة في الجماعة أن تعمل على إفشاء السلام، فقد ورد هذا الأمر في الحديث النبوي أيضا.

ثم يذكر المصلح الموعود رضي الله عنه واقعة تسلّط الضوء على كيفية معارضة الناس للمسيح الموعود عليه السلام فيقول عليه الصلاة والسلام: في أكتوبر 1897 اضطر المسيح الموعود عليه السلام للسفر إلى “مُلْتان” للإدلاء بشهادة. فلما رجع بعد الشهادة مكث عدة أيام في لاهور. وكلما مرّ من أي زقاق ثار عليه الناس وصخبوا وكالوا له الشتائم وأخذوا ينعتونه بنعوت قذرة. كان عمري آنذاك ثماني سنوات وكنت أيضا معه أثناء هذا السفر، فلم أكن أفهم سبب هذه المعارضة الشديدة له، لذلك كنت أتعجب جدًّا أنه لا يمرّ  من مكان إلا وكان الناس يقومون بالمكاء والتصدية خلفه. وأتذكر أحدَهم، كانت قد قُطعت إحدى يديه فلفّ ساعدَه بالقماش – ولا أدري إن كان بها جُرحُ قطعِ اليدِ أم جرحٌ جديدٌ آخر تعرّض له – كان هذا الشخص أيضا من بين الناس المصفِّقين والمصفِّرين، وكان يقف غالبًا على درج مسجد “وزير خان” ويضرب بيده المقطوعة على الأخرى ويثير ضجة مع الناس قائلا باللغة البنجابية: لقد هرب مرزا من الميدان! والعياذ بالله. كنت مندهشًا من رؤية هذا المشهد، وكانت حيرتي شديدة تجاه تصرف ذلك الشخص – الذي فقد إحدى يديه ومع ذلك كان يحاول التصفيق – لدرجة ظللتُ أنظر إليه من خلال نافذة المركبة لمدة طويلة. على أية حال، بعد أيامٍ رجع المسيح الموعود من لاهور إلى قاديان.

في إحدى القضايا عقد القاضي عزمًا بل أُخِذ منه موثقًا أنه لا بد أن يعاقب المسيح الموعود عليه السلام.

ذكر المصلح الموعود رضي الله عنه مقدمة قبل سرد هذه الواقعة فقال: لقد طلب النبي صلى الله عليه وسلم إحصاء المسلمين فكان عددهم سبعمئة مسلم، خطر ببال الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب الإحصاء لأنه يخاف أن يقضي علينا العدو فقالوا: يا رسول الله  أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ سبْعمِائَةٍ؟ هل يمكن أن يخطر بالبال أن أحدًا يستطيع أن يقضي علينا. ما أروع هذا الإيمان بحيث ظنّوا وعددهم سبعمئة بأنه لا تستطيع أية قوة من قوى العالم أن تقضي عليهم.

قال حضرته: إن قوة الإيمان قوة عظيمة. وهناك واقعة للمسيح الموعود عليه السلام حين كان في غورداسبور. يقول المصلح الموعود رضي الله عنه: لقد كنت هناك إلا أنني لم أكن في ذلك المجلس الذي حدثت فيه هذه الواقعة، فأخبرني عنها أحد كان حاضرًا فيه أن الخواجه كمال الدين وبعض الأحمديين الآخرين جاءوا قلقين وقالوا: ذهب إلى لاهور القاضي الذي عنده قضية حضرته فضغط عليه الآريا كثيرًا قائلين: إن مرزا صاحب معارض شديد لديانتنا فيجب أن تعاقبه ولو بسجن يومٍ، وبذلك ستقوم بخدمة لقومك عظيمة، فقد وعدهم بأنه سيحكم عليكم بعقوبة ما. كان المسيح الموعود مستلقيا فلما سمع هذا الكلام اتكأ على يده متمدّدًا على جنبه وقال: ما الذي تقوله أيها الخواجة؟! هل يستطيع أحد أن يمدّ يده على أسد الله؟

لقد عاقب الله تعالى ذلك القاضي حيث نُقل أولا إلى غورداسبور، ثم خُفِّضت رتبته، فأصبح قاضيًا عاديًا بعد أن كان رئيس لجنة القضاة، فبتّ قاض آخر في قضية حضرته. فإن قوة الإيمان عظيمةٌ جدًّا ولا يستطيع أحد مقاومتها.

وعليه فإن انضمام الجدد إلى الجماعة يكون نافعًا إذا كانوا يتحلون بالإيمان والإخلاص، ولا يكون مجرد ازدياد العدد باعثًا للفرحة والسرور. إذا كان في بيت أحدٍ عشرة كيلوغرامات من الحليب فلا يفرح بإضافة عشرة كيلوغرامات من الماء إليه، ولا يقول بأنه صار عندي الآن عشرين كيلو حليبًا. بل المُفرِح هو أن يُضاف الحليب إلى الحليب. فلا يكون نافعًا إلا إذا أضيف الحليب إلى الحليب. فعلى الجميع سواء أكانوا قدامى أم جددًا أن يسعوا جاهدين لتحقيق الرقي الإيماني. إذا كان إيمانُ سبعمئة مسلم يدفعهم للقول بأنه لا يقدر أحد في العالم على هزيمتهم فقد تحقق ذلك ورأى العالم أنه لم يهزمهم أحد.

يقول حضرته رضي الله عنه عن هذه القضية نفسها في مكان آخر: كان الخواجه كمال الدين يعتاد على الكلام الطويل، فقال: سيدي، إن القاضي عازم على سجنكم، وإصدارِ حكم العقوبة، فالأفضل أن نتصالح مع الطرف الآخر في القضية، فجلس المسيح الموعود عليه السلام متكئا على مرفقَيه وقال: يا خواجة المحترم، إن إطالة اليد على أسد الله ليس سهلا، وأنا أسد الله فليمدُد يده إليّ ثم ليرَ النتيجة. فكان كذلك، إذ إن القاضي الذي كان مكلّفا بالحكم في القضية من بين القاضيين أصيب ابنه بالجنون. كتبت زوجته إليه:- مع أنها لم تكن تؤمن بالمسيح الموعود مبعوثا من الله- لقد أسأتَ إلى زاهد مسلم لذا قد أصيب أحد ابنَينا بالجنون، والآن فلتترقب عاقبة الثاني. لما كان القاضي مثقّفا فقال معلقا: ما تقوله زوجتي ليس إلا جهلا وغباوة. ولأنه ما كان يؤمن بمثل هذه الأمور فلم يبالِ بالموضوع. فكانت النتيجة أن مات ابنه الثاني أيضا غرقا في النهر. كان هذا الولد يستحمّ في نهر “راوي” إذ أمسك التمساح برجله فمات غرقا. كان هذا القاضي يؤذي المسيح الموعود كثيرا لدرجة كان يُجبره  على الوقوف في أثناء مداولات القضية كلها، وإذا شعر المسيح الموعود عليه السلام بالعطش ما كان يسمح له حتى بشرب الماء. ذات مرة استأذنه الخواجة المحترم لشرب الماء فلم يسمح له. ثم حوِّلت القضية إلى قاض آخر ولكنه أيضا عُزل من منصبه كما ذُكر. على أية حال، كان هذان القاضيان عاقديْن العزم على أن يظلما المسيحَ الموعود عليه السلام بكل ما في وسعهما، ولكن كليهما لقي عاقبة وخيمة.

يقول المصلح الموعود رضي الله عنه في بيان عاقبة القاضي المذكور: ذات مرة قابلني على محطة “لدهيانة” القاضي المذكور الذي عامل المسيح الموعود عليه السلام بما سبق ذكره، وقال لي بإلحاح شديد وبلهجة ملؤها الألم: أُدع لي من فضلك أن يوفقني الله للصبر، لقد ارتكبتُ أخطاء كبيرة وقد آلت حالتي إلى أنني أخاف أن يصيبني الجنون. يقول المصلح الموعود رضي الله عنه: إنها لآيات بينات بواسطتها يُظهر الله تعالى صدق أنبيائه.

كذلك كان المصلح الموعود  يروي حادثا آخر أن سارقا اقتحم بيت “رُستمَ”، ورستم كان محاربا شجاعا ومعروفا بمهارته في فنون الحرب وكان يعرف استخدام السيف جيدا. ولكن ليس ضروريا أن يكون الشجاع في الحرب بارعا في المصارعة أيضا. فعندما دخل السارق بيته حاول رستم أن يمسك به. كان السارق خبيرا في المصارعة فأسقط رستمَ على الأرض. وحين شعر رستمُ أنه لا خلاص له منه قال لتوه: ها قد جاء رستم. لما سمع السارق اسم “رستم” تركه فورا وولّى هاربا.

إذًا، كان السارق يتصارع مع رستم حتى أسقطه على الأرض ولكن حين سمع اسم “رستم” هرب خائفا مذعورا.

فمن هذا المنطلق قال المصلح الموعود رضي الله عنه أن الناس في بعض الأحيان يشيعون أراجيف مختلفة تثبّط همم الناس. أضاف المصلح الموعود رضي الله عنه وقال: في بعض الأحيان تضطرم النار في بيت أحد ولكن صاحب البيت لا يتأثر بالحادث كثيرا مع أنه يسعى لإخمادها دون شك، ولكن إذا لم يكن موجودا في مكان الحادث وسمع خبر الحريق يتأثر أكثر.

ويقول  أيضا: لا يشكّل سقوط القذائف في أيام الحرب خطرا بقدر ما تشكّله الشائعات عن سقوطها. إذًا، الأراجيف الكاذبة تجعل الناس جبناء أحيانا. فلا بد من وضع الحدّ لانتشارها ومقاومتها من أجل المحافظة على الشجاعة والبسالة. فكما سبق ذكره أن السارق تمكّن من رستم ولكن ذُعِر بسماع اسم “رستم”، كذلك إن الشائعات كثيرا ما تجعل المجتمع مذعورا لذا لا بد من اجتنابها والمحافظة على الشجاعة والبسالة في مثل هذه الظروف.

لقد رفع المدعو كرم دين ضد المسيح الموعود عليه السلام قضية، ويقول سيدنا المصلح الموعود رضي الله عنه عنها: في أواخر عام 1902م رفع المدعو كرم دين ضد المسيح الموعود عليه السلام قضية هتك العِرض في محكمة في مدينة “جِهْلُم” فجاءه  استدعاء للمثول في المحكمة. فذهب  إلى هناك في يناير عام 1903م. كان هذا السفر العلامة الأولى لانتصاره. فقد سافر حضرته للمثول أمام المحكمة في قضية جنائية مرفوعة ضده، ومع ذلك جاء الناس لزيارته بأعداد كبيرة تعذّر إحصاؤهم. عندما نزل المسيح الموعود عليه السلام في محطة “جهلم” كان الناس موجودين هناك بأعداد هائلة لدرجة لم يبق مجال للوقوف على المحطة بل كان الناس مجتمعين في الشوارع في الخارج أيضا بكثرة لدرجة تعذر مرور السيارة فاضطر المسئولون في المحافظة للقيام بإجراءات خاصة وكلِّف بهذه المهمة السيد غلام حيدر مسئول المديرية. فسار مع سيارة المسيح الموعود ومرّرها من وسط ازدحام الناس بصعوبة بالغة لأن شق الطريق من بين الناس كان صعبا للغاية. إضافة إلى أهل المدينة جاء آلاف الناس لزيارته  من القرى المجاورة أيضا. وبايع قرابة ألف شخص بهذه المناسبة. وعندما مثُل المسيح الموعود عليه السلام أمام المحكمة كان الناس موجودين في المحكمة بكثرة هائلة لسماع وقائع المحكمة حتى صعب على المسئولين احتواء الموقف. كان الناس متوزعين ومنتشرين في أماكن بعيدة. على أية حال، بُرِّئت ساحته  بعد المثول في المحكمة وعاد بخير وعافية.

كما ذكرتُ من قبل، لقد بدأ عدد الجماعة في هذه الفترة يزداد رويدا رويدا. ثم في عام 1903م بدأت تتقدم على قدم وساق. ففي بعض الأحيان كانت خمسة مئة رسالة للبيعة تأتي في يوم واحد وبلغ عدد أتباعه  إلى مئات الألوف. وبايع على يده  أناس من كل شريحة من شرائح المجتمع، وبدأت الجماعة تنتشر بكل قوة وشدة وخرجت من حدود البنجاب ووصلت إلى أقاليم أخرى بل إلى بلاد أخرى أيضا في حياته.

انظروا كيف يعاقب الله على الإساءة. لقد سمعنا حادثا يتعلق بالقاضي، كذلك روى المصلح الموعود رضي الله عنه حادثا آخر فقال: ذات مرة سافرنا إلى مدينة لكهناؤ وكان هنالك شيخ عدو لدود للجماعة، اسمه الشيخ عبد الكريم السرحدي. فألقى خطابا بعد وصولنا إلى هناك قال فيه باحتقار شديد أن المسيح الموعود عليه السلام سافر ذات مرة إلى دلهي وكان يسكنها خال أحد أقاربنا اسمه مرزا حيرت الدهلوي. فخطر بباله فكرة شريرة ذات يوم وجاء إلى المسيح الموعودِ متنكرا بزيّ ضابط الشرطة لتخويفه وقال له: أنا ضابط في الشرطة وقد أرسلتني الحكومة لأقول لك بأن عليك أن تغادر هذا المكان بسرعة وإلا ستواجه ضررا شديدا. لم يتوجّه المسيح الموعود عليه السلام إليه ولكن بعض الإخوة أرادوا أن يحققوا في أمره، فهرب من هنالك.

لقد ذكر الشيخ عبد الكريم السرحدي المذكور آنفا هذا الحادث بطريقة مشوهة قال: انظروا أنه يدّعي أنه نبي الله ولكن عندما كان في دلهي ذهب إليه مرزا حيرت الدهلوي متنكّرا بزي ضابط الشرطة حين كان المرزا جالسا على سقف المنـزل- علمًا أن هذا كذب بحت إذ كان المسيح الموعود عليه السلام جالسا في باحة الدار- وعندما سمع كما زعم الشيخ عبد الكريم، بمجيء ضابط الشرطة فزع بشدة وانزلقت قدمه عند نزوله من الأدراج وسقط على وجهه. فضحك الناس كثيرا بسماع هذا الكلام في خطابه. ولكن ما الذي جرى بعد ذلك؟ وكيف بطش الله بالشيخ المذكور في الليلة نفسها؟ كان الشيخ نائما على سقف البيت فنهض لأمر ما، والنوم غالب عليه فمشى وهو شبه نائم. ولما لم تكن للسطح حافة انزلقت إحدى قدميه وسقط على وجهه على الأرض ومات في الحال. يقول المصلح الموعود رضي الله عنه: انظروا الآن، لو رُفع حجاب الغيب وعلم هذا الشيخ أنه سينال عقوبة إساءته المذكورة لما قام بها قط بل لآمن بالمسيح الموعود عليه السلام، وإن كان هذا الإيمان غير مفيد له لأنه إذا رُفع حجاب الغيب ما بقي أية فائدة من الإيمان. إنما يفيد الإيمان حين يؤمن المرء بالغيب أيضا. أما إذا كان الثواب أو العقاب ماثلا أمام الأعين يمكن أن يؤمن كل شخص.

على أية حال، لقد تبيّن بذلك لمَن رأوا عاقبته أن نتيجة الاستهزاء بأنبياء الله لا تكون جيدة أبدا.

في هذه الأيام أيضا يسخر بعض الناس من النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم ويذكرونه بكلمات نابية. والمعلوم أنه  نبي حبيب عند الله، فهل يمكن أن يترك الله استهزاء الناس به هكذا دون عقاب؟ كلا، بل سيجعلهم عرضة للعبرة في الدنيا أيضا. فينبغي ألا يعالج المسلمون هؤلاء الناسَ باليد أو البنادق بل بالأدعية. ولكن المسلمين الأحمديين فقط يدركون حقيقة هذا الأمر. لذا، كما قلتُ من قبل، يجب أن نحوّل آلامنا إلى الأدعية، ونكثر من الدعاء في هذه الأيام خاصة.

يتابع المصلح الموعود رضي الله عنه ويقول: لقد مضى ذكر حادث عن الشيخ المذكور. كان في تلك الأيام كثير من الناس الذين قالوا: سوف يصاب المرزا بالجذام ولكن الله تعالى ابتلاهم أنفسَهم بالجذام، وقال الآخرون: سوف يصاب المرزا بالطاعون ولكن الله تعالى أهلك قائلي هذا الكلام أنفسَهم بالطاعون. فما دامت هناك آلاف الأمثلة ملحوظة على ذلك فإلامَ نحملها محمل الصُدَف؟ فعليكم أن تُحدثوا في أنفسكم تغيّرا حتى يشعر به العالم. يجب أن تكونوا معروفين بالتقوى والطهارة وإجابة الدعوات والعلاقة بالله حتى ينجذب الناس إليكم تلقائيا. اعلموا أن الأحمدية سوف تتقدم بواسطة هؤلاء الناس فقط. وإذا وصلتم إلى هذه المرتبة أو اقتربتم منها سوف يجتمع الناس حولكم وينضمون إلى الأحمدية بإذن الله، حتى وإن بقيتم جالسين في زاوية الخمول ولم تضعوا قدما خارجها.

كذلك روى المصلح الموعود رضي الله عنه حادثا آخر وقال: سافر المسيح الموعود عليه السلام إلى مدينة سيالكوت وأصدر المشايخ فتوى أن الذي يذهب لسماع محاضرته سوف يفسخ نكاحه. ولكن لما كان في المسيح الموعود عليه السلام جذبٌ فلم يبالِ الناس بفتواهم. فرض المشايخ حظرا على الطرق ليمنعوا الناس من الذهاب إلى المسيح الموعود عليه السلام، وجمعوا الحجارة على الشارع ليضربوا بها مَن لا يمتنع عن الذهاب. ثم بدأوا يصرفون الناس من مكان الجلسة بالقوة حتى لا يسمعوا المحاضرة. يتابع المصلح الموعود رضي الله عنه: كان هناك شخص معروف باسم “بي تي” وكان حينها ضابطا في الشرطة في مدينة سيالكوت ثم صار ضابطا أعلى، وكان عندئذ مكلَّفا بإدارة النظام أو بالحفاظ على الأمن واحتواء الموقف. عندما همّ الناس بإثارة الشغب والضجيج وعيث الفساد، قال ضابط الشرطة المذكور بحيرة ما بعدها حيرة، كونه قد سمع خطاب المسيح الموعود عليه السلام: لقد هاجم المرزا المحترم في خطابه الآريين والمسيحيين ولا يقع بسببه أيّ اعتراض على الإسلام قط- وإن كان ما قاله ينافي أفكار المشايخ- وإذا كان ما قاله  صحيحا فهذا يُثبت صدق الإسلام فلماذا يشغب المشايخ أصلا؟ كان الضابط المذكور موظفا حكوميا ولكنه مع ذلك قام في وسط الجلسة وقال: يقول المحاضر أن إله النصارى ميّت فلماذا تغضبون على ذلك أيها المسلمون؟

كان المولوي برهان الدين صحابيا مخلصا للمسيح الموعود عليه السلام، فيقول المصلح الموعود رضي الله عنه عنه: كان قبل انضمامه إلى الأحمدية عالما سلفيا معروفا وكان يحظى باحترام كبير عند السلفيين. وبعد انضمامه إلى الجماعة ضاقت عليه طرق المعاش ولكنه لم يبالِ بذلك وقضى بقية أيام حياته في حالة الفقر. كان غني النفس ولم يكن لأحد أن يتصور بالنظر إليه أنه عالم بل كان الناس يظنون أنه أحد من الأجراء أو من الخادمين. يقول المصلح الموعود رضي الله عنه: أذكر دائما عنه طريفة جاء فيها أن المسيح الموعود عليه السلام عندما سافر إلى سيالكوت واجه هنالك معارضة مريرة. وبعد عودة المسيح الموعود عليه السلام من هنالك صبّ المعارضون مصائب جمّة على كلّ من علموا أنه أحمدي. كان المولوي برهان الدين عائدا بعد توديع المسيح الموعود على محطة القطار فبدأ الناس يرمونه بالروث بل دسّ أحدهم الروث في فمه، ولكنه ظل يتحمل كل هذه المصائب والمعاناة بكل سرور. يقول الراوي أنه كلما ألقي عليه الروث لم يتضايق قط، بل استمتع وقال مخاطبا نفسه: يا لَحظك يا رجل! يا لَحظك يا رجل! هناك روايات مختلفة عما قاله عن إلقاء الروث عليه، إلا أن كلها تكشف أنه أعرب عن سروره عما حدث معه، وعدّه فضلا من الله تعالى ولم ينـزعج أبدًا وما ضاق ذرعا بذلك.

يتابع حضرته رضي الله عنه أن حضرة الجهلمي كان إنسانا مخلصا جدا، وكان يحكي قصة عجيبة عن انضمامه إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية. لا شك أنه بايع المسيح الموعود عليه السلام بعد فترة قصيرة من دعواه، إلا أنه كان عرف مكانته العظيمة قبل دعواه بكثير. لما سمع ذكر حضرة المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام في أول أمره جاء إلى قاديان مشيا على الأقدام، ولما وصل إليها علم أن حضرته قد سافر إلى مدينة غورداسبور، لا أتذكر الآن إذا كان ذهب من أجل متابعة قضية أو لسبب آخر، فلم يلبث حضرة الجهلمي أن توجه إلى غورداسبور، ولما وصل هناك قابل حضرة الحافظ حامد علي المرحوم الذي كان من الخدم القدامى للمسيح الموعود عليه الصلاة والسلام وكان يعرفه قبل دعواه أيضا. كان حضرته عليه الصلاة والسلام مقيما في بيت مسئول المنطقة أو غيره، وكان ستار معلق على باب الغرفة التي كان حضرته بداخلها، فجاء المولوي برهان الدين وسأل الحافظ حامد علي عن حضرته، فأجابه بأنه يقوم بعمل هام في غرفته هذه. قال: أريد زيارته، قال: لقد نهى حضرته عن الزيارة وأمرني ألا أزعجه لأنه منهمك في إنجاز عمل هام. فتوسل إليه حضرة المولوي كثيرا بأن يساعده على لقاء حضرته عليه السلام بطريق أو بآخر، ولكن الحافظ المحترم منعه من اللقاء. وأخيرا وبعد توسلات كثيرة سمح له النظر إلى حضرته عليه السلام برفع الستار عن باب غرفته. فتوجه حضرة المولوي إلى الغرفة، فنظر إلى حضرته عليه السلام من حيث لا يراه. لما رفع ستر الباب وجد فيها حضرة المسيح الموعود عليه السلام وظهره إلى الباب وهو يمشي في الغرفة بسرعة متوجها إلى الجدار المقابل للباب. كان من عادة المسيح الموعود عليه السلام أن يكتب الكتاب أو الإعلان وهو يمشي ويقرأ ما يكتبه بصوت خافت، وكان حضرته عندها أيضا يكتب موضوعا ويقرأه أيضا ماشيا بسرعة. ويقول حضرة المولوي برهان الدين: لما وصل المسيح الموعود عليه السلام إلى الجدار المقابل للباب وأراد أن يرجع هربت من الباب لكيلا يراني. فسأله الحافظ حامد علي أو غيره وقال: هل رأيتَه، فقال: لقد عرفتُه، ثم قال باللغة البنجابية ما معناه: إن الذي يمشي في الغرفة بهذه السرعة فلا شك أن غايته بعيدة. ومنذ تلك اللحظة أيقن حضرة المولوي في قلبه أن حضرته عليه السلام لا بد أن ينجز عملاً عظيما في الدنيا.

يقول حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه: إنها لنكتة عظيمة من المعرفة ولكن لا يدركها إلا صاحب العيون الروحانية. ثم يتابع حضرته ويقول: لقد رجع حضرة المولوي الجهلمي بدون أن يكلّم المسيحَ الموعود عليه السلام يومذاك، ولكن هذه الواقعة ظلت راسخة في قلبه، ولذلك فلما أعلن حضرته عن دعواه وفقه الله تعالى لبيعته ومنحه من الإخلاص ما جعله لا يكترث للمعارضة مهما اشتدت.

ويقول حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه: إن العمل بسرعة يبارك في أوقات الإنسان، لذا يجب تعويد الصغار على إنجاز الأعمال والتفكير بسرعة، ولكن السرعة لا تعني العجلة، بل المراد أن على الإنسان إعمال الفكر وإنجاز العمل بسرعة. الشيطان هو العجول، أما الذي ينجز الأعمال بسرعة فهو جندي من جنود الله.

يصاب الكثيرون بالكسل، حيث يؤجلون الأعمال ويقولون لنرتح الآن وسننجز العمل فيما بعد، فتتأخر أعمالهم دوما. والأمر لا يتوقف على الصغار فحسب، بل إن الكبار والمسئولين أيضا بحاجة إلى الإسراع في أعمالهم، لأننا أتباع ذلك المسيح الذي استغلَّ وقتَه باعتباره غاليا جدا، لأن الله تعالى كان قد أوحى إليه: أنت الشيخ المسيح الذي لا يضاع وقتُه. لذا فعلينا الانتباه إلى هذا الأمر.

ثم يقول حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه: لقد لاحظت أن المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام كان ينهمك في العمل طول النهار داخل البيت، ولكنه كان يخرج للتنـزه مرة يوميا.كان يقوم بجميع أعماله المتنوعة كالكتابة وإلقاء الخطابات واللقاءات، ولكنه كان يخرج للتنـزه حتما، وكان مواظبا على ذلك رغم بلوغَه سن الرابعة أو الخامسة والسبعين من عمره.

وأقول هنا: لقد ذكر هنا حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه سن المسيح الموعود عليه السلام على وجه التقدير، فيجب ألا يـأخذ البعض النقاش فيما إذا كان عمره عليه السلام 73 أو 74 أو 75 عاما. ويتابع حضرته رضي الله عنه ويقول: رغم بلوغه عليه السلام هذه السن كان مواظبا على التنـزه مواظبة لا نتمكن منها، حيث لا نخرج للنـزهة في بعض الأيام، ولكن حضرته عليه السلام كان يخرج لها كل يوم حتما. إن التنفس في الهواء الطلق والمشي فيه مفيد للدماغ، فعلى أعضاء مكتب التحريك الجديد أن يتدربوا في الهواء الطلق – علمًا أن حضرته قد ألقى هذا الخطاب أمام هؤلاء لذلك خاطبهم هنا خصيصا- فهذا سيحافظ على صحتهم، كما ينعش دماغهم، فيصبحون نافعين للعالم.

فينبغي للصغار والشباب خاصة أن يهتموا بهذا الأمر، ويجب أن يُلزَم طلاب الجامعات الأحمدية خاصة بأن يلعبوا في الهواء الطلق لساعة ونصف الساعة على الأقل يوميا. في هذه الأيام قد حال التلفاز والألعاب الالكترونية الأخرى تماما دون الألعاب الرياضية التي تُلعَب في الخارج في الهواء الطلق. فيجب أن يقوموا بالتنـزه وبالألعاب يوميا إلا إذا كان هناك اضطرار.

ثم يبين حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه أن الأعداء يخوّفون الذين يخافون الموت، وذكر حادثًا تعرض له حضرة المولوي برهان الدين الجهلمي في زمن المسيح الموعود عليه السلام، فقال: لما ذهب المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام إلى مدينة سيالكوت، أفتى المشايخ أنّ من يذهب لزيارة المرزا أو لسماع خطابه يفسخ نكاحه، لأنه كافر ودجال، والاستماع إلى كلامه وقراءة كتبه حرام قطعا، بل من قتله فله أجرٌ وثواب عند الله. (فترون أن هذه الفتاوى ليست بدعة من مشايخ اليوم، بل ظلوا يفتون بها دوما، ويتابع حضرة المصلح الموعود ويقول) ولكن المشايخ لم يجرؤوا على عيث الفساد وقت خطاب حضرته عليه السلام، لأن الشرطة كانت تحرس المكان وكان المسئولون موجودين وكان الناس كثيرين كما كان الأحمديون أيضا وفدوا من أماكن قريبة بكثرة. فقرر المشايخ بعد التشاور فيما بينهم أن يقوموا بأعمال الشغب حين تذهب الشرطة والمسئولون. ويتابع سيدنا المصلح الموعود رضي الله ويقول: كنت مع المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام في ذلك السفر، ولما ركب حضرته القطار رأيت كثيرا من الناس واقفين على جانبي السكة الحديدية إلى مسافة طويلة حاملين الحجارة، فحاولوا رشق العربة التي نحن فيها، ولكنهم لم يتمكنوا من إصابة الهدف إلا مرة أو مرتين لكون القطار يتحرك. كانوا يقذفون الحجارة علينا ولكنها كانت تصيب أصحابهم الواقفين هناك، وباءت خطتهم بالفشل. أما الأحمديون هناك فكان بعضهم قد حضروا من أجل المسيح الموعود الموعود عليه الصلاة السلام من قرى مجاورة، فانتشروا وذهبوا لسبيلهم بعد تحرك القطار، ولم يبق على المحطة إلا قليل من الإخوة والمحليون أو بعض الضيوف القادمين من مدن أخرى، فهاجم المعارضون المحطة، وكان المولوي برهان الدين من بين هؤلاء الإخوة الذين تعرضوا للهجوم، فطارده المعارضون وسبوه وشتموه، ثم أخذوه داخل محل ووضعوا في فمه الروث كما ذكرت من قبل. ويروي من رأى هذا المشهد أنه حين كان يصب على حضرته هذا العدوان والظلم فإنه لم يسب أحدا ولم يرفع صراخا، بل ظل يقول بكل هدوء وسرور مخاطبا نفسه: سبحان الله، ما أكثرك حظًا إذ رأيت هذا اليوم المبارك. هذا اليوم لا يأتي إلا على أصحاب الأنبياء، والحمد لله الذي أراني هذا اليوم. ويتابع حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه ويقول: بعد قليل ندم المهاجمون ولامتهم أنفسهم على ما فعلوا فتركوه ورجعوا خجلين مهانين.

فهذا هو الحق، أعني أن الأعداء حين يرون قوما يخافون الموت فيقولون تعالوا نخوّفهم، ويقول الله تعالى في القرآن الكريم أن الشيطان يخوف أولياءه، فعندما يخاف أحد يقول الأعداء إن هذا من أولياء الشيطان، لكنه حين لا يخاف التهديدات بل يعدّ الهجمات والآلام إنعامَ الله، ويقول إن الله قد وهب له هذا الشرف بفضله وأكرمه بأن يتعرض للضرب من أجله فيصبح العدو مرعوبا، وتسيطر عليه الهيبة، ويميل إلى الندامة في نهاية المطاف.

هناك حادث آخر عن المولوي برهان الدين، فهو كما أخبرتُكم كان صحابيا مخلصا جدا للمسيح الموعود عليه السلام وكان دمثا ومرحا. فإثْر وفاته هو والمولوي عبد الكريم السيالكوتي  كانت قد نشأتْ عند سيدنا المسيح الموعود عليه السلام فكرةُ إنشاء المدرسة الأحمدية التي تطورت إلى الجامعة الأحمدية. فذات يوم جاء المولوي برهان الدين  إلى المسيح الموعود عليه السلام وقال له: قد رأيت أختي المرحومة في الرؤيا فسألتُها: يا أختي، أخبِريني كيف حالك هناك؟ كيف تعيشين؟ فقالت له: لقد أكرمني الله بفضل كبير إذ قد غفر لي والآن أعيش في الجنة براحة وطمأنينة. فسألتُها ماذا تعملين هناك؟ فقالت: أبيع هنا عليقا. فقال لقد قلت لها في الرؤيا: يا أختي، إن نصيبنا غريب، إذ في الجنة أيضا لم تجدي من العمل غير بيع العليق. فلما كانت عائلتُه فقيرة فقد خطر بباله ذلك في الرؤيا أيضا. لكن المسيح الموعود عليه السلام حين سمع هذه الرؤيا قال: أيها المولوي المحترم، إن لها تعبيرا آخر، لكنك قد مِلتَ إلى المرح حتى في الرؤيا ولم تنسَ المزاح، قال ذلك المسيحُ الموعود عليه السلام نظرا لطبع المولوي المازح. ثم قال حضرته : إن العليق في الحقيقة من ثمار الجنة، والمراد منه الحب الكامل الأبدي. فلما كانت السدرة مقامَ الحب الإلهي الأبدي، لذا فتأويل هذه الرؤيا: إني أُقسم على الناس حب الله الخالد. أي كانت الأخت تقصد أنها تقسم حب الله الأبدي على الناس.

ثم يقول حضرته موضِّحا: باختصار حيثما عاش المؤمن لا بد له من العمل، إذ لا يعني دخول الجنة أن في الجنة استراحةً فقط، كلا بل لا بد من العمل كما قالت أختُه أنها تعمل. وإذا خطر ببال أحد أن وقت الراحة حانَ، فهذا يعني أنه قد أضاع إيمانه، لأن ما سماه الإسلام إيمانا وارتياحا هو الشغل، إذ قد قال الله عز وجل صراحة: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (الشرح: 8-9). يجب أن تتذكروا هذه النقطة دوما، فليست لكم أي راحة بحسب تفسير أهل الدنيا للراحة، أما بالمعنى الذي وعدَنا به الله الراحةَ فيمكن أن تنالوها بسهولة. فالمعنى الذي يبينه أهل الدنيا للراحة هو خاطئ حتما. فمن تحرَّى الراحة بهذا المعنى فسيبقى أعمى في هذه الدنيا ويُبعث في الآخرة أيضا أعمى. من واجب المؤمن أن يشغِّل نفسه في عمل دوما، فبعد تحقيق هدف يجب أن يعزم على البحث عن هدف آخر. وهذا هو سرُّ التقدم الفردي والقومي. وفَّقنا الله لذلك.

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.