خطبة الجمعة بتاريخ 20/02/2015

آخر تحديث : الخميس 8 سبتمبر 2016 - 6:36 مساءً
2015 02 25
2016 09 08
خطبة الجمعة بتاريخ 20/02/2015
Microsoft Word - PR - Calgary Friday Sermon

خطبة الجمعة التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام يوم 20/02/2015 في مسجد بيت الفتوح في لندن

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. [بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضالِّينَ]، آمين.

اليوم هو العشرون من شهر شباط/فبراير، ويُعرف في الجماعة الإسلامية الأحمدية بـ “يوم النبوءة عن المصلح الموعود”. لقد طلب المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام من الله تعالى آية لإثبات صدق الإسلام لأن صولات غير المسلمين على الإسلام في تلك الأيام كانت قد بلغت أوجها، فقام المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام بالمجاهدات فأنبأه الله تعالى إجابةً لدعائه بآية عظيمة، ولكني لن أدخل في تفاصيلها الآن لأنه قد سبق لي أن ألقيتُ عدة خطب حول هذا الموضوع. وفي كل عام تُعقَد جلسات في فروع الجماعة حول موضوع “النبوءة عن المصلح الموعود” حيث يذكر علماء الجماعة والمحاضرون تلك التفاصيل كلها. فالإخوة يطّلعون على هذه التفاصيل بين فينة وفينة، وسيطّلعون عليها هذا العام أيضا إذ تُعقد الجلسات في فروع الجماعة.

اليوم سأقدم أمامكم بكلمات المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ما قاله بنفسه عن هذه النبوءة وبمناسبات مختلفة. لا شك أن الإحاطة بجميع جوانب هذه النبوءة ليس ممكنا لذا سأضع أمامكم بعض الأمور فقط.

قال المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في عام 1944م مبيّنا خلفية النبوءة عن المصلح الموعود: قبل 58 عاما من اليوم -بل قد بدأ العام الـ 59- من يوم 20 شباط/ فبراير 1886م كان في هذه المدينة “هوشيار بور” (لقد ألقى حضرته رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هذا الخطاب في مدينة هوشيار بور) بيت في الاتجاه الذي يشير إليه أصبعي وراء الميدان أمامي وكان يُسمى حينذاك “طَوَيله” أي لم يكن بيتا مسكونا رسميا بل كان بيتا إضافيا من بيوت أحد الزعماء وكان ينـزل فيه ضيف على وجه الندرة، وكان البيت يُستخدم عادة مخزنا أو اصطبلا للخيول كلما اقتضت الحاجة. فجاء من قاديان شخص خامل الذكر لدرجة لعل أهل قاديان أنفسهم ما كانوا يعرفونه جيدا، إلى هذا المكان نظرا إلى المعارضة التي كان الناس يكنّونها تجاه الإسلام ومؤسسه ليعبد ربه وليدعو الله في الخلوة إلى أربعين يوما. فبعد الأدعية إلى أربعين يوما وعده الله تعالى بآية كانت تتلخص في أن الله لن يفي فقط بوعوده التي وعدها به عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام بل سيذيع اسمك في أنحاء العالم وسوف يعطيه لتحقيق تلك الوعود بمزيد من العظمة والشوكة ابنًا سيكون متحليا بصفات خاصة، وسينشر الإسلامَ إلى أنحاء العالم ويوضح للناس معارف كلام الله، وسيكون آية رحمة وفضل وسيُعطى علوما دينية ودنيوية ضرورية لنشر الإسلام. وسيهبه الله عمرا طويلا وسيذيع صيته إلى أكناف العالم. ثم قال رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في موضع آخر أن أعداء الجماعة يعترضون أنه عندما نُشر هذا الإعلان (وهنا لم تورد كلمات النبوءة كلها بل ذكرت بعض الأمور منها) فلما نشر هذا الإعلان بدأ الأعداء سلسلة من الاعتراضات فنشر المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام إعلانا آخر بتاريخ 22/3/1886م. كان اعتراض الأعداء أنه ما قيمة نبوءة تقول: سأُرزق ابنا؟ ألا يولَد الأبناء عند الناس عادة؟ بل نادرا ما يكون شخص بدون ابن، أو كانت لديه البنات فقط، وإلا فإنه يُولَد عند الناس أبناء عادة ولا تُحسَب ولادتهم آية خارقة. فإذا وُلد عندك ولد فلا يثبت من ذلك أن بولادته ظهرت آية خاصة في العالم؟ فنشر u ردّا على اعتراضات الناس إعلانا في 22 أيار قال فيه بأنها ليست نبوءة فقط بل هي آية سماوية عظيمة أيضا أظهرها الله جلّ شأنه لإثبات صدق نبينا الكريم الرؤوف الرحيم محمد المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وعظمته. وقال عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام أيضا في الإعلان نفسه أن الله تعالى أجاب دعاء هذا العبد المتواضع بفضله وإحسانه وبركته ووعد بأن يبعث روحا تنتشر بركاتها الظاهرية والباطنية في الأرض كلها.

الحق أنه إذا أخبر المسيحُ الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام بمجرد ولادة ابن فهذا الخبر بمنـزلة نبوءة بحد ذاتها، لأنه توجد في العالم شريحة من الناس، مهما كانوا قلة، لا ولد لهم. وثانيا: عندما أعلن المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام ذلك كان عمره فوق الخمسين عاما، ويوجد في العالم آلاف الناس الذين تنقطع عندهم سلسلة الأولاد بعد بلوغهم الخمسين. ويكون هناك آخرون ينجبون بنات فقط، وهناك من يولد عنده أولاد ولكنهم يموتون في الصغر. فكل هذه الإمكانيات كانت موجودة في حالة المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام. أولا ليس بوسع الإنسان أن ينبئ بولادة الابن ولكنه عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام قَبِل هذا الاعتراض تنازلا وقال بأنه لو قُبل جدلا أن مجرد الإنباء بولادة الابن ليست نبوءة ذات بال فالسؤال هو: هل أنبأتُ بولادة الابن فقط؟ متى قلتُ بأن ولدا سيولَد عندي؟ بل قلتُ بأن الله تعالى أجاب أدعيتي ووعدني بخلق روح تنتشر بركاتها الظاهرية والباطنية في العالم كله.

هذا هو ملخص الإلهام، ولكني لا أريد الخوض في التفاصيل بل سأذكر لاحقا بركات المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وسأذكر أيضا كيف انتشرت تلك البركات بفضل الله تعالى.

ثم لافتا الانتباه إلى اعتراض بعض الناس في ذلك الزمن أنه ليس “مصلحا موعودا”، بل سوف يولد المصلح الموعود بعد ثلاثمائة أو أربمائة سنة أو بعد مائتي سنة، فهذه الاعتراضات كانت تثار في ذلك الزمن أيضا. يقول حضرته: بعض الناس يقولون إن المصلح الموعود سيظهر في أحد أجيال المسيح الموعود بعد ثلاثمائة أو أربعمائة عام ولا يمكن أن يظهر في هذا الزمن. لكن لا أحد منهم يخشى الله حتى يقرأ كلمات النبوءة ويتدبرها، إذ قد كتب المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام: في العصر الراهن يصدر الاعتراض على أن الإسلام لا يقدر على إظهار آية، فكان البانديت ليكهرام يعترض أنه إذا كان الإسلام صادقا فليُظهر الآية، كما كان “إندرمن” هو الآخر يعترض أنه إذا كان الإسلام على حق فليظهر الآية. فتضرَّع المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام إلى الله قائلا: يا إلهي أظهر آية تُقنع هؤلاء المعترضين مثل إندرمن وغيره بصدق الإسلام. لكن هؤلاء المعترضين يقولون لنا إن المسيح الموعود حين دعا اللهَ ﷻ أنبأه الله أنه سيرزقه ولدا بعد ثلاثمائة سنة ويمثِّل آية على صدق الإسلام. فهل في العالم شخص وحيد يعدّ هذا الكلام معقولا. فمثَله كمثل عطشان ذهب إلى بيت أحد وقال له: يا أخي أنا عطشان جدا، أرجو أن تسقيني، فقال له لا تقلق فقد أرسلت إلى أميركا رسالة فسوف يصل من هناك حتى نهاية هذا العام شراب، وفي السنة القادمة سوف أقدمه لك. فمثْل هذا الكلام لا يصدر حتى من أكثر الناس غباء، ولا يمكن حتى لأكثر الناس غباء أن ينسب مثل هذا الكلام إلى الله ورسوله. كان البانديت ليكهرام ومنشي إندرمن المرادآبادي والهندوس الآخرون من قاديان يقولون إن دعوى الإسلام بإن إلهه قادر على إظهار آية للعالم كاذبة لا أساس لها. وإذا كانت لهذه الدعوى أي حقيقة فيجب إظهار آية لنا. فتضرَّع المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام إلى الله وقال له: يا إلهي أدعوك أن تُظهر لي آيةَ رحمةٍ وهبْ لي آية قدرةٍ وقربٍ. إذن كان يجب أن تَظهر هذه الآيةُ في الزمن القريب جدا حيث يكون هؤلاء الذين طلبوا آية أحياء، فهذا ما حدث. فحين وُلدت في 1889 بحسب نبوءات الله ﷻ كان الذين طلبوا الآية من المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام أحياء، ثم حيث تربيت وترعرت ظلت آيات الله تظهر أكثر فأكثر.

يقول سيدنا المصلح الموعود في بيان تحقق النبوءة عن المصلح الموعود في شخصه، وهو يذكر إحدى رؤاه: إني أقدم مماثلاتٍ بين نبوءة المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام ورؤياي. فكان حضرته قد رأى رؤيا كما ذكرت لكم آنفا. فقال: رأيت في الرؤيا أنه جرتْ على لساني جملة: “أنا المسيح الموعود مثيله وخليفته”، إن جريان هذه الكلمات على لساني في الظاهر أيضا حتما غريب لكنني تحيرتُ جدا منه حتى في الرؤيا وأوشكتُ على أن أستيقظ بسببه، ما هذه الكلمات التي جرت على لساني. لاحقا لفتَ بعض الأصدقاء انتباهي إلى أن كوني “مسيحيَّ النفَس” مذكور في إعلان 20 شباط/ فبراير 1886 للمسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام. ومع أني كنت قد قرأت ذلك الإعلان قبل إلقاء الخطبة إلا أن كلمات الإعلان هذه لم تكن في بالي عند إلقائي الخطاب. وربما في اليوم التالي نبَّهني المولوي سرور شاه المحترم أنه قد ورد في إعلان المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام أيضا أنه “سيأتي إلى الدنيا ويشفي الكثيرين من أمراضهم بنَفَسِه المسيحي وببركةِ روح القدس”، ففي هذه الفقرة أيضا وردتْ كلمة المسيح.

ثانيا رأيت في الرؤيا أني أمرت بكسر الأصنام أيضا، وإلى ذلك أيضا توجد إشارة في الجزء الثاني لهذه الفقرة لنبوءة المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام أي سيشفي الكثيرين من الأمراض ببركة روح الحق. يقول حضرته: يقال روح الحق لروح التوحيد، والحق أن وجود الله ﷻ هو الأصل وكل ما عداه ظِلال. فالمراد من روح الحق روح التوحيد، التي قيل أنه ببركته سيشفي الكثيرين من الأمراض.

ثالثا رأيت أنني أركض، فقد ذكرت في الخطبة أني رأيت أني لا أمشي هرولة فحسب بل أركض، وأن الأرض تتقلص تحت قدمي، وقد ورد في النبوءة عن الابن الموعود أنه “سينمو سريعا”. فكذلك رأيت في الرؤيا أني سافرت إلى بعض البلاد الأجنبية وهناك أيضا لم أُنْـهِ مهمتي بل أنوي التقدم، كما قلت: “يا عبد الشكور، الآن سأتقدم، وعندما أعود من الرحلة سأرى هل قد أقمت التوحيد وأزلت الشرك ورسخت تعليم الإسلام والمسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام في قلوب الناس خلال هذه الفترة أم لا”. إن الكلام الذي أنزله الله على المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام فيه أيضا إشارة إلى هذا حيث ورد أنه “سيذيع صيته إلى أقصى الأرضين”، فهذه الكلمات أيضا تشير إلى ذهابه بعيدا وسفره المستمر.

ثم ورد في النبوءة أنه “سوف يُملأ بالعلوم الظاهرية والباطنية”، وإلى ذلك أيضا أشير في رؤياي، فقد رأيت في الرؤيا أني أقول بكل قوة: أنا ذلك الذي أُرضعتُ علوم الإسلام والعربية وفلسفة هذه اللغة مع اللِّبان من ثدي أمي.

ثم كان قد ورد أنه بظهوره ينكشف جلالُ الله ﷻ وهذا أيضا مذكور في الرؤيا، فكما بينت آنفا فإن الله تعالى تصرف في الرؤيا على لساني وتكلم بلساني، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم بلساني، ثم جاء المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام وتكلم بلساني. كان هذا ظهورا عجيبا لجلال الله تعالى، وقد جاء ذكره في النبوءة أيضا. فهذه مشابهة أخرى بين الاثنين.

ثم ورد في النبوءة أنه سيكون صاحب جلال وعظمة وثروة، وقد رأيت في هذه الرؤيا أن هناك قوما أؤمّر أحدهم عليهم وأقول له كما يقول الملك القوي العظيم لخادمه: يا عبد الشكور، تكون مسؤولا أمامي عن أن يؤمن أهل بلادك بوحدانية الله في أقرب وقت، ويجتنبوا الشرك، ويعملوا بتعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأخذوا أقوال المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام في الاعتبار. هذه الكلمات التي جرت على لساني في الرؤيا لا يمكن أن يتفوه بها إلا صاحب جلال وعظمة.

أما ما ورد في النبوءة أننا سنلقي فيه روحنا، فهذا إشارة إلى نزول كلام الله عليه، وقد أشير إلى ذلك أيضا في رؤياي هذه حيث يخطر ببالي فيها تحت التصرف الإلهي أني لا أتكلم إنما يجري هذا الكلام على لساني. فهذه الجزئية من الرؤيا تشير إلى تحقق ما ورد في النبوءة بأننا سنلقي فيه روحنا.

ثم يصدق كلماتِ النبوءة هذه ما ورد في رؤياي بأني أتخذ كل خطوة بناء على وحي سابق. وأظن الآن أن ما قلت في الرؤيا بأن السفر الذي أخرج عليه في المستقبل سيكون بحسب وحي سابق، إنما هو إشارة إلى نبوءة المصلح الموعود نفسها، حيث أخبر الله بذلك أن حياتي تحقيق لهذه النبوءة وستكون تحت التصرف الإلهي.

وأرى الآن أن الحكمة وراء ترك أمر مصداق نبوءة المصلح الموعود مبهما إنما هي ألا يكون لما عندي من علم بشأن هذه النبوءة دخلٌ في الرؤيا. علمًا أن مثل هذه التدابير يتخذها الله تعالى في الرؤيا والإلهام دوما وهي سر من الأسرار السماوية. هذه هي المشابهات التي توجد بين رؤياي ونبوءة المسيح الموعود عليه السلام عن المصلح الموعود.

وفي عام 1936 حين كان عدد كبير من الصحابة وكثير من التابعين موجودين، قال حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه مخاطبا أعضاء الشورى، وذلك قبل إعلانه أنه هو المصداق لنبوءة المصلح الموعود بثماني سنوات: إن أبناء جماعتنا اليوم لا يتمتعون بميزة الخلافة فحسب، بل بميزتين أخريين أيضا، أولاهما أنهم لا يزالون قريبين من زمن نبوة المسيح الموعود، والثانية أنهم يعيشون في عهد الخليفة الموعود، وهاتين الميزتين لا يتمتع بهما أتباع كل خليفة (لقد سبق أن ذكرت هذا الأمر في السنة الماضية في إحدى الخطب على الأغلب)، ولن يتمتع بها الذين سوف ينضمون إلى الجماعة بعد قرن أو قرنين من الزمان. دع عنك عامة الأحمديين، فإن الخلفاء عندها أيضا سيكونون بحاجة إلى الاسترشاد من أقوالي وأفعالي ونصائحي، وليس هذا فحسب، بل إن أولئك الخلفاء سيسترشدون بأقوالكم وأفعالكم ونصائحكم أيضا. (علمًا أن حضرته يخاطب هنا الصحابة الذين كانوا موجودين أمامه) سيكون هؤلاء خلفاء ولكنهم سيقولون: قال زيد كذا في عهد الخليفة الفلاني، لذا فعلينا أن نعمل هكذا. فالأمر هنا لا يتعلق بالخلافة والنظام فقط، بل يتعلق بالدين. ثم إن الأمر هنا لا يتعلق بالخلافة فقط، بل بالخلافة الموعودة، التي قامت وفقًا للوحي والإلهام. فهناك نوع من الخلافة يقيمها الله تعالى من خلال انتخاب الناس لخليفة ثم يباركه الله تعالى، ولكن خلافتي ليست من هذا القبيل، فإني لا أسمى خليفة فقط لأن أبناء الجماعة اتفقوا على خلافتي في اليوم الثاني من وفاة الخليفة الأول رضي الله عنه، بل إنني خليفة لأنه حتى قبل خلافة الخليفة الأول رضي الله عنه كان المسيح الموعود عليه السلام قد أخبر بناءً على وحي الله تعالى بأن هذا سيكون خليفة. فإني لست خليفة فقط، بل إني خليفة موعود. إني لست بمأمور من عند الله تعالى، ولكن صوتي صوت الله لأن الله تعالى كان قد أخبر عن خلافتي بواسطة المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام، مما يعني أن مقام خلافتي هو ما بين المأمورية والخلافة. وهذه فرصة لو لم تغتنمها الجماعة لا قدر الله فمن المحال أن تُعَدّ من الفائزين عند الله تعالى. الحق والحق أقول، كما أن الأنبياء لا يأتون كل يوم، كذلك فإن الخلفاء الموعودين أيضا لا يأتون كل يوم، ولا تعود كلَّ يوم فرصةُ القول بأن هذا الأمر قاله نبي الله قبل ثلاثين سنة مثلا. (علمًا أن قرب الله والروحانية التي يشعر بها قلب مَن يقول: “هذا ما قاله نبي الله ومرسله قبل ثلاثين سنة”، لا يمكن أن يشعر بها قلب مَن يقول إن نبي الله قال كذا وكذا قبل مئتي عام، ذلك أن من يأتي بعد النبي بمئتي عام لا يمكنه أن يصدق أمرًا ما كشاهد عيان، بينما يمكن أن يصدقه كشاهد عيان من يقول إن نبي الله قال هذا قبل ثلاثين عاما، ومن هنا قال حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه أن ما يقوله رجال هذا العصر سوف يحكيها الخلفاء الآتون للناس كدروس وعبر)

لقد أعلن حضرته كونه المصلح الموعود رضي الله عنه في عام 1944، ولكن المعارضين كانوا يقولون له قبل ذلك إذا كنت أنت المصلح الموعود فلماذا لا تعلن عن ذلك، ويذكر حضرته هذا الأمر فيقول: لقد سعى الناس أن أعلن أني أنا المصلح الموعود، لكني لم أر حاجة لذلك. لقد قال لي المعارضون إن مريديك يدعونك المصلح الموعود، فلماذا لا تقوم بهذا الإعلان، ولكني كنت أقول لست بحاجة إلى مثل هذه الدعوى، لأني لو كنت أنا المصلح الموعود فإن عدم إعلاني لن يقلل من درجتي، ذلك أني كنت أرى أن من لا يكون مأمورًا من الله تعالى ليس فرضا عليه أن يعلن أنه مصداق لنبوءة ما، والمجدد أيضا غير مأمور، فما الداعي لمثل هذه الدعوى. فمثلا قد تنبأ النبي صلى الله عليه وسلم عن ظهور القطار، فهل ضروري أن يعلن القطار أنه مصداق هذه النبوءة. لقد تنبأ النبي صلى الله عليه وسلم عن ظهور الدجال، فهل من الضروري أن يعلن الدجال كونه مصداق هذه النبوءة. غير أن المأمور الذي يأتي بحسب نبوءة فلا بد له من الإعلان عن كونه مصداقا لها، أما غير المأمور فلا حرج إن لم يعلم أيضا أنه مصداق النبوءة الفلانية. قائمة مجددي الأمة الإسلامية التي أشيعت بعد أن رآها المسيح الموعود عليه السلام.. كم منهم ادعى أنه المجدد؟ لقد سمعتُ بنفسي المسيح الموعود عليه السلام يقول: أرى أن أورنغ زيب (الملك المغولي) كان مجدد عصره، ولكن متى قام هو بهذه الدعوى؟ ثم إن عمر بن عبد العزيز أيضا يُعَدّ من المجددين، ولكن هل قام هو بهذه الدعوى؟ فثبت أن الدعوى ليست ضرورية لغير المأمور، وإنما هي ضرورية للمأمور الذي يأتي مصداقا لبعض النبوءات. أما غير المأمور فإنما يُنظَر إلى أعماله، فلو كانت أعماله أعمال المجدد فأي حاجة لأن يعلن دعواه أيضا، بل لو أنكر كونه مصداقا لنبوءة ما فإننا سنقول إنه هو المصداق لها. لو أن عمر بن عبد العزيز أنكر كونه مجددا لجاز لنا نظرًا إلى إنجازاته أن نقول إنه مجدد عصره، ذلك أن المجدد ليس بحاجة إلى أي دعوى، الدعوى ضرورية للمجددين المأمورين فقط، أما غير المأمور الذي يقيم صرح الإسلام المنهار في عصره ويصدّ هجمات الأعداء، فإننا نستطيع القول إنه مجدد عصره وإن لم يعلم بذلك. ما هو عمل المجدد في الإسلام؟ المجدد يوطد مجد الإسلام من جديد ويرسي تعاليمه من جديد، ويصد هجمات الأعداء على الإسلام. أما المجدد المأمور فهو ذلك الذي يعلن دعواه كما فعل المسيح الموعود عليه السلام.

لذا فليس هناك حاجة لأعلن كوني المصلح الموعود، كما ليس هناك داع للقلق على ما يقوله المعارضون، فهذا لا ينال مني شيئا، إنما العز ما يكون من عند الله تعالى. فمهما كان الإنسان ذليلا عند أهل الدنيا، فإنه لو سار في صراط الله فلا بد أن يكون معززا عنده تعالى، أما لو جعل المرء دعواه الباطلة صادقةً في أعين القوم باللجوء إلى الكذب والخداع ونال الغلبة بين الناس بالمكر والاحتيال، فلن ينال العز عند الله تعالى، ومن لم يكن معززا عند الله تعالى وكان ذا عز كبير في أعين الناس فقد خسر ولم يكسب شيئا، وسوف يلقى الخزي والهوان في نهاية المطاف.

ثم لما أعلن حضرته رضي الله عنه دعواه عن كونه المصلح الموعود عام 1944 قال: وكما ذكرت من قبل، كان الإخوة من جماعتنا قد عرضوا عليّ هذه النبوءة ونبوءات مماثلة لها مرة بعد أخرى مصرين عليّ أن أعلن كوني مصداقا لها، ولكني قلت لهم في كل مرة أن النبوءات تدل بنفسها على مصداقها، فإذا كانت هذه النبوءات تخصني فإن الوقت سوف يشهد بنفسه على أنني مصداقها، وإذا لم تكن متعلقة بي فسوف تكون شهادة الأيام ضدي، وفي كلتي الحالتين ليس بي حاجة لقول شيء. إن لم تكن هذه النبوءات بحقي فلماذا أكون آثما بقولي إنها بحقي، وإذا كانت بحقي فليس بي حاجة لأن أتسرع، فإن الأيام ستكشف هذا من تلقائها.

فكما كان واردًا في وحي المسيح الموعود عليه السلام فلم يلبث الناس أن قالوا: هل هذا هو الآتي أم ننتظر غيره؟ لقد أعاد الناس هذا السؤال مرات ومرات حتى طال عليه الزمن. علمًا أن هناك في وحي المسيح الموعود عليه السلام خبرا عن انقضاء زمن طويل على هذا الأمر؛ كان إخوة يوسف قالوا لأبيهم يعقوب: (تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حَرَضًا أو تكون من الهالكين)، وهذه الآية قد أوحيت إلى المسيح الموعود عليه السلام أيضا، كما أوحى الله إليه أيضا (إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفنّدونِ)، مما يدل على أن مشيئة الله أرادت أن ينكشف هذا الأمر بعد مدة طويلة. وإني ما زلت على يقين تام حتى الآن أنه ما كان هناك حرج إن لم يخبرني الله تعالى حتى قبيل موتي بأن هذه النبوءات تخصني أنا، بل ما كان هناك حرج حتى وإن لم يخبرني بذلك في حياتي وكشفت الأيام بعدي أنني كنت مصداقها وتحققت في عهدي وعلى يدي. أما نزول وحي أو ظهور كشف تأييدًا لذلك فهو أمر إضافي. غير أن الله تعالى كشف هذا الأمر بمشيئته وأخبرني أنا أيضا الآن أن النبوءات المتعلقة بالمصلح الموعود تخصني أنا. فطلبت اليوم ولأول مرة كل تلك النبوءات وأمعنت فيها النظر لأدرك حقيقتها وأرى ماذا بين الله فيها. (يعني حضرته أن أبناء الجماعة كانوا يطبقون هذه الأنباء عليه، ولكنه ظل يتحاشى قراءتها بإمعان مخافة أن يستنتج منها استنتاجا خاطئا، ثم يقول) ولكني قرأت اليوم كل تلك الأنباء معًا أول مرة، وبعد قراءتها توصلت بفضل الله إلى يقين وأستطيع أن أقول بكل ثقة أن الله تعالى قد حقق هذه النبوءة في شخصي.

كان هناك وقت حين قال المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بأني لستُ بحاجة إلى أن أعلن شيئا، ثم جاء وقت حين كشف الله عليه أنه هو المصلح الموعود وعليه أن يعلن ذلك. عندها تحدى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ المعترضين والمنكرين تحديا مكشوفا وقال: أقول حلفا بالله بأني أنا مصداق النبوءة عن المصلح الموعود، وقد جعلني الله محط النبوءات التي أنبأ بها المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام عن الموعود المقبل. والذي يزعم أني افتريت ذلك من عندي أو كذبتُ بهذا الصدد فليبرز أمامي ويباهلني بهذا الشأن، أو يحلف بالله حلفا مؤكدا بالعذاب أن الله أخبره أني كاذب، وسيحكم الله بنفسه بواسطة الآيات السماوية بين الكاذب والصادق.

والآن أبيّن بعض أجزاء النبوءة باختصار. فقد جاء في النبوءة أنه سيُملأ بالعلوم الظاهرية والباطنية. وقد ذكر المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ما يتعلق بالعلوم الظاهرية فقال: إن مفهوم هذه النبوءة هو أنه لن يتعلم العلوم الظاهرية بنفسه بل سيعلمه الله إياها. ليكن معلوما أنه ما قيل هنا أنه سيكون بارعا في العلوم الظاهرية بل الكلمات هي أنه سيُملأ بالعلوم الظاهرية. والمراد من ذلك أن قوة أخرى ستعلمه تلك العلوم الظاهرية ولكن يكون في ذلك دخلٌ لسعيه.

لا يمكن أن يكون المراد هنا هي علم الرياضيات أو العلوم المادية الأخرى لأن الكلمة “سيُملأ” توحي بأن الله تعالى سُيعلّمه إياه. والله تعالى لا يعلّم علوما مثل الجغرافيا والرياضات وما شابهها بل يعلّم الدين والقرآن. فمعنى كلمات النبوءة أنه سيُملأ بالعلوم الظاهرية هو أن الله سيعلّمه علوما دينية وقرآنية وسيكون الله معلّمه. إن أسلوب دراستي يوحي بجلاء أنه لم يكن في دراستي دخل للبشر. بعض من أساتذتي ما زالوا أحياء ومات بعض منهم. إن أكبر منة علي في تعليمي هي لسيدنا الخليفة الأول رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. لقد علّمني الله علم القرآن بواسطة الملاك. وخلق في شخصي قدرة وكأني أعطيتُ مفتاحا لعلوم القرآن الكريم كما يُعطى أحد مفتاح كنـز من الكنوز. ليس في الدنيا عالم إلا وأستطيع أن أُثبت له أفضلية القرآن الكريم.

لقد ألقى حضرته رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هذا الخطاب في مدينة لاهور وقال في أثنائه: هذه مدينة لاهور وتوجد فيها جامعة وعدة كليات ويوجد فيها علماء كبار في شتى المجالات فأقول لهم جميعا أن يأتيني أيّ واحد منهم، أيا كان مجاله العلمي، وليبرز أمامي أيّ عالم من العلماء فليهاجم القرآن بعلومه، وأنا قادر على أن أرد عليه بفضل الله تعالى وستعترف الدنيا أن اعتراضه قد دُحض كليا. وأقول بكل تحدٍّ أني سأرد على اعتراضاته من كلام الله.

لقد كتب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مقالا بعنوان: “رسالة الأحمدية” ردّ فيه على اعتراضات المعترضين ووضّح ما هي الأحمدية وما هدفها. وقال في هذا المقال: لقد تعلّمت شخصيا علوما كثيرة من الملائكة. وذات مرة علّمني ملاك تفسير سورة الفاتحة، ومنذ ذلك الوقت كُشفت علي مفاهيمها بكثرة يتعذر إحصاؤها. وأقول بكل تحدّ أن ما يستطيع أن يستخرج أيّ عالم -أيا كان دينه- من العلوم الروحانية حول أي موضوع من كتابه كله أستطيع أن أستخرج أكثر منها بفضل الله تعالى من سورة الفاتحة وحدها. أنا أقدم هذا التحدي أمام العالم كله منذ زمن بعيد ولكن لم يقبله أحد إلى اليوم. إن سورة الفاتحة وحدها تلقي ضوءا وافيا على وجود الله ووحدانية الله وضرورة النبوة والرسالة وعلامات الشريعة الكاملة وضرورتها للبشر، والدعاء والقدر والحشر والنشر والجنة والنار لدرجة لا يمكن أن تزوِّد الإنسانَ مئاتُ الصفحات من الكتب الأخرى بهذا القدر من الضوء.

ثم قال رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: لقد كشف الله عليّ بعد أن توليتُ منصب الخلافة علوما قرآنية بكثرة لدرجة إن الأمة الإسلامية مضطرة إلى يوم القيامة إلى قراءة كتبي والاستفادة منها. هل من مسألة إسلامية لم يكشفها الله تعالى عليّ بكل تفاصيلها؟ لم توجد في الأمة الإسلامية منذ 13 قرنا مواضيع مفصَّلة حول مسألة النبوة، ومسألة الكفر، ومسألة الخلافة والقدر وانكشاف المفاهيم القرآنية الضرورية، ومسائل الاقتصاد الإسلامي والسياسة الإسلامية والقضايا الإسلامية الاجتماعية ولكن الله وفقني للقيام بهذه الخدمة، وبواسطتي كُشفت معارف القرآن الكريم حول هذه المواضيع وينقلها اليوم الأصدقاء والأعداء. فليشتمني أحد كما يحلو له وليذكرني بكلمات سيئة كما يشاء ولكن لا بد لمن أراد نشر تعليم الإسلام في العالم أن يستفيد مني ويستعين بي ولن يقدر على أن يخرج عن نطاق منّتي سواء أكان من اللاهوريين أو المصريين. كلما أراد أولادهم خدمة الدين سيضطرون أن يقرأوا كتبي ويستفيدوا منها. بل أستطيع أن أقول بلا فخر إن أكثر المواد في هذا المجال قد جُمعت بواسطتي ولا تزال تُجمع. فليشتموني كما يحلو لهم ولكن لو كان لهم من علوم القرآن من نصيب فسيكون بواسطتي أنا وسيضطر العالم للقول لهم: أيها الأغبياء، كل ما هو في جُعبتكم فقد أخذتموه منه، فبأي وجه تعارضونه؟

ثم ذكر حضرته رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في إحدى خطبه حادثا يتعلق بأستاذ له ويعود تاريخه إلى عام 1907م.كان هذا الأستاذ يشترك في درس المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ . وما كان أستاذه هذا يشترك في دروس أصحابه وكان يقول بأنه لا يجد نكات المعرفة عندهم. هذا هو ملخص قصة طويلة بهذا الصدد.

وقال رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في موضع آخر: في عام 1907م ألقيت خطابا عاما لأول مرة، في مناسبة الجلسة السنوية حين كان كثير من الناس مجتمعين بمن فيهم الخليفة الأول رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أيضا. تلوتُ الركوع الثاني من سورة لقمان وفسّرتُ آياته. عندما قمتُ للخطاب -ولم يسبق لي أن ألقيت خطابا قبل هذا، وكان عمري يبلغ 18 عاما، وكان الخليفة الأول وأعضاء الأنجمن وكثير من الإخوة الآخرين موجودين، فطرأت عليّ حالة أن ساد الظلام أمام عيني ولم أعرف من يجلس أمامي في الجلسة. استمر خطابي إلى نصف ساعة أو ثلاثة أرباع الساعة. وأذكر أنني عندما جلستُ بعد الخطاب قام الخليفة الأول رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وقال لي: أهنئك يا ميان المحترم على هذا الخطاب ذي المستوى العالي لهذه الدرجة. لا أقول مجاملة بل أؤكد لك أنني قارئ نهم وقد قرأتُ تفاسير كثيرة ولكني سمعت في خطابك اليوم من المعارف ما لم أجده في التفاسير السابقة بل لم أعلمها من قبل. إنه كان من فضل الله تعالى البحت وإلا فالحق أن مطالعتي في ذلك الزمن لم تكن واسعة ولم تمض فترة طويلة على تأملي في القرآن الكريم ومع ذلك أجرى الله تعالى على لساني معارف لم يسبق لها أحد.

لقد ذكرتُ قليلا عن: “سيُملأ بالعلوم الظاهرية” والآن أذكر شيئا يتعلق بامتلائه بالعلوم الباطنية. فيقول المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عن ذلك: المراد من العلوم الباطنية هي العلوم التي تخص اللهَ وحده مثل علم الغيب الذي يُظهره على عباده الذين يكلّفهم بخدمة معينة في الدنيا لكي تظهر علاقتهم بالله تعالى فيقدر الناس على أن يُحيوا إيمانهم بواسطتهم. ففي هذا أيضا أكرمني الله بوجه خاص وتلقيتُ مئات الإلهامات والرؤى التي اشتملت على علوم الغيب. ففي حياة المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام عندما لم يكن ممكنا أن تخطر ببال أحد فكرة الخلافة عندئذ تلقيتُ إلهاما من الله نصه: “إن الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة”. سردتُ هذا الإلهام للمسيح الموعود فسجّله. لقد جاء الإلهام تقريبا بكلمات الآية التي وردت في القرآن الكريم عن عيسى عَلَيهِ السَلام إلا أن كلمات الآية بالضبط هي: [وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة] أما الإلهام الذي تلقيتُه فكان بكلمات: “إن الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة”. هذه الكلمات تحتوي تأكيد شديد أي أُقسم بنفسي أنني سأهب الذين اتبعوك غلبة حتما فوق الذين كفَروك إلى يوم القيامة. فقد سردتُ هذا الإلهام للمسيح المسيح الموعود وكتبه. لا زلت أسرد هذا الإلهام للإخوة منذ فترة طويلة وتعرفون كيف لاقيت معارضة بسبب ذلك ولكن الله رزقني الفتح في كل موطن. لقد تآمر المنشقون عن الخلافة في زمن الخليفة الأول بقولهم بالتكرار عني بأنه طفل صغير وتُباد الجماعة من أجله، ولكن هذه المؤامرة كلها لم تؤثر نهائيا. كنتُ أجهل هذه الأمور تماما لدرجة أني كنت ذات يوم أتمشى بعد صلاة الفجر أمام غرفة السيدة “أمان جان” الملتصقة بالمسجد إذ تناهت إلى سمعي أصوات بعض الناس المتصاعدة من المسجد كأنهم يتخاصمون في أمر ما. عرفتُ منها صوت الشيخ رحمة الله وكان يقول بكل حماس: يجب أن تتقوا وتخلقوا خشية الله في قلوبكم إذ تقدّمون طفلا صغيرا وتبيدون الجماعة وتعيثون هذا الفساد من أجل طفل صغير. كنتُ حينها لا أعرف هذا الأمور فاستغربت من كلامه وقلتُ في نفسي: من هذا الطفل الذي يقال عنه هذا الكلام؟ خرجت وسألتُ الشيخ يعقوب علي على ما أظن: ماذا كانت الضجة في المسجد اليوم وماذا كان الشيخ رحمة الله يقصد إذ قال بأن كل هذا الفساد قد عيث من أجل طفل صغير؟ من هو ذلك الطفل الذي أشار إليه الشيخ رحمة الله؟ قال لي متبسما: أنت ذلك الطفل. فكان مَثَلي كما جاء في قصة أن أعمى وبصيرا جلسا ليأكلا معا. ظنّ الأعمى أن صاحبي بصير وأنا أعمى لا أرى شيئا فلا بد أن يكون صاحبي يأكل أكثر وأسرع مني، فبدأ يأكل مسرعا. ثم خطر له أن البصير يكون قد لاحظ هذا أيضا ويكون قد بدأ يأكل بسرعة أكثر فماذا يجب عليّ فعله؟ فبدأ عندها يأكل بكلتا اليدين، ثم ظنّ أن البصير يكون قد رآني آكل بكلتا اليدين فماذا أفعل وكيف يمكنني أن آكل أكثر منه؟ فبدأ يأكل بيد وبيدٍ أخرى يضع الأرز في جيبه. ثم خطر بباله أن البصير يكون قد شاهد ذلك ويكون قد بدأ بفعل ذلك أيضا؛ عندها أخذ صحن الطعام وقال لصاحبه: لم تبق فيه الآن إلا حصتي فقط وقد أكلتَ حصتك في حين أن صاحبه المسكين لم يكن قد تذوق شيئا قط بل ظل يضحك على تصرفات صاحبه الأعمى. كذلك هو حالي أنا، إذ يفكر هؤلاء الناس مثل هذا الأعمى ويزعمون عني أنه يكون قد فعل كذا وكذا أو يغوي الجماعة بطريقة كذا وكذا. أما أنا فلا أدري شيئا عما يُفعل ضدي. ولا أعمل شيئا سوى التوكل على الله. كنت أجهل الظروف لدرجة كنت أظن أن الطفل الذي يدور الحديث حوله هو غيري. ومع أن هؤلاء الناس كانوا يحظون بنفوذ كبير في الجماعة ولكن الله جعل مؤامراتهم تذهب سدى ورزقني الفتح والانتصار. ثم يقول رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عما ورد في النبوءة: “أنه سيجعل الثلاثة أربعة”. لا يصح القول بأن هذه العلامة لم تتحقق في شخصي بل الحق أني جعلت الثلاثة أربعة من عدة نواحٍ.

أولا: لقد وُلد قبلي مزرا سلطان أحمد ومرزا فضل أحمد وبشير الأول وكنت أنا الرابع.

ثانيا: وُلد بعدي ثلاثة أبناء للمسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام وبذلك جعلتُ الثلاثة أربعة. هؤلاء الأولاد الثلاثة هم: مرزا مبارك أحمد ومرزا شريف أحمد ومرزا بشير أحمد وكنت أنا الابن الرابع.

ثالثا: قد جعلتُ الثلاثة أربعة من منطلق آخر أيضا أننا نحن الإخوة الثلاثة من أولاد المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام الأحياء قد آمنّا به وصرنا من أولاده الروحانيين، أي أنا ومرزا بشير أحمد ومرزا شريف أحمد. أما مرزا سلطان أحمد فلم يدخل في أولاده الروحانيين. كان اعتقاده بالخليفة الأول قويا جدا ولكنه مع ذلك لم ينضم إلى الأحمدية في عهده. ولكن كان يبدو من إحدى رؤى المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام أن الهداية كانت مقدرة له عند الله غير أنه لم يدخل الجماعة في عهد المسيح الموعود ولا في عهد الخليفة الأول. عندما جاء عهدي أنا هيأ الله تعالى أسبابا أدّت إلى دخوله الأحمدية بواسطتي. إذًا، فقد وفّق الله تعالى أحد أبناء المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام للبيعة على يدي في ظروف غير عادية. كان هو أخي الكبير فكان يرى البيعة على يد أخيه الصغير صعبة. فقد ذكر لي بنفسه بعد البيعة أنه تردد إلى فترة من الزمن في أمر البيعة وكنتُ أقول في نفسي: لو كنتُ مبايعا لكان علي أن أبايع على يد المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام أو الخليفة الأول الذي كان اعتقادي به قويا جدا، ولكن كيف أبايع على يد أخي الصغير، حتى قلتُ في نفسي (هذا ما قاله المرزا سلطان أحمد) أنه لا بد لي أن أتجرَّع هذه الكأس المريرة. فبايع على يدي وبذلك وفقني الله أن أجعل الثلاثة أربعة فقبل ذلك كنا نحن ثلاثة أولاد روحانيين للمسيح الموعود ثم تحول الثلاثة إلى أربعة.

وجعلتُ الثلاثة أربعة من منطلق آخر أيضا أنه أدلى بهذا النبأ في عام 1886م ووُلدت في عام 1889م أي في العام الرابع بعد الإلهام فجعلت الأعوام الثلاثة أربعة أي عام 1886م، و1887م و1888م وعام 1889م. فكان المراد في النبوءة عن جعل الثلاثة أربعة أنني سأولَد في العام الرابع بعد النبوءة وبذلك يكون جاعل الثلاثة أربعة. فكان كذلك وقد وُلدت بحسب ذلك.

ثم ذكر المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ معنى التعبير: سيكون سببا لإظهار جلال الله: الجزء الخامس من النبوءة هو أن نزوله سيكون سببا لإظهار جلال الله. وقد تحقق هذا الخبر أيضا في عهدي، إذ قد اندلعت الحرب العالمية الأولى بعد أن توليتُ منصب الخلافة، كما أن الحرب العالمية الثانية مندلعة الآن، الأمر الذي قد أدّى إلى إظهار جلال الله في العالم. قد يقول قائل هنا بأن مئات آلاف الناس بل عشرات الملايين منهم على قيد الحياة، فإذا قدمتَ هاتين الحربين دليلا على صدقك فلكل شخص حي أن يقدمهما في تأييده ويمكنه أن يقول بأنهما تشكلان علامة على صدقه هو. فجوابي على ذلك هو أنه إذا أُخبر هؤلاء مئات الآلاف من الناس أو عشرات الملايين منهم بهاتين الحربين فيمكن أن تكونا دليلا على صدق كل شخص حيّ. أما إذا لم يخبَروا عنها فإن الذي كُشفت عليه وبيَّن تفاصيل تحققها سيعدّ تحقق ذلك ظهور الجلال الإلهي بحقه.

سينمو سريعا: عندما انتُخبت خليفة كانت في ميزانية الجماعة 14 آنة، وكانت الديون تصل 18000 روبية، حتى أن الإعلان الأول الذي نشرتُه في عهدي بعنوان “من ذا الذي يمكنه أن يوقف فعل الله؟” لم أكن أملك مالا لطباعته، وكان عند جدي بعض التبرعات لبناء المسجد، فقدم لي مائتي روبية من تلك التبرعات لنشر هذا الإعلان، وقال عندما يجتمع المال في خزينة الجماعة يُسدّ هذا الدين. باختصار قد استدنت لنشر ذلك الإعلان. ففي ذلك الزمن حيث كان كبار أفراد الجماعة يعارضونني وكان قادة الجماعة يعارضونني، يومَ كانت خزينة الجماعة خالية حيث كانت فيها 14 آنةً فقط، مما يعني أن المبلغ لم يكن روبية واحدة إذ تضم روبية واحدة 16 آنةً. وكانت الأنجمن مدينة بـ18000 روبية، يوم كانت غالبية أعضاء الأنجمن تعارضني، وكان سكرتير الأنجمن معارضا لي وكان مدير المدرسة معارضا لي، قد نشرتُ كلماتي هذه في ذلك الإعلان بحسب مشيئة الله، أن الله تعالى يريد أن تتحقق وحدة الجماعة على يدي، ولا أحد يقدر على منع الله من مشيئته هذه. ألا يرون أن أمامهم خيارَين فقط فإما أن يكفّوا عن إحداث الفُرقة في الجماعة ويبايعوني، أو يتبعوا أهواءهم ويقتلعوا البستان الطاهر الذي كان الأطهار قد سقَوه بدمائهم. فقد مضى ما مضى، أما الآن فما من شك في أن تحقق وحدة الجماعة يمكن بطريقة واحدة فقط، وهي البيعة على يد مَن جعله الله خليفةً، وإلا كل من سيعارضه يتسبب في الفرقة. ثم قال حضرته أني كتبت في ذلك الإعلان أنه لو بايعني العالم كله لما عظُمتْ خلافتي، وكذلك لو تركني الجماعة كلهم لا سمح الله فلن يحطّوا من شأن خلافتي. فكما يكون النبي نبيا حتى لو كان وحيدا فكذلك الخليفة خليفة حتى لو كان وحيدا. فمبارك مَن قبِل قرار الله هذا. إن الحِمل الذي ألقاه الله عليَّ لثقيلٌ، فإن لم ينصرني لن أقدر على شيء. إلا أنني موقن بأن ذلك القدوس سينصرني حتما. باختصار قد ظهرت أنواع المعارضات، سياسيا ودينيا ومن داخل الجماعة وخارجها أيضا، ومع ذلك وفقني الله ﷻ لأدفع الجماعة نحو التقدم والازدهار أكثر.

كانت فقرة من النبوءة أنه “يكون وسيلة لفك رقاب الأسارى” فقد حقق الله هذا الجزء من النبوءة أيضا بواسطتي. وذلك إذ هدى الله رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بواسطتي أقواما لم يكن المسلمون منتبهين إليهم، وكانت تعيش بمنتهى الذلة والانحطاط، وحياتها حياة الأسارى، فلم يكونوا قد تعلّموا ولم تكن مدنيتهم على مستوى رفيع، ولم يكن ثمة نظام لتربيتهم مثل المناطق الإفريقية التي كان أهل الدنيا قد نبذوها وكانوا يُستخدمون خداما وعبيدا فقط.

فقبل قليل كان يلقي مندوب إفريقيا الغربية كلمته (كان حضرته يلقي الخطاب في الجلسة، وكان مندوب إفريقيا الغربية أيضا ألقى كلمته فحضرته أشار إليه، أنه قد استمعتم إليه) فبعض سكان هذه البلاد متعلمون لكن في البلد يوجد أناس بكثرة لا يلبسون الملابس أيضا، وكانوا يعيشون عراة، ومن هؤلاء الوحوش قد دخل ألوف مؤلفة في الإسلام بواسطتي بفضل الله. كان تعليم المسيحية ينتشر هناك بسرعة، وإلى الآن في بعض المناطق غالبية السكان هم النصارى، لكن دعاتنا ذهبوا إلى هذه المناطق بحسب توجيهاتي، وجعلوا آلاف المشركين مسلمين، كما سحبوا الآلاف من المسيحيين وجعلوهم مسلمين. وهذا الأمر قد سبب اضطرابا للنصارى.

توجد في إنجلترا هيئة كبيرة للقسس وهي مخوَّلة بصلاحيات ملكية، وهي مكلفة من قِبل الحكومة لنشر المسيحية والإشراف على هذه الأعمال. فهذه الهيئة شكَّلت لجنة وكلّفتها برفع التقرير عن أسباب توقف تقدم المسيحية في إفريقيا الغربية، فالتقرير الذي رفعتْه هذه اللجنة الأخيرة إلى الهيئة ورد فيه ذكرُ الأحمدية أكثر من اثنتي عشرة مرة أنها أوقفتْ انتشار المسيحية. باختصار تعتنق الشعوب السوداء الإسلام بكثرة في أفريقيا الغربية وأميركا كلتيهما، وكذلك قد جعلني الله وسيلة لفك رقاب هؤلاء الأسارى بإتاحته لي فرصة لنشر الإسلام في هذه الشعوب، ووفَّقني لرفع مستوى حياتهم.

ثم قال: إن حادث كشمير أيضا يشكِّل إثباتا عظيما لصدق هذه النبوءة انطلاقا من الفقرة المتعلقة بفكِّ رقاب الأسارى. وكل من يتدبر هذه الأحداث بجدّية لا يسعه غيرُ التسليم بأن الله قد هيأ لأهل كشمير أسباب فك الرقاب بواسطتي، وهزْم أعدائهم. يقول حضرته: إن لهذه النبوءة جانبين مهمين جدا، فالجزء الأول لهذه النبوءة أن الله ﷻ قد بشَّر سيدَنا المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام أنه سوف ينشر اسمه إلى أنحاء العالم. فبمجرد ولادة الابن عنده لم يكن ليصل اسمه إلى أطراف الأرض، ما لم يظهر منه أعمالٌ تذيع صيته في العالم. فهناك كبار المؤلفين ينشغلون طول الحياة في أعمال التأليف وبذلك ينتشر اسمهم في العالم، كما يَذيع صيت البعض نتيجة ارتكابهم السيئات، كما أن الناس يعرفون كبارَ اللصوص وقطاع الطرق أيضا إلا أن شهرتهم الحسنة أو السيئة لا تصل إلى أكناف العالم كله. بل تكون شهرتهم في منطقة معينة في البلد، لكن سيدنا المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام كان قد تنبأ بأن اسمه سيصل إلى أرجاء المعمورة. فكان يمكن أن تعدّ هذه النبوءة عظيمة إذا تحققت له الشهرة في أوضاع غير عادية ونلاحظ أن هذا ما تحقق. فقد بدأ حضرته عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام أخْذ البيعة بعد شهرين ونصف تقريبا من ولادتي، وبذلك تأسست الجماعة الإسلامية الأحمدية في العالم.

يقول حضرته: لقد أقمت المراكز في شتى أطراف الأرض لنشر الإسلام الأحمدية. عندما توُفِّي المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام كانت الجماعة في الهند وفي بعض مناطق أفغانستان فقط، ولم يكن أي مركز للجماعة في سائر البلاد، لكنه كما كان الله ﷻ قد أخبر في النبوءة أن صيته سيذيع إلى أقصى الأرضين، فقد وفَّقني الله ﷻ لإقامة مراكز الجماعة في شتى بلاد العالم. فقد أقمت المراكز في أوائل خلافتي في بريطانيا وسيريلانكا وموريشوس، ثم توسع هذا الأمر وظل يتوسع بانتظام، وأقيمت المراكز بفضل الله في إيران وروسيا والعراق ومصر وسوريا وفلسطين ولاغوس ونيجيريا وغانا وسيراليون وإفريقيا الشرقية، وفي أوروبا بالإضافة إلى بريطانيا في إسبانيا وإيطاليا وتشيكوسلوفاكيا والـمَجر وبولندا ويوغوسلافيا، وألبانيا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية والأرجنتين والصين واليابان وماليزيا والمستعمرات وسومطرة وجاوا وكاشغر أيضا. وفي بعض هذه البلاد سُجن الدعاة وبعضهم الآخرون ما زالوا يعملون، وبعض المراكز قد أغلقت مؤقتا لأسباب أمنية بسبب الحرب، حيث كانت الحرب العالمية الثانية. باختصار لا يوجد في العالم أي شعب لم يطَّلع على الجماعة الإسلامية الأحمدية ولا يوجد أي شعب لا يشعر بأن الأحمدية سيل عارم يتقدم إلى بلادهم. فالحكومات أيضا تشعر بتأثيرها بل بعض الحكومات تسعى للقضاء عليها أيضا، (وهذا لم يكن في ذلك الزمن فقط بل يلاحَظ اليوم أيضا) فحين ذهب داعيتنا إلى روسيا ضُرب ضربا مبرحا وسجن لمدة طويلة، إلا أنه لما كان الله ﷻ قد وعد بأنه سينشر هذه الجماعة ويجعلها مشهورة في أرجاء المعمورة بواسطتي فقد أوصل الأحمدية بفضله ورحمته إلى كل هذه المناطق. وليس ذلك فحسب بل قد أقام فروعا كبيرة للجماعة في بعض هذه المناطق.

إن للنبوءة أجزاء مختلفة قد تحققت في شخص حضرته بشأن عظيم وتحققت مراتٍ عديدة. وفي أماكن مختلفة، وظلت تُحقِّق صدق المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام وترفع شأن النبي ﷺ بانتظام. نسأل الله تعالى أن يُنـزل عليه غيث رحمته بانتظام ويوفقنا نحن أيضا لإنجاز مسئولياتنا.

بعد الصلاتين سأصلي صلاة الغائب على الداعية الإسلامي المرحوم المحترم مولانا محمد صديق شاهد الغورداسبوري ابن ميان كرم دين المحترم، الذي توفي في 15/2/2015 عن عمر يناهز 87 سنة. إنا لله وإنا إليه راجعون.

لقد وفِّق لخدمة الجماعة لستين سنة في مركز الجماعة في ربوة والبلاد الأجنبية أيضا في مناصب مختلفة. كانت حياته كلها مليئة بخدمات الدين والجهد الدؤوب للدعوة إلى الله وطاعة الخلافة، فقد ظل ينجز المهمات الدينية ما سمحت له الصحة. قبل مدة أصيب بالفالج وصار طريح الفراش.

كان من مواليد 31/10/1928 في “لودهي ننغل” في مقاطعة بطالة، كان والده قد تشرف ببيعة الخليفة الأول رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في 1914. سجل المرحوم في المدرسة الأحمدية بقاديان في 1940 بعد الدراسة الابتدائية. وكان في المدرسة من المتفوقين، بل كان بفضل الله تعالى يحتل المركز الأول أو الثاني في الصف، وبعد النجاح في المدرسة الأحمدية سجل في الجامعة الأحمدية في 1947، ثم أثناء الدراسة في الجامعة الأحمدية تقدم لامتحان “مولوي فاضل” ونجح فيه. ثم في 1950 سجل في أول صف للدعاة في جامعة المبشرين، وتخرج منها في 1952 حاملا شهادة “شاهد”. بعد ذلك أُرسل إلى سيراليون حيث انطلق من كراتشي في 23/10/1952 إلى لندن بحرا حيث أقام شهرا ثم وصل من هناك إلى سيراليون بحرا. ونشر الدعوة لأربع سنين هناك ثم عاد إلى باكستان في 19/10/1956 وأنجز مهمات مختلفة في المركز لثلاث سنوات. في ديسمبر 1959 أُرسل مرة أخرى إلى سيراليون بصفته أميرَ الجماعة والداعية المسئول هناك، حيث عمل هناك بهذا المنصب حتى 1962 ومن هناك أرسل إلى غانا في 15/1/1966 وأنجز مهماته سنتين مديرا للكلية الأحمدية لتأهيل الدعاة في “سالت باند”. في يوليو 1968 أرسل مرة ثالثة إلى سيراليون وظل يخدم الجماعة حتى 24/5/1972 كأمير الجماعة والداعية المسئول، وبعد ذلك أرسل إلى أميركا في 31/7/1973 حيث وفَّقه الله لنشر الدعوة لأربع سنوات. حين قام الخليفة الثالث رحمه الله بأول جولة إلى إفريقيا كان المرحوم في سيراليون.

في باكستان أيضا خدم الجماعة في عدة مجالات، كان متواضعا جدا وعفيفا وعديم الرياء ومجتهدا وكان بسيطا يخدم بصمت. كان يملك علما غزيزا وذوقا في التأليف أيضا، حيث كان يفيد قراء جريدة الفضل الأحمديين بعلومه وخبرته وتجاربه، حيث كانت مقالاته تنشر فيها فينة بعد أخرى. حين زار الخليفة الثالث بلاد إفريقيا الغربية قال بحق بعض الدعاة أنهم فائزون بـ”مقام نعيم”، وقد ذكر حضرة الخليفة الثالث المرحومَ أيضا.

كان المرحوم قد تزوج أمة المجيد ابنة خليل أحمد المحترم من سكان حيِّ “غولبازار” فعاشت مع زوجها بروح الوقف. رزق الله المرحوم خمسة أبناء وبنتين وكلهم متزوجون وعندهم أولاد، إحدى بنتيه تزوجتْ الداعية الأحمدي مقصود أحمد قمر المحترم، وأحد أبنائه أيضا داعيةٌ أحمدي في أميركا في هذه الأيام واسمه سعيد أحمد خالد المحترم. يقول الداعية سعيد خالد: كان والدي المحترم خادما مخلصا للجماعة وكان متواضعا وعابدا وزاهدا ومتوكلا.

منذ بلغت سن الإدراك وجدتُ في والدي ميزتين أولاهما الشغف بالعبادة أي أداء حقوق الله والثانية خدمة الدين والإخلاص له والوفاء لنظام الجماعة. كان يصلي في المسجد في كل حال، في أواخر حياته حين لم يكن يستطيع الحضور إلى المسجد مشيا أو بالدراجة لألمٍ في ركبتيه كان من واجباتي الذهاب معه إلى مسجد نصرت بالسيارة. وكنت إذا تأخرت عن ذلك لشغْل ما غضب لعدم تمكنه من الذهاب إلى المسجد. فقد ظل يداوم على التهجد أيضا كالصلاة المكتوبة، فلم يكن يفوِّت التهجد حتى لو عاد إلى البيت من السفر متعبا، فقد لاحظت حالته في التهجد كأن المرجل يغلي. كان يهتم بأن يكون أولاده أيضا مداومين على الصلاة، وإذا كان يغضب على أولاده فإنما بسبب الصلاة بالجماعة فقط.

يقول داعيتنا الأستاذ سعيد خالد المحترم: حين عُينتُ داعية في عام 2010 في أميركا قلت له أنا قلقٌ عليك (وذلك لأنه كان يخدمه) ويمكن أن أقدم عذرا للخليفة. فقال: كلا، أنت واقف الحياة، فاستجبْ للأمر فورا. ثم كتب: إن المرحوم كان محبا مخلصا للخلافة، فكان يسعى للعمل بكل توجيه ونصيحة في خطب الإمام، وينصحنا نحن أيضا بالعمل بها. كان توكله عظيما. ذات مرة جاء أخي الأكبر من أميركا وشعر بأن حاجة في البيت لا تسد بسبب عدم توفر النقود. فقال أخي لوالدي، لم لم تخبرني؟ فأجلسه والدي بجنبه، وقال: إذا كنت بحاجة إلى السؤال فسوف أسأل ربي وحده ولن أسألك، أما إذا أردت أن تخدم شيئا بحسب سعتك فافعلْ.

أحد أولاده مهندس في أميركا، ويقول: لقد نلت شهادة الهندسة من لاهور، وتقدمت بالطلب للتسجيل في إحدى الجامعات الأمريكية، وقدمت الطلب لتأشيرة دراسة، لكنه كانت هناك بعض الصعوبات، وكنت قلقا لأن الدراسة كانت ستبدأ في أميركا قريبا. كان والدي في إفريقيا وكتبت إليه الرسالة للدعاء، وكنت ما زلت في لاهور إذ خطر ببالي أنه يجب الذهاب إلى القنصلية الأميركية فذهبتُ إليها. قال لي القنصل الأميركي إنك لم تنجح في الامتحان فلماذا أتيتَ إلى هنا، فأخبرته التفاصيل كلها، أن الدراسة ستبدأ عما قريب هناك، وإن لم أكن قد حققت المستوى المطلوب لما سجَّلتْني الجامعة. فقال لي أن أنتظر قليلا، ثم بعد نصف ساعة منحني التأشيرة. وحين عدتُ إلى ربوة وجدت رسالةً من والدي وكانت أرسلتْ من إفريقيا قبل عشرة أيام تقريبا. كتب فيها والدي: لقد دعوت الله ﷻ وهو أخبرني أنك حصلت على التأشيرة.

يقول صهر المرحوم الداعيةُ: كان إيمان المرحوم بالدعاء كبيرا، فحين كان عائدا من سيراليون وسلَّم المسئولية للداعية خليل أحمد مبشر المحترم، سأله الأخير ما الذي يجب علي فعلُه في الأوضاع الصعبة، وكيف يمكن أن أقود الجماعة وكيف كنتَ تقودها؟ فقال المرحوم كلمةً واحدة هي أنه كلما طرأتْ أوضاع صعبة أغلقتُ عليَّ الباب وبعده “أكون أنا وربي”، وهذه هي الوصفة الوحيدة للخروج من كل مأزق. كما قاله المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام.

لقد كتب الداعية مجيد السيالكوتي المحترم أن المرحوم كان يعامل الدعاة بقسوة عند صدور التهاون منهم وفي الوقت نفسه كان يعتني بهم كثيرا أيضا ويلاطفهم. كان دوما يتحمل نفقات الأكل والشرب في السفر أثناء الجولات من جيبه حيث كان يقتات على الفستق أو السمك المجفف فقط، ولم يكن يأخذ هذه النفقات من الجماعة.

يقول الداعية حنيف قمر المحترم: حين أُرسلتُ إلى سيراليون كنت أستطلع أوضاع الدعاة القدامى. كنت أزور عادة الأحمدي الإفريقي الأخ باسلمان ماتسرى المحترم وحين سألته عن المولوي المرحوم قال: “كان ملاكا”. وهذا الانطباع لهذا الأخ الأفريقي صواب بالتأكيد، إذ كان المرحوم فعلا يتصف بصفات الملائكة. أسأل الله تعالى أن يرزق الجماعة دوما واقفي الحياة مثل المرحوم، كان متوكلا كبيرا وراضيا برضا الله.

رفع الله درجات المرحوم وجعل مثواه قرب أحبائه، وجعل أولاده أيضا أوفياء مع الجماعة والخلافة، ووفَّق صهره وابنه للوفاء بعهد الوقف بحسب ما كان يتمنى المرحوم.

رابط مختصر
أترك تعليقك
1 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.