خطبة الجمعة بتاريخ 27/02/2015

آخر تحديث : الخميس 8 سبتمبر 2016 - 6:36 مساءً
2015 03 07
2016 09 08
خطبة الجمعة بتاريخ 27/02/2015
خطبة صلاة الجمعة

خطبة الجمعة ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام يوم 27/02/2015 في مسجد بيت الفتوح في لندن

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. [بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضالِّينَ]، آمين.

لقد روى سيدنا المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حادثا يتعلق بمناسبة زواج السيد مير حامد شاه ابن السيد مير حسام الدين، فقال: كان مير حامد شاه يحتل مكانة مرموقة في الجماعة إضافة إلى كونه ابن السيد مير حسام الدين الذي كانت له صلة متينة مع المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام. وقد تعرّف المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام عليه حين سافر عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام إلى مدينة سيالكوت للوظيفة نتيجة إصرار والده المحترم. كان مير حسام الدين يسكن في سيالكوت. فحين كان المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام يقيم في سيالكوت نشأت العلاقة بينهما وتوطّدت، وبقيت على حالها إلى الأيام الأخيرة. ثم لم تقتصر هذه العلاقة على مير حسام الدين فقط بل شملت أيضا عائلته كلها. بعد وفاته كان مير حامد شاه يُعَدّ من خواص الجماعة. ذات مرة ذُكر مير حامد شاه في مجلس المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام فقال: هو شخص درويش الطبع، والله يحب من كان مثله.

يقول المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: العلاقات التي كانت مع حكيم حسام الدين منذ البداية تتراءى خصوصيتها للعيان من خلال الحادث التالي: حين سافر المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام إلى سيالكوت بعد إعلان دعوته، سُرّ حكيم حسام الدين بمجيئه أيما سرور وأسكنه في بيت. ولكن حين علم المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام أن سطح البيت ليس له سور، قرر عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام العودة من سيالكوت. علما أنه قد ورد في الحديث أنه لا يجوز النوم على السطح غير المسوّر. وكان الناس في تلك الأيام ينامون على أسطح البيوت بسبب الطقس الحار لأن المراوح لم تكن ميسرة آنذاك. فحين رأى المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام أن السطح ليس مسوَّرا قال: هذا البيت ليس مناسبا، وعقد العزم على العودة.قبز حكيم حسام الدين بذلك، قال: كيف يمكنه أن يغادر، لن أدعه يغادر. فجاء إلى باب البيت فورا وأرسل الرسالة إلى المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام بأن حكيم حسام الدين جاء لزيارتكم. فخرج المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام وقال له حسام الدين: علمتُ أنكم تنوون العودة فورا لأن هذا البيت ليس مناسبا؟ ثم قال: فيما يتعلق بالبيت فيمكنني أن أدبر لكم أي بيت تحبونه في المدينة، أما عودتكم، فهل جئتم إلى هنا لتعودوا فورا وأواجه الخزي بين الناس؟ قال هذا الكلام بلهجة وقوة لدرجة لم يقل المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام شيئا، بل قال أخيرا: حسنا، لن أغادر.

وقد روى المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حادثا آخر جاء فيه أن شخصا جاء إلى المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام وقال: أنا أبجّلكم كثيرا ولكن صدر منكم خطأ كبير. تعرفون أن المشايخ لا يقبلون ما يقوله الآخرون لأنهم يعلمون بأنهم لو قبلوا كلامهم فهذا سيُعَدّ إهانة لهم إذ سيقول الناس بأن هذه الفكرة خطرت ببال فلان ولم تخطر ببال الشيخ. لذا فالطريق الأمثل لجعلهم يقبلون شيئا هو أن يُستخرَج الكلام المطلوب من لسانهم بطريقة ما. والطريق الذي اقترحه هذا الشخص الذي جاء لزيارة المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام كان كما يلي: عندما علمتَ بمسألة وفاة المسيح الناصري كان عليك أن تدعو بعض المشايخ المختارين وتطرح أمامهم القضية في اجتماع معهم أن اعتقاد حياة المسيح يدعم المسيحيين كثيرا فيعترضون على الإسلام ويضرونه بشدة، إذ يقولون بأن نبيكم ميت أما مؤسس ديننا ففي السماء لذا هو أفضل بل هو إله بحد ذاته، فماذا يمكن أن نرد عليهم؟ أي اقتَرَح على المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام أن يجمع العلماء ويسألهم: ماذا عسانا أن نرد عليهم؟ ثم قال هذا الزائر بنفسه: كان لا بد أن يقول المشايخ عندئذ: قلْ أنت ما هو جوابه. عندئذ كان بإمكانك أن تقول: الرأي الصائب هو رأيكم، ولكنني أظن أن وفاة المسيح الناصري ثابتة من آية كذا وكذا. ففي هذه الحالة كان المشايخ سيقولون فورا: كلامك صحيح تماما، فتوكل على الله واعلنْ ما تريد ونحن مستعدون لتأييدك. ثم كان بإمكانك أن تطرح بالأسلوب نفسه قضية أنه قد ورد في الأحاديث ذكر عودة المسيح، ولكن لما كان المسيح الناصري عَلَيهِ السَلام قد مات فماذا يمكن أن يكون المراد منه. عندها كان من الممكن أن يقول أحد المشايخ: إنك أنت ذلك المسيح، ولصدّقك المشايخ كلهم. فقال المسيح عَلَيهِ السَلام بسماع ذلك: إذا كان ادّعائي مبنيا على كيد إنسان لفعلتُ ذلك حتما ولكنه كان بأمر من الله ففعلتُ كما أمرني الله.

يقول المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بأن الحيل والمكايد تنطلي على الناس ولكن الجماعات الربانية لا تخافها قط. فهذا ليس فعلنا بل هو فعل الله. (يقول بعض الناس في هذه الأيام أيضا أن عليكم ألا تقولوا كذا بل قولوا كذا وكذا، ولا تقولوا بأن المسيح الموعود نبي بل قولوا بأنه مجدد فقط، وبذلك تنحل المشاكل كلها. فقد جاءني ذات مرة شخص مسلم لمقابلتي وكان مندوب مجلة وقال لي: لو لم تؤمنوا بالمسيح الموعود نبيا فما الضير في ذلك؟ بل لن يعاديكم المشايخ. فشرحتُ له الموضوع بالتفصيل وقدّمت أمامه جواب المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام وقلت: هل يجب أن نعمل بما يقوله الله أو نعمل بما يقوله مشايخكم؟ ولكن هؤلاء الناس لا يكادون يفقهون.)

هناك إلهام للمسيح الموعود علهال وتعريبه: لا تخوّفونا من النار، فالنار خادمتنا بل خادمة خدامنا.

يقول المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أذكر حين ارتد شخص اسمه عبد الغفور عن الإسلام وانضم إلى الآريين واختار لنفسه اسم: “دهرم بال” وألّف كتابا بعنوان: “ترك الإسلام”، كتب الخليفة الأول رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الردَّ عليه ونُشر بعنوان: “نور الدين”. كان جزء من هذا الكتاب يُقرأ على مسامع المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام كل يوم، وعندما ذُكر اعتراض “دهرم بال” القائل: إذا صارت النار بردا على إبراهيم فلماذا لا تبرد على الآخرين؟ وقُرئ جواب الخليفة الأول بأن المراد هنا ليست نارا مادية بل المراد نار المعارضة. قال المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام: ما الحاجة إلى هذا التأويل، لقد سماني الله أيضا إبراهيم، وإذا كان الناس لا يفقهون هذا الأمر فليلقوني في النار ثم ليروا هل أخرج منها بسلام أم لا. ففي ضوء هذا الكلام للمسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام كتب الخليفة الأول رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هذا الجواب في كتابه “نور الدين”، وقال: يمكنكم أن تلقوا إمامنا في النار وسترون أن الله تعالى سيحميه من هذه النار بحسب وعده كما حمى إبراهيم عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام.

وفي مناسبة أخرى بيّن رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هذا الأمر بتفصيل أكثر وذكر المعجزات أيضا في ضوء كلامه عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام. وقال بأن الكتاب الذي سبق ذكره أي “نور الدين” الذي ألّفه الخليفة الأول رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال فيه بأن المراد من النار التي أُلقي فيها إبراهيم عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام هي نار الحرب، إذ ظن الخليفة الأول أن الخروج حيا من النار المادية مستحيل لذا أوَّلها بنار الحرب. كان المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام في تلك الأيام يخرج للتنـزه إلى قرية “بَسْرَوان” وأذكر أنني كنت معه ذات مرة حين قال أحد المرافقين في أثناء السير: يا سيدي، لقد بيّن حضرة المولوي المحترم نقطة جميلة جدا.

يقول المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بأن الذين يرغبون في الأمور العقلية أكثر يحبون مثل هذه الأمور والتأويلات والنقاط كثيرا، ولكن المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام ظل يدحض هذه الفكرة أثناء التنـزه كله تقريبا، وقال بأنه قد أُوحيَ إليه: النار خادمة لنا بل خادمة خدامنا. ما دام الناس قد عاملوا إبراهيمَ عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام على هذا النحو، فليس مستبعدا أن يكونوا قد ألقوه في النار المادية. هل الطاعون أقل من النار؟ ثم انظروا ما أعظم هذه المعجزة أن الطاعون تفشى في كل ناحية ولكن الله حمى منه دارنا. فإذا أنقذ الله تعالى إبراهيم عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام من النار فهذا ليس مستبعدا. بلِّغوا المولوي المحترم مني أن يشطب هذا الكلام. فشطبه كما قلت من قبل وكتب جُملا جديدة.

يقول المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أن رأي الأنبياء عن المعجزات هو الذي يجب أن يُعَدّ صائبا لأنهم يكونون قد شاهدوا هذه الأشياء. والذي يكلّم اللهَ قرابة نصف ساعة ويسأل ويتلقى الجواب لا يسع الخواص أيضا أن يبلغوا كنه كلامه دع عنك العوام الذين لا يرون حتى الرؤيا، وإذا رأوها لا تربو على رؤيا أو رؤيين، وإذا رأوا أكثر من ذلك يكونون عرضة للتذبذب بأنها قد تكون أضغاث أحلام. أما الذي يقول (أي المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام): ما إن أضع الرأس على وسادتي أبدأ بسماع صوت يقول: لقد كال لك الناس شتائم كثيرة في أثناء النهار، ولكن لا تقلق فأنا معك، ويطمئنني الله إلى أن أرفع رأسي عن الوسادة، فهو أي المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام يقول أيضا بأني في بعض الأحيان أتلقى طول الليل وبالتكرار إلهاما: “إني مع الرسول أقوم”.

يقول المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بأن الآخرين لا يقدرون على فهم هذه الأمور غير أن أولياء الله والأتقياء يفهمونها إلى حد ما ولكن ليس بقدر ما يفهمها النبي. فالنبي نبي ويكلمه الله ﷻ بأسلوب لا مثال له عند الآخرين. يقول سيدنا المصلح الموعود عن نفسه لعل عدد إلهاماتي ورؤاي قد بلغ ألفًا، ومع ذلك لا تساوي إلهاماتِ المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام في ليلة واحدة، الذي ظل طول الليل يتلقى الإلهام من المساء إلى الصباح “إني مع الرسول أقوم”. ثم قال حضرته: من واجبنا أن نكرم كبارنا وصلحاءنا لكننا حين نقارن بينهم وبين الأنبياء نعرِّضهم دونما سبب للإساءة. معلوم أن لكل إنسان مزاجا ومذاقا، أنا أتذكر أنه في حياة المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام كان يناقَش عادة في الناس مَن أحب الصحابة إلى سيدنا المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام؟ فبعضهم كانوا يقولون إن المولوي الكبير أي الخليفة الأول رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هو أحب إلى حضرته والبعض الآخرون كانوا يسمُّون المولوي الأصغر أي المولوي عبد الكريم السيالكوتي رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وأنا كنت من الفريق الذي يرى الخليفة الأول أحبَّ إلى المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام. يقول حضرته: أنا أتذكر أنه ذات يوم ظهرا –ولا أذكر المناسبة- وربما ذكرتُ لكم هذا الحادث في السابق ومن المحتمل أني كنت ذكرتُ المناسبة آنذاك إلا أنني لا أتذكرها الآن. يقول حضرته: عندما دخلتُ البيت قال حضرته لي أو لأمي التي كانت هناك: مِن مِنن الله ﷻ علينا وجودُ الحكيم المحترم، حيث كان يسمي الخليفة الأول بالحكيم المحترم عادة، وأحيانا بالمولوي الكبير المحترم وأحيانا بالمولوي نور الدين المحترم أيضا. وكان يكتب شيئا فقال عن الخليفة الأول إن كيانه أيضا مِنَّة مِن مِنن الله علينا، وإنْ لم نسلِّم بذلك سنكون من ناكري الجميل. لقد أعطانا الله ﷻ عالِما يلقي الدرس طول اليوم ثم يمارس الطب أيضا حيث تنال آلافُ الأرواح الشفاء على يديه. فهذا ما حدث أمام حضرته رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ثم يقول حضرته: لقد كتب المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام إنه يتبعني كما يتبع النبض حركة القلب.

فإذا قُدم مقتبس من كلام مثل هذا الإنسان، مقابل المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام، -إذ كان أحدهم قد قدم مقتبسا من كلام حضرته مقابل المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام وقارن بينهما، ثم بين أن المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام قال كذا والخليفة الأول قال كذا- ثم قال: إذا قُدم مقتبس من كلام هذا الإنسان مقابلَ المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام مع كل هذه المدائح المذكورة آنفا، ثم ذكر نفسه مثالا وقال: إذا ذُكرتُ أنا مثلا مقابل المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام فلا يعني سوى أن أعرَّض للشتائم.

فرغم ما كان الخليفة الأول يحوزه من مكانة مرموقة عند المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام كما مرَّ ذكرُه يقول حضرة المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إذا قُدم كلامه مقابل المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام فهو بمنـزلة تعريضه لإطلاق الشتائم. ثم قال إن إكرام الخلفاء يكمن في اتباعهم للمتبوع، أي أن يتبعوا مَن بايعوه، فبذلك يتم الحفاظ على كرامة الخلفاء. وإذا صدر أي خطأ حتى من أي خليفة لعدم العلم فالذي عنده علْم عليه أن يخبره بأن المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام قال كذا، وربما لا تعرف ذلك.

ثم يقول حضرته: إن الله أعطانا علم النقد أكثر بكثير من الآخرين أي إدراك مسألة ما وفحصها بالتأمل فيها. يقصد أن الله قد وهب للخلفاء إدراكا كبيرا لكلام المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام ونحن نملك كفاءة أكبر لفهم كلام المبعوثين مقارنةً مع الآخرين. فسوف نمعن النظر فيه ونتأمل وندرك هل يعني ذلك فعلا ما ذهب إليه الناس، فسوف نحل القضية حتما بعد النقد والفحص وسيكون ذلك الحل صحيحا 99% حتما. إلا أن حل ذلك لن يعني أننا في المقابل له، وأن يقدَّم كلامنا مقابل حضرته. فمثلا إذا قَدَّم أحدٌ مقتبسا من كلام المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام وقام غيرُه وذكر اسمي مقابله فلن يعني ذلك سوى أن يعرِّضني للإساءة.

فسواء كان الخليفة الأول رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أو أنا أو أي خليفة بعدي، فحين يقال له إن المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام قال كذا، فالقول بعده إن الخليفة الفلاني قال كذا خطأٌ تماما، فإذا كان لعدم العلم فلا يُحتجّ به، وإذا كان مع العلم فكأنه بمثابة إقامة الخليفة مقابل متبوعه. إلا أنه من الصحيح أن الخليفة إذا كان قد شرح أي كلام للمتبوع، ثم قيل له إن حضرتك قد فسَّرت هذا القول كذا وفسَّره الخليفةُ الفلاني كذا، فبهذا لا يكون الخليفةُ مقابل النبي بل يكون مقابل شخص فسَّر كلام النبي. ثم قال المصلح الموعود: تذكَّروا أيضا أنه ليس من الضروري أن يكون الخلفاء مطَّلعين على كل شيء، فهل كان سيدنا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما قد حفظا كل الأحاديث؟ وكذلك لا أحفظ عشرات الأمور من كلام المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام ويخبرني الآخرون، وأرى أن الذين عندهم هذه الأمور إذا قرأوها علينا فستكون منّتهم كبيرة علينا. وقال: ليس من الضروري أن يكون الخليفة عالما بكل شيء. معظمكم يعرف – فحضرته يوجه كلامه إلى الصحابة الذين كانوا موجودين بكثرة يومذاك وكانوا يعرفون الخليفة الأول، فهو يقول لهم- أن الخليفة الأول كان قلَّما يقرأ الكتب، أي قلما كان يقرأ كتب المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام الصادرة حديثا، فقال المصلح الموعود إن أحدا قال لحضرته عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام لماذا ترسل هذه الكتب إلى المولوي المحترم للمراجعة، فهو ليس خبيرا في هذا المجال، وليست له أي خبرة في المراجعة، فبعض الناس هم خبراء ومهَرة والبعض الآخرون ليسوا مهرة.

يقول حضرة المصلح الموعود أنا أقرأ خطبتي ومع ذلك تُنشر عشرات الأخطاء، ثم قدم مثالا، إن الخطبة التي نُشرت اليوم قد حدث خطأ فادح فيها أيضا. إذ كنت قد صححته إلا أن المفهوم الذي كان في ذهني للجملة السابقة لم يكن مطابقا لها، وبذلك حصل الخطأ. فكان يجب أن أقول: إن “بعد النبي ﷺ”، ثم صححت الجملة التي حصل فيها الخطأ كالتالي: وقلت ما يجعل نبوة النبي ﷺ نبوةً أخيرة، لكنه يقول حين قرأتها بعد النشر كانت الجملة السابقة معاكسة تماما لما فهمتُ. وبعد قراءة الجملة في جريدة “الفضل” تحيرت كثيرا. فكان حضرته يريد أن يكتب في الحقيقة أنه لا يمكن أن يأتي بعد النبي ﷺ أي نبي مشرع، بل يمكن أن يأتي نبي غير مشرع، فهو يجعل النبوة نفسها مستمرةً وبذلك يقيم نبوة النبي ﷺ نفسِه. باختصار قُرئت هذه الجملة بعكس ما كُتبتْ تماما، وكأنها تفيد أن طريق بعثة النبي المشرع أيضا غير مسدود. على كل حال قد فسر حضرته ذلك. ثم يقول حضرته: بعض الناس هم خبراء في المراجعة والبعض ليسوا خبراء. فقال أحدهم للمسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام إن المولوي المحترم ليس خبيرا في هذا المجال فلماذا ترسل إليه كتبك للمراجعة؟ فقال المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام: إن المولوي المحترم كثير المشاغل إذ يكون مشغولا في فحص المرضى، وأريد أن يقرأ هذه الكتب قصد المراجعة، على الأقل، ليطّلع على أفكارنا. ومع أن إيمانه بالمسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام كان راسخا، إلا أنه يصدر أحيانا تصرفٌ أو أمر معاكس لعدم العلم. فقال المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام: إني أرسل إليه الكتب للمراجعة قصد إطْلاعه على أفكاري لأنه لا يقرأها لضيق الوقت. ويقول المصلح الموعود: ليس من الضروري حتى بعد القراءة أن يبقى كل شيء محفوظا في الذاكرة، فمثلا لم أستطع استخراج المقتبس عن قتل يحيى عَلَيهِ السَلام وطلبتُ من المولوي محمد إسماعيل المحترم أن يستخرجه لي. ثم يقول حضرته: أما أنا فذاكرتي الشخصية أني لا أستطيع أن أستخرج الآية من السور التي أقرأها كل يوم، أما الآية التي لها علاقة بأي دليل فتبقى محفوظة حتى بعد مرور الزمن الطويل. فالأمور التي لا تتعلق بعملي فلا تبقى محفوظة عندي، أما المراجع فيكون في بالي أني سوف أطلب من غيري استخراجَها فلذا لا أحفظها. فمن هنا اتضح أن شرح الخلفاء إذا كان يعارض صراحة مع ما كتبه المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام فينبغي إخبار الخليفة الحالي، وإذا رأى الخليفة أن الشرح الذي قام به صحيح في ضوء كلام المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام وينسجم معه فسيكون هو المسلَّم به، وإلا فسوف يصحح قوله أو رأيه. باختصار إن الظن بأن أي خليفة قال كذا وقال المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام كذا، فلماذا التناقض؟ فهذا خطأ، إذ لا يوجد تناقضٌ، وإنما يكون عدم العلم أحيانا حتما.

ثم يقول حضرته في بيان حدوث خسوف القمر والشمس : لقد ظهر في جماعتنا حادث مشهور جدا أن شيخا معارضا وربما كان من سكان غجرات، كان يقول دوما للناس أن لا ينخدعوا من ادعاء الميرزا، فقد ورد في الأحاديث بوضوح أن في زمن المهدي سوف ينخسف القمر والشمس في رمضان. فما لم ينخسف القمر والشمس تحقيقا لهذه النبوءة لا يمكن أن يُعدّ صادقا في دعواه. ثم من المصادفة أنه كان ما زال حيا عندما تحققت نبوءة خسوف القمر والشمس، فانخسف القمر والشمس. وبعده أخبرَنا أحمدي كان يسكن بجوار ذلك الشيخ أنه حين انكسفت الشمس طلع ذلك الشيخ على سطح بيته وبدأ يتمشى باضطراب وكان يقول: “الآن سوف يضل الناس”. فلم يفهم أنه بعد تحقق الآية سوف يهتدي الناس بالإيمان بالميرزا المحترم ولن يضلوا.

يقول حضرته: كان المسيحيون أيضا من ناحية يؤمنون أن جميع العلامات الواردة في الكتب السابقة قد تحققتْ ومن ناحية أخرى عند سماعهم لدعوى النبي ﷺ كانوا يقولون بأنه صادف أن ادعى كاذب في هذا الوقت، ومثل ذلك يقول المسلمون بأن العلامات قد تحققت ولكنه من مصادفات الدهر أن ادعى الآن شخص كاذب. أوليس بعجيب أن ينعم الكاذب بمثل هذه المصادفات ولا يحظى بها الصادق؟!! تظهر التأييدات الإلهية كلها في حق الكاذب أما الذين يدعون الصدق فلا يظهر لصالحهم شيء اليوم!

يقول حضرته رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وهو يذكر عفوَ المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام وصفحَه: يعرف الإخوة الطرقَ التي عارض بها الأعداء حضرتَه. لقد منع الأعداءُ الخزّافين من صُنعِ الأواني له عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام والسقّائين من إيصال الماء إلى بيته، ولكنهم مع كل ذلك إذا جاؤوا يعتذرون إليه فيما بعد عذَرَهم حضرتُه وعفا عنهم.

لقد اعتُقل مرة بعض المعارضين، وقال القاضي: أسجّل القضية ضدهم بشرط ألا تأتيني شفاعة مرزا صاحب، لأنه إذا كان سيعفو عنهم لاحقًا فليس بي حاجة إلى اعتقالهم. فقال له الإخوة الأحمديون لن يحدث ذلك هذه المرة بل ينبغي أن يلقى هؤلاء وبَال أمرهم. فلما تأكد المجرمون أنهم سيتلقون العقوبة الآن جاؤوا إلى حضرته وطلبوا منه العفو، دعا حضرتَه المسؤولين وقال لهم أن يعفوا عن هؤلاء، فقالوا: لقد وعدْنا ألا نشفع لهؤلاء. قال حضرته: إذا كان هؤلاء يطلبون العفو فماذا عسى أن نفعل؟! فلما بلغ الأمر القاضي قال: لقد حدث ما قلتُه سابقًا، وها هو مرزا صاحب قد عفا عنهم في النهاية.

ينبغي ألا نستمتع فقط بسماع هذه الواقعات بل يجب أن نطبقها على أنفسنا أيضا. وهناك حاجة ماسة إلى الانتباه إلى العفو والصفح.

ثم يذكر حضرته رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حدثا يتعلق بشخصه فيقول: إنني من الذين يتصدون للعدو بكل تحمّل. لقد سمعت بأذني شتائم المعارضين وسمعتها جالسًا وجهًا لوجه مع كل ذلك بقيت أتكلم معهم بأسلوب حضاري وبكل وقار. يقول حضرته: لما رمى الناس المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام بالحجارة في أمرتسر وأُصبتُ أنا أيضا ببعضها، وقد كنت مراهقًا آنئذ، إلا أن الله تعالى جعل لي منها نصيبا. كان الناس يرمون بالحجارة الكثيرة تلك على السيارة التي كان المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام جالسًا فيها. كان عمري آنذاك 14 أو 15 عامًا. كانت إحدى نوافذ السيارة مفتوحة، حاولتُ إغلاقها ولكن الناس كانوا يرشقون الحجارة بشدة لدرجة انفلتت النافذة من يدي وأصيبت يدي ببعض الأحجار. ثم أُصِبتُ ببعض الحجارة لما ألقاها الناس على المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام في سيالكوت. ثم بعد مضي فترة لما ذهبت إلى سيالكوت أصبت بأربعة أحجار مع أن أفراد الجماعة تحلَّقوا حولي.

ثم يقول حضرته رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: لقد دعا المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام معارضيه إلى عقد اجتماعات يذكر فيها كل شخص مزايا دينه. لم يقل لهم حضرته: بما أنني مأمور من الله لذلك ينبغي الآن أن يكف الجميع عن تبليغ دينهم. كلا، لم يقل ذلك، لأنه كان يعرف بأن الآخرين أيضا يتمتعون بحق التبليغ بدينهم كما هو حقه، فقال لهم: قدّموا قولكم وأنا أقدم لكم قولي. لا يمكن أن يسود الأمن ولا يمكن أن ينتشر الحق ما لم يُعرَض مثل هذا الطريق، إذ ليس في العالم أحد لا يعدّ نفسه على الحق، فإذا كان هناك خلاف في الأفكار فلا بد أن تعطى فرصة ملائمة لطرحها. لو فهمتْ حكومة باكستان هذا الأمر أو فهمه الناس في العالم العربي لتوسعت سبل التبليغ ولعرفوا تلقائيا من هو على الحق ومن على الباطل.

ثم قال حضرته رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بخصوص تبليغ حضرته عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام دعوة الإسلام للملكة البريطانية أنه لم يكن بوسع أحد في الأزمنة الغابرة أن يبلغ ملكًا دعوة دينه، بل كان يعدّ ذلك إساءة كبيرة وإخلالا بالأدب الملكي، ولكن المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام كتب رسالة إلى الملكة المعظمة قيصرة الهند دعاها فيها إلى الإسلام وقال لها: أسلمي تسلمي، فبدلا من أن تظهر الملكة غضبها بعد سماعها لمحتوى الرسالة شكرتْ حضرتَه قائلة: لقد بلغتني رسالتكم وسررتُ بقراءتها.

فمن يتهموننا اليوم بالعمالة لا يسعهم في هذا العصر أن يبلغوا مثل هؤلاء الزعماء دعوة الإسلام.

جاء قاديان مرة سفير عثماني، ويقول حضرته رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عنه: قبل سنين كثيرة جاء إلى هنا سفير عثماني لما كان مؤسس الجماعة المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام على قيد الحياة. وكان قد جمع من المسلمين كثيرًا من التبرعات لدعم الحكومة العثمانية، ولما سمع عن الجماعة الأحمدية جاء إلى قاديان أيضا وكان اسمه “حسين كامي”. تكلّم مع المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام وكان يظن أنه سيتلقى من هنا مساعدة كبرى. لقد أعطاه المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام الاحترام اللائق الذي ينبغي أن يعطى لكل ضيف. ثم جرى الحديث الديني بينهما، أسدى له المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام بعض النصائح وأكد على ضرورة الالتزام بالأمانة، والامتناع عن ظلم الناس. (وهو ضروري اليوم للزعماء المسلمين ليعملوا عليه في البلاد الإسلامية.) ثم قال له حضرته: إن الحكومة العثمانية في خطر بسبب جريرة أعمال هؤلاء المسؤولين الظالمين، لأن الذين عهدت إليهم مناصب هامة للدولة لا يؤدون مسؤولياتهم بأمانة، وليسوا ناصحين للدولة ومخلصين لها، بل بسبب أنواع من خياناتهم يريدون أن يُضعفوا الحكومة الإسلامية. ثم قال حضرته عن السلطان العثماني- وكانت حكومته وقتئذ تُدعى بالسلطنة العثمانية أو الخلافة الإسلامية – أنّ حالة سلطنته ليست على ما يرام، وعن طريق الكشف لا أرى حالة أعضائها على ما يرام، وبالتالي لن تكون عاقبتها محمودة عندي مع هذه الحالة، وفي لحمة الحكومة العثمانية وسداها خيوط ضعيفة ستنقطع في وقت قريب وتُظهر فطرتها الخائنة.

لما أسدى المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام هذه النصائح استاء بها هذا السفير لأنه كان قد جاء يظنّ أن الناس سيقبّلون يديه ولن يرفضوا له قولا، ولكن لما تكلم معه المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام بهذه الأحاديث المريرة حيث قال لهم أنكم تتقاضون من الحكومة رواتب عالية ثم تخونونها، وينبغي أن تقوّوا الحكومة الإسلامية من خلال التزامكم بالتقوى والطهارة، ذهب من هناك مغاضبًا وأصبح يقول: إنهم يسيئون إلى الحكومة الإسلامية بقولهم إن هناك خيوطًا ضعيفة في الحكومة العثمانية.

يقول المصلح الموعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إن المسلمين عمومًا يحبون الدين ولكن الأسف أن المشايخ لا يدَعونهم يفكرون صحيحًا في أي من هذه الأمور. ولقد لوحظ عمومًا أن عامة الناس يخشون الله ويحبون الصدق ولكن المشايخ لا يدَعونهم يفكرون في شيء ويبدأون باستثارتهم. ولقد حصل الأمر نفسه في هذه المناسبة وأثار المشايخ ضجة كبيرة قائلين إن المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام قد ارتكب إساءة بالغة إلى الحكومة العثمانية التي هي حارسة للحرمين الشريفين. فلما تعالى هذا الضجيج كتب المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام ردًّا عليه: تقولون أن الحكومة العثمانية تحرس مكة والمدينة ولكنني أقول: ما قيمة الحكومة العثمانية حتى تحرس مكة والمدينة، لأن الحق أن مكة والمدينة تحرسان الحكومة العثمانية.

ثم قال حضرته بعد أن ذكر أن الذي يكنّ مثل هذه الغيرة لمكة المعظمة والمدينة المنورة هل يمكن أن يقال عن أتباعه أنهم سيفرحون إذا دُكت الكعبة دكًّا؟! إننا لا نتحمل القول بأن حكومةً ما تحرس مكة والمدينة في الحقيقة، بل نرى أن الله تعالى يحرس مكة والمدينة من عرشه، فلا يسع أحدا أن ينظر إليهما بنظرة سيئة، ولكن إذا حصل أن هاجم أحدُ الأعداء هذه الأماكن المقدسة فلا بدّ من أن تتقدّم الأيادي البشرية للدفاع عنهما، وإذا جاءت مثل هذه المناسبة – لا سمح الله- فستعلم الدنيا كيف تتقدم الجماعة الأحمدية وتقدم التضحية أكثر من الجميع وفق ما فرض الله تعالى على الناس واجب الحراسة. إننا نعتبر هذه الأماكن الأكثر قداسة، ونراها أماكن لظهور جلال الله تعالى، ونرى التضحية بأعز ما عندنا من أجل الحفاظ عليها مصدرَ سعادتنا في الدارين، ونوقن أن من يرمق مكة بنظرة شريرة مرةً يُعميه الله تعالى، وإذا أوكل الله تعالى الدفاع عنها للناس فسترون يدَنا في طليعة الأيادي التي تتقدم من أجل فَقْء تلك العين الشريرة.

هذه هي المشاعر التي يكنها كل أحمدي في قلبه بفضل الله تعالى تجاه الأماكن المقدسة، وستبقى كذلك دومًا إن شاء الله. زادنا الله تعالى إيمانًا ويقينًا وجعلنا دومًا في الصف الأول للمضحين.

بعد الجمعة والعصر سأصلي الجنازة على الغائبَين أحدهما السيد سمير بوخطة الذي وافته المنية صباح 24 فبراير 2015 في ألمانيا، إنا لله وإنا إليه راجعون. كان مريضًا بالسرطان منذ فترة طويلة، إلا أنه ظل مشغولا بخدمة الدين رغم هذا المرض المؤلم. كان عمره 58 عاما.

ولد في الجزائر في 11 مايو 1957 وبايع على يد الخليفة الرابع رحمه الله في عام 1991.

يقول أمير الجماعة في فرنسا: كان المرحوم يقول: لقد رأيت الرؤى الصالحة بكثرة لدرجة لم يبق أمامي مجال لرفض الأحمدية. ظل يخدم بوصفه رئيس الجماعة في فرع “كاسل” بألمانيا من 1993 إلى 1994، وصار أميرًا محليًا في إقليم “كاسل” من 1994 إلى 1999. ومن 99 إلى 2003 وُفِّق لخدمة الجماعة بوصفه أميرا لإقليم “هيسن”.

يقول أمير الجماعة في فرنسا: اشترك المرحوم في الجلسة السنوية لجماعة فرنسا عام 1998، وكان هذا لقائي الأول معه. قال لي أثناء الحديث إن المصلح الموعود رضي الله عنه قال إنه لو لقي شخصين مخلصين إلى حد الجنون لتحقق هدفه، وأريد أن أكون أحدهما. ثم حاول أداء واجب التبليغ بكل إخلاص إلى حد الجنون.

كتب لي عام 2006 بأنه يريد خدمة الدين بصفة معلم ديني، مع أنه كان يقوم بخدمة الدين من قبل أيضا، فوفقه الله تعالى بعد هذا الطلب للخدمة على أحسن وجه إلى آخر لحظة من حياته.

كتب أمير جماعتنا في فرنسا: لقد رأيت سمير بوخطه يقوم بالدعوة كالمجانين منذ 16 عاما. لو اضطر للمشي طويلا في شوارع فرنسا والمغرب وتونس والجزائر وجزر الكاريبي، فلن يشتكي قط ولن يقول بأن المسافة طويلة ولا توجد سيارة، بل كان يبدأ المشي ويظل يمشي أميالاً وأميالا من أجل التبليغ والدعوة وتوزيع المنشورات والرد على أسئلة الناس.

كان يحب الخلافة جدا، ويحافظ بحرص واحترام على كل رسالة تصله من الخليفة.

قام برحلات كثيرة للجزائر من أجل تنظيم فروع الجماعة هنالك. كتب رئيس جماعتنا في الجزائر: في بعض المناطق التي كان السفر فيها صعبا جدا، وصل إلى كل قرية مشيًا على الأقدام في الحر الشديد، وظل يعمل عندنا بدون انقطاع رغم إصابته بالسكري.

قام المرحوم مع أمير جماعتنا في فرنسا بجولات عديدة إلى المغرب، وذات مرة قضى شهر رمضان واحتفل بالعيد هنالك. كان يزور كل بيت أحمدي ويجمع أهله ويعلّمهم نظام الجماعة. لقد خدم الجماعة بمثابرة وثبات عظيمين. لم يقم بنشر دعوة الأحمدية فقط، بل قام بتربية مَن بلّغهم الدعوة، وقام بتنظيم فروع الجماعة.

ذات مرة ألقت الشرطة القبض عليه في تونس في أحد أسفاره الدعوية، ثم خلّت سبيله لكونه يحمل جواز سفر أوروبي.

كتب أمير فرنسا: لن أبالغ لو قلت كان المرحوم يقوم بالدعوة كالجنّ. لقد بلّغ الدعوة في آخر أيامه أيضا، وأوصى أبناء الجماعة بالدعوة.

كتب داعيتنا في مدينة كاسل: كانت آخر رسالة بعثها المرحوم لحضرتكم عن طريقي كالتالي: إذا كنتُ قد ارتكبت خطأ في عملي فاعفُ عني يا سيدي.

وأنا أقول: الحق أن المرحوم لم يوفّ عهد البيعة حق الإيفاء فحسب، بل سعى لإيفاء عهده بخدمة الدين أيضا إلى آخر حد ممكن. كانت خدمة الدين شغله الشاغل. كانت طاعته للخليفة عظيمة بحيث لا يتوقع المرء بأن أحمديا جديدا يمكن أن يتحلى بمشاعر الطاعة لهذه الدرجة.

كتب السيد سفيرُ الأمان داعيتُنا في كاسل: بعد جهد جهيد حصل على إذن خاص من إدارة المستشفى لأداء صلاة الجمعة الماضية، وحضر المسجد فعلاً، وأخذ معنا الصور، إذ كان يعلم بل كان يقول: إنها آخر جمعة لي.

ويتابع داعيتنا في كاسل ويقول: طالبني المرحوم في أيامه الأخيرة بتزويده بنسختين من كتاب “الذكر الإلهي” لحضرة المصلح الموعود رضي الله عنه، لأنه يريد أن يعطيهما بعض الأطباء الذين كانوا يعالجونه، ولما أوصلتُ له النسختين في المستشفى فلم يلبث أن أمر زوجته أن توصلهما إلى الطبيبين بدون تأخير. وكان هؤلاء الأطباء أيضا معجبَين جدا بسلوكه وأخلاقه حتى قالوا مرة بعد أخرى إنهم لم يروا مريضا صبورا ومتوكلا على الله مثله.

ويتابع الداعية ويقول: عقدْنا ذات مرة جلسة لنقرر مقدار ونوعية الطعام الذي سنعده لبعض الضيوف القادمين، ولكن طال النقاش بدون داع، وكان المرحوم حاضرا هذه الجلسة كممثل لجهته، فتضايق من طول النقاش وقال في سخط شديد: لسنا أولادًا صغارا ولا أحمديين جُددًا حتى نعلَّم القواعد من جديد، عندنا نظام وهو أن ممثل الخليفة، أي الداعيةَ، موجود بيننا، فعلينا أن نطيعه فيما يقول، فاتركوا الأمر له ثم اعملوا بقراره وأطيعوه.

وأقول: لو تحلّى أبناء الجماعة بهذه الروح لكُتب لمختلف فروع الجماعة الاتفاق والاتحاد والازدهار بفضل الله تعالى.

كان المرحوم يقول دائما: علينا أن نسعى جاهدين لتبليغ دعوة المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام في كل مكان نستطيع أن نصله، أما الهداية فعلى الله. وكان يقول أيضا: تبليغ الدعوة هو بمنزلة الأكسجين لي. ويوجد في جماعتنا في مدينة كاسل كثير من الأحمديين الباكستانيين الذين قد انضموا إلى الجماعة بجهود المرحوم.

لقد خلّف وراءه أرملته السيدة مريم بوخطة وثلاثة أبناء أكبرهم نور الدين وهو متزوج، والثاني هو عبد الحكيم، والثالث هو منير أحمد. رفع الله درجات المرحوم ووفق أولاده لاتباع خطواته. آمين

كان عند المرحوم حقيبة صغيرة كان يخرج بها في الأسفار التبليغية دائما، وكان قد حجز في هذه الأيام أيضا تذاكر السفر إلى الجزائر، ولكن جاءه الأجل قبل ذلك. يقول أمير فرنسا: بعد وفاة المرحوم سُلّمت هذه الحقيبة إلى أرملة المرحوم، فوجدت فيها قميصين وسروالا ومعطفا دافئا، وأربعة من كتب عربية لسيدنا المسيح الموعود عليه السلام، ورسائل الخليفة الخامس، ومئة استمارة بيعة بالعربية. هذا كان زاده الذي يأخذه في أسفاره في هذه الحقيبة التي كان يحتفظ بها دوما.

وكتب السيد فالي محمد رئيس جماعتنا في الجزائر: كان المرحوم دمث الأخلاق وممثلاً للخليفة على أحسن وجه. قابلته أول مرة عام 2007، وبعدها قام بتنظيم جماعتنا بحسب تعليمات الخليفة. كان يقوم بالجولات رغم مرضه بدون أي شكوى أبدا. كان يتحلى بالصبر دائما من أجل إعلاء كلمة الحق. كان يتمنى بشدة أن يكون لجماعتنا مسجد في الجزائر نصلي فيه.

وكتب السيد أعمراش حميد من الجزائر: كان المرحوم ذا شخصية قوية، وقد غمرت قلبي مشاعرُ الحب نحوه من أول لقاء معه. قلت له في اللقاء الأول هل يمكن أن يكون لنا مسجد هنا، فتبسم وقال إن وعد الله تعالى مع الخادم الصادق للنبي صلى الله عليه وسلم وعدٌ حقٌ يقينا، وعندما يُبنى هنا مسجد لنا ولم أستطع الحضور هنا فلا تنسوني واذكروني في دعائكم.

قال المرحوم: في جولتي لإحدى البلاد الإفريقية أخذ شيخ كبير بيدي وقال: هل أريك كنزًا؟ ثم أخرج من جيبه رسالة قبول البيعة من الخليفة وكان قد حفظها بتغليفها بالبلاستيك، وقال: هذا كنز لا بد من الحفاظ عليه.

فهؤلاء قوم قد انضموا إلى الأحمدية ولا يزالون يزدادون إخلاصا ووفاء.

وكتب السيد عبد الكريم من ألمانيا: كان المرحوم محبًا للخلفاء إلى حد الجنون، مطيعا للمسؤولين، متحمسا للدعوة والتبليغ ومخلصا فدائيا. لقد قرأ كتب المسيح الموعود العربية والمترجمة ثلاث مرات، وكان يحفظ فقرات كثيرة منها عن ظهر غيب. خلال إمارته لجماعتنا في كاسل انضم إلى الجماعة من خلال دعوته أناس كثر من 18 شعبا، فقام بتربيتهم وجعلهم أعضاء نشيطين في الجماعة. كان يقيم في مركز الجماعة في كاسل ندوة تربوية يحضرها نحو 90 من العرب الأحمديين الذين كانوا يُحضرون معهم العرب غير الأحمديين. كان ملاكًا لجماعتنا في كاسل. لقد لعب دورًا كبيرا في حصول جماعتنا على مسجد هنالك. كان يتقن العربية والفرنسية والألمانية.

وكتب السيد عبد السميع القرشي: لقد بايع المرحوم بواسطتي، ولما أرسلت استمارة بيعته إلى الخليفة الرابع رحمه الله كتب له في الجواب: أنت مصداقٌ لوحي المسيح الموعود عليه السلام: ينصرك رجال نوحي إليهم من السماء”. وقد أثبت المرحوم فعلا أنه كان مصداقا لهذا الوحي بفضل الله تعالى.

والجنازة الأخري هي للسيد تشودري بشير أحمد ابن تشودري إبراهيم. كان المرحوم من محافظة شيخوبوره، وبايع عام 1977-78، ثم بايع بعده أخوانِ له وباقي عائلته. خلال إقامته في منطقة “رجناتاؤن” خدم الجماعة بصفته سكرتيرَ الإصلاح والإرشاد وسكرتيرَ الأمور العامة. كان شخصية مرموقة وبارزة في منطقته. في 7-9-2011 حاول معارضو الجماعة اغتياله بالقرب من بيته في “رجناتاؤن”، فأصابته ثلاث طلقات دخلت إحداها في رقبته وخرجت من الطرف الآخر، ورصاصتان في بطنه وألحقتا بالمعي الكبير ضررا بالغا. نُقل إثر الحادث إلى لاهور حيث خضع للعلاج لأسبوع، ثم نُقل إلى مستشفى “فضل عمر” بربوة، وتماثل للشفاء بفضل الله تعالى. وكان ابن أخته غيرُ الأحمدي السيد زاهد أحمد يتابع قضيته في المحكمة، فتتبعَه القتَلةُ الذين صاروا عصابات “المافيا” هنالك، وأطلقوا عليه النار وقتلوه شهيدا في 5-3-2012. فنظرًا لهذه الظروف فكّر تشودري بشير أحمد في الهجرة من هنالك، وهاجر بالفعل إلى ربوة مع عائلته. ولكن بعد مدة أصيب بمرض السرطان، فظل خاضعا للعلاج فترة، ولكن غلب القدر وتوفي إلى رحمة الله. إنا لله وإنا إليه راجعون.

تقول أرملته: ألفيتُ المرحوم ليّنَ الطبع جدا، محافظا على الصلوات، وخادمًا لوالديه، صبورا، بسيطًا، رحيما، ومخلصا للجميع. كان يتحمل الضرر ولكن ما كان يعرّض غيره للضرر. لم يخذل أي ذي حاجة، بل كان يعين الجميع دوما بغض النظر عما إذا كان من الأحمدين أم لا. كان يقوم بالليل ويصلي في المسجد جماعة على الدوام. كان يربي الأيتام والأرامل. إذا ذُكر المعارضون أمامه كان يقول دوما: عليكم بالدعاء لهم بأن يهديهم الله. لما تعرض للهجوم وجاء الناس لعيادته وقالوا: ليبطش الله بهؤلاء الظالمين، كان يمنعهم ويقول: بل ادعوا الله تعالى أن يهديهم. كان المرحوم بفضل الله منخرطا في نظام الوصية في الجماعة، وقد دفن في “بهشتي مقبرة”. كان عمره 63 عاما. خلّف أرملته وابنين وبنتا. ألهمَهم الله الصبر والسلوان ووفّقهم لاتباع خطوات المرحوم، ورفع درجاته. آمين

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.