خطبة الجمعة بتاريخ 29.1.2016

آخر تحديث : الخميس 8 سبتمبر 2016 - 6:35 مساءً
2016 02 05
2016 09 08
خطبة الجمعة بتاريخ 29.1.2016
خطبة الجمعة

بعد التشهد والتعوذ وقراءة الفاتحة يقول أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز: يقول المسيح الموعود عليه السلام بأن الله تعالى خفيّ ولكنه يُعرف بقدراته، ويُعرف وجوده بواسطة الدعاء. كل شخص، سواء كان ملِكا أو إمبراطورا، يواجه حتما من المشاكل ما يتركه عاجزا أمامها ولا يدري ماذا يفعل. ففي مثل هذا المواقف تُحَلّ المشاكل بالدعاء.

لقد بيّن المسيح الموعود عليه السلام أهمية هذا الأمر من مختلف الجوانب وبأساليب مختلفة. وقد أدرك صحابته عليه السلام هذا الأمر جيدا، فكان إيمانهم ويقينهم بالدعاء بسبب صحبة المسيح الموعود عليه السلام قويا لدرجة كان الأغيار أيضا متأثرين بهم إلى درجة كبيرة. وكذلك أتباع الأديان الأخرى من أصحاب الصلة بالأحمديين كانوا يقرّون بأن أدعيتهم تجاب بكثرة. يقول المصلح الموعود رضي الله عنه بأن حادثا ذُكر عند المسيح الموعود فضحك رضي الله عنه بسماعه كثيرا. كان الحادث يتعلق بمنشي أروري خان الذي كان يأتي إلى قاديان في أوائل الأيام بكثرة، ولكن بعد ذلك كلِّف ببعض المهام لذا تعذر عليه الحصول على إجازة على فترات متقاربة، ولكنه مع ذلك كان يزور قاديان كثيرا. يقول المصلح الموعود رضي الله عنه: أذكر عندما كنت صغيرا كان مجيئه إلى قاديان يتسم بصبغة كأن أحدا يلتقي بعد سنين أخاه الذي انفصل عنه منذ مدة طويلة. فكان يلتقي حضرته عليه السلام بحب وإخلاص كبيرين كأنه لقيه بعد سنين طويلة. يقول حضرته عليه السلام بأن حادثا ذُكر في مجلس المسيح الموعود عليه السلام حيث قال الراوي بأن منشي أروري خان يُخيف القاضي أيضا، ثم قال بأن منشي أروري خان قال للقاضي: أريد الذهاب إلى قاديان، فأرجو أن تسمح لي بالذهاب، ولكن القاضي رفض طلبه. في تلك الأيام كان منشي المحترم يعمل في مكتب القاضي على مستوى المحافظة، فقال له: إنني أريد الذهاب إلى قاديان في كل الأحوال فأرجوك أن تسمح لي بذلك، قال القاضي: العمل كثير فلا أستطيع أن أسمح لك الآن. قال المنشي: حسنا، فليستمر عملُك. إنك تقول بأن العمل كثير فاستمِر في العمل ويمكنك ألا تعطيَني إجازة ولكن إن لم تسمح لي بالذهاب سأبدأ بالدعاء على ألا يستوي العمل الذي تريده. فمُني القاضي بخسارة ملحوظة حتى خاف بشدة وتأثر من هذا الحادث لدرجة كان يقول كل يوم سبت للعاملين في المحكمة: انـهُوا عمل اليوم سريعا بعض الشيء حتى لا يفوت قطارُ منشي أروري خان، أي أنه سيسافر إلى قاديان بالقطار فأسرِعوا حتى لا يفوته القطار. وهكذا كلما كان منشي المحترم ينوي السفر إلى قاديان كان القاضي يعطيه إجازة تلقائيا خائفا دعاءه.

فهؤلاء الناس كانوا قد أثّروا في الآخرين أيضا بصلاحهم ودعائهم. هذا ما يجب أن نضعه في الحسبان في هذه الأيام ونقوّي علاقتنا بالله تعالى أكثر فأكثر دائما.

سأسرد لكم الآن بعضا من الأحداث والسوانح للمسيح الموعود عليه السلام التي رواها المصلح الموعود رضي الله عنه وهي ضرورية لتربيتنا ولارتقائنا الروحاني. يوجد في العالم أناس ذوو طبائع وحواس مختلفة. تكون حواس بعضهم مرهفة أكثر من غيرهم. والبعض يكونون متعودين على طقس معين أو ما شابه ذلك بناء على ظروف خاصة، وتكون الظروف نفسها قاسية لبعض آخرين، بمعنى أنهم يكونون مرهفي الحس تجاهها لعدم اعتيادهم عليها، أو تكون طبائعهم حساسة بوجه عام. باختصار، إن الإحساس بالبرد أو الحر أو الرائحة الكريهة أو الزكية يتعلق برهافة الحس أو عدمه عند بعض الناس. إن حواس الإنسان تُظهر هذا الفرق. إن أغلبية الناس يكونون مرهفي الحس من حيث أنهم يشعرون بالبرد والحر والرائحة الزكية والكريهة. والذين لا يشعرون بها فلا يقدرون على إثبات أنه ليس للأشياء المذكورة تأثيرات. هناك أناس يعيشون في مناطق تهطل فيها الثلوج بكثرة فيشعرون بالبرد أقل نسبيا، وأيضا نرى أناسا يشعرون بالبرد كثيرا فترتعد أقدامهم بالبرد ويلبسون جوارب سميكة، وفي الوقت نفسه نرى آخرين لا يلبسون الجوارب أصلا في مثل هذا الطقس ويقولون بأن أقدامهم دافئة، وتُلاحَظ مثل هذه الأحاسيس. ولكن هذا لا يعني أنه لا يوجد برد أو ليس له تأثير لأن الغالبية من الناس يكونون حساسين جدا.

باختصار، يوجد للأشياء المذكورة تأثيرات ويحسّ بها معظم الناس وبذلك يظهر الفرق بينهم. على أية حال، لقد ضرب المصلح الموعود رضي الله عنه مثلا ماديا للفرق بين الحواس بذكر المسيح الموعود عليه السلام، فقال بأنه عليه السلام ذكر أن بعض الناس كانوا يتحدثون فيما بينهم في مدينة بأن تأثير السمسم حار جدا، ولا يمكن لأحد أن يأكل رُبع كيلو غرام منها، وإذا أكلها سقط مريضا فورا. هذه هي حالة غالبية الناس أي لا يمكن أن يأكل أحد رُبع كيلو غرام من السمسم ثم لا يمرض. وفي أثناء الحديث قال أحدهم: لو أكل أحد رُبع كيلو غرام من السمسم لأعطيته خمس روبيات جائزة. وفي هذه الأثناء مرّ بقربهم فلاح، والمعلوم أن الفلاحين يكونون معتادين على أكل أشياء غير ناضجة وعلى الأكل الكثير أيضا لأنهم يقومون بعد ذلك بأعمال شاقة، أو بعض الناس يملكون طبائع من هذا النوع. باختصار، كان الفلاح المذكور يملك طبيعة قاسية وقوية، فسمع كلامهم بكثير من الاستغراب والحيرة وقال في نفسه: الأمر غريب حقا أن ينال المرء خمس روبيات جائزة على أكل شيء لذيذ! أي إذا أكل أحد السمسم سيُعطى خمس روبيات جائزة كما قيل. فتقدم الفلاح إليهم وقال: هل المطلوب أن يؤكل السمسم مقشَّرًا أم غير مقشر؟ وذلك لأنه لم يستوعب كيف يمكن أن يُعطى أحد خمس روبيات جائزة على أكل السمسم مقشرًا، فكان جاهزا على أكله غير مقشر مع أن المتحاورين كانوا يحسبون أكل السمسم بهذا القدر مستحيلا. إذًا، هناك فرق هائل بينهم. فهناك أشخاص يحسبون أكل رُبع كيلو غرام من السمسم مستحيلا وشخص آخر مستعد لأكله غير مقشر ويظن أن أكلها مقشرًا أمر ممتع، فكيف يمكن نوال خمس روبيات جائزةً على ذلك؟

فهناك فروق كبيرة بين الحواس عند الناس، وهذا المبدأ سائد في العالم الروحاني أيضا، فترون أن الصلاة مثلا تؤثر على شخص أكثر وتؤثر على غيره أقل منه. فيصلي البعض الصلوات ظاهريا إذ ينقرون بعض النقرات وينصرفون دون أن تترك الصلاة فيهم أدنى تأثير. فلن تُقبل لإثبات الحواس الروحانية إلا شهادة الذين توجد فيهم هذه الحواس أكثر والذين يتأثرون أكثر، والذين يعبدون وتأثير العبادة يظهر فيهم.

كان الخليفة الأول رضي الله عنه يروي أن شيخا كان عالما كبيرا في علم الصرف والنحو، وكان معروفا بعلمه الغزير في الهند كلها، ويملك طبيعة بسيطة لدرجة إذا رآه شخص لم يعرفه من قبل كان يظن أنه شخص عادي جاء بعد العمل في الحقول أو هو أجير عادي. كان اسمه المولوي خان ملك. سمع هذا العالم عن ادّعاء المسيح الموعود عليه السلام ثم جاء إلى قاديان وآمن به عليه السلام بعد سماع كلامه. وعندما وصل إلى لاهور عائدا إلى بيته أراد أن يقابل المولوي غلام أحمد في الطريق. كان المولوي غلام أحمد يلقي درسا في المسجد الملكي بلاهور وكان في سابق عهده تلميذا للمولوي خان ملك. كان المولوي غلام أحمد عالما معروفا جدا. ولما كان سكان لاهور ميسوري الحال كان وضع المولوي غلام أحمد المالي أيضا جيدا جدا وكان مئات الطلاب يدرسون على يده. وصل المولوي خان ملك إلى المسجد الملكي ولكن الطلاب ما كانوا يعرفون المرتبة التي يحتلها، فانخدعوا ببساطة مظهره وشخصيته، وحَسِبوه شخصًا عاديًا. فسأله “المولوي غلام أحمد”: من أين جئت؟ قال: مِن قاديان. فسأله في حيرة: مِن قاديان؟ قال: نعم، من قاديان. قال: لماذا ذهبت إلى هناك؟ قال: لأنضم إلى أتباع حضرة المرزا. قال: إنك عالم كبير، فماذا رأيت فيه حتى أصبحت من مريديه؟ فقال له باللغة البنجابية ما معناه: دَعْك مِن هذا، فإنك لم تتقن بعد “قال ويقول” فلا تفهم هذه الأمور. ولما كان “المولوي غلام أحمد” من مشاهير العلماء، استشاط تلاميذه غضبًا وقالوا لِـ “المولوي خان ملك”: ماذا تقول أيها الشيخ الهرم؟! فمنَعهم أستاذهم المولوي غلام أحمد وقال: اسكتوا، فإن ما يقوله كلام سليم.

فكان هناك أمثال هؤلاء الناس سعيدي الفطرة الذين كانوا ينضمون إلى بيعة المسيح الموعود عليه السلام، والذين لم يكن لديهم أدنى عناد ولا تكبر بعلمهم.

كذلك يذكر المصلح الموعود رضي الله عنه واقعة أخرى ويقول: جاء أحد العرب في زمن المسيح الموعود عليه السلام، ولما كان هؤلاء يأتون سائلين بعض المساعدة غالبا، فلأجل ذلك عندما أراد المغادرة بعد مكوثه لعدة أيام أعطاه المسيح الموعود عليه السلام شيئا من النقود كأجرة للسفر إلا أنه رفض أخذها، وقال بأنني سمعت ادعاءك أنك مأمور من الله فجئت للتحقق في الأمر ولم آت لأخذ شيء آخر. كان هذا الأمر جديدًا لأنه لم يأت إلى الآن إلى هذه المنطقة أحد من دون أن يكون سائلا المساعدة المالية (أي في ذلك الزمن). فلما رأى المسيح الموعود عليه السلام ذلك قال له بأن يمكث لعدة أيام أخرى، فرضي. فعيّن حضرته بعض أصحابه لتبليغه. استمر معه النقاش لعدة أيام دون أن يؤثر فيه شيئًا. وفي نهاية المطاف قال هؤلاء المبلّغون للمسيح الموعود عليه السلام: إنه متحمس جدًّا، وليس كالذين يأتون سائلين المساعدات، ويبدو أنه يبحث عن الحقيقة، (كما نجد مثل هذه الرغبة بفضل الله تعالى في معظم الإخوة العرب الذين ينضمون الآن إلى الأحمدية) لأجل ذلك نرجوك أن تدعو له، لأنه لا يفهم الأمر من خلال التبليغ. فقد دعا له  فأُخبِر بأنه سيهتدي. ومن عجائب قدرة الله تعالى أنه في تلك الليلة نفسها تأثر بأمر ما لدرجة بايع في الصباح التالي، ثم غادر.

يقول المصلح الموعود رضي الله عنه: لقد أُخبِرتُ عندما ذهبت للحج أن هذا الأخ بلّغ الأحمدية عديدًا من قوافل الحجاج. فكان أهل القافلة يضربونه حتى يغمى عليه، إلا أنه عند استعادته الوعي كان يهُبُّ ويتوجه إلى قافلة أخرى ويبلغهم. وعليه فلا تنشرح الصدور إلا عندما يشرحها الله تعالى وبعد ذلك يتولد لدى المرء الحماس المثالي الذي بوجوده لا يكترث بأية مشكلة أو صعوبة ولا يبالي.

وذكر المصلح الموعود رضي الله عنه واقعة أخرى وقال: إن أول من أسلم في زمن المسيح الموعود عليه السلام من الإنجليز أو بالأحرى من الأميركان هو السيد “أليكسندر رسل ويب” الذي كان يعمل في السفارة الأميريكية في الفلبين. فلما انتشرت إعلانات حضرته عليه السلام في أوروبا وأميركا نشأت في قلبه رغبة في اعتناق الإسلام، فبدأ بمراسلة المسيح الموعود عليه السلام التي أدت إلى إسلامه، ثم وقف حياته لنشر الإسلام. وبعد ذلك جاء إلى الهند أيضا وأبدى رغبته في لقاء المسيح الموعود عليه السلام إلا أن المشايخ قالوا له (أي مشايخ المنطقة التي جاء إليها لعلها كانت لاهور أو أية مدينة كبيرة أخرى) إن التقيت بالسيد مرزا فلن يتبرع لك المسلمون ولن تتلقى من المسلمين شيئًا من أجل إنجاح خطتك لنشر الإسلام. فنتيجة لتأليبهم إياه لم يلتق بالمسيح الموعود عليه السلام، وعاد من هناك يائسًا في النهاية؛ ولم يساعده هؤلاء المسلمون. لقد قيل له بأن المسلمين غير الأحمديين سوف يساعدونك كثيرا في مهمة نشر الإسلام ولكنهم لم يمدّوا له يد العون. فكتب رسالة إلى المسيح الموعود قبيل وفاته عليه السلام وقال فيها: لقد تجشمت كثيرًا من العناء والآلام لعدم الإصغاء لنصيحتك. لقد قلتَ لي سلفا أن المسلمين فقدوا حماس خدمة الدين، إلا أنني لم أسلّم بهذا الأمر وكانت النتيجة أنني حرمت من لقائك. على أية حال، ظل هذا الشخص مسلمًا إلى آخر حياته وبقي على علاقة مخلصة مع المسيح الموعود عليه السلام. وهكذا صار هو المسلم الأول في أميركا.

يقول المصلح الموعود رضي الله عنه: أرى الآن أيضا أن الجماعة تتقدم في أميركا أكثر مقارنةً بالدول الأوروبية. لا شك أن الأحمدية تنتشر في بعض البلاد الأوروبية أيضا وهي أيضا تقع في غرب العالم إلا أن بوادر رقي الجماعة في أميركا تلوح على نطاق أوسع.

كيف كانت علاقة المسيح الموعود عليه السلام مع الأطفال، وكيف كان يهتم بتربيتهم، يقول عن ذلك المصلح الموعود رضي الله عنه: الطريقة الصحيحة للتربية هي التي تتم من خلال اللعب. (أي تتم التربية أثناء اللعب). لا بد من تربية الطفل في صغره من خلال القصص، لأن الرجل يتعظ بالوعظ أما الصغير فلا بد من ذكر بعض القصص لجذب انتباهه وتركيزه. وليست بالضرورة أن تكون هذه القصص من نسج الخيال، فإن المسيح الموعود عليه السلام كان يروي لنا حكايات وقصصًا واقعية، فكان أحيانًا يذكر لنا قصة يوسف وأحيانًا أخرى قصة نوح، وتارة كان يذكر لنا قصة موسى عليهم السلام، إلا أنها بالنسبة لنا كانت حكايات أطفال في حين أنها كانت قصصا واقعية. وكان  يذكر لنا قصة الحاسد والمحسود الواردة في كتاب “ألف ليلة وليلة”، وإنها تحتوي على درس رائع سواء كانت واقعية أم من نسج الخيال. وهكذا تعلَّمنا منه  كثيرًا من التعابير والأمثال المتعلقة بهذه القصص.

فعلى الآباء أيضا أن يعطوا لأولادهم وقتًا. فلو ركّز الأبوان على تربية الأطفال وإنشاء علاقات الصداقة معهم وتربيتهم تربية صحيحة وربطِهم مع أنفسهم فلا بد أن تنحلَّ كثيرٌ من مسائل التربية التي يشكو منها الآباء والأمهات.

ثم يقول المصلح الموعود رضي الله عنه بأن الهدف من سرد القصص للأطفال في صغرهم ألا يثيروا الضجة أو الشغب وبالتالي لا يضيع وقت الوالدين. ولكن إضافة إلى تحقيق هذا الهدف، لو كانت تلك القصص مفيدة لحياتهم المستقبلية لكان رائعًا. أما في هذه الأيام فلمنع الأطفال من الضجيج ولجلوسهم مبتعدين يضع الوالدان في أيادي أطفالهم “آي باد” أو يُجلسونهم أمام الحواسيب أو التلفاز. فلو كانت هناك بعض القصص المفيدة عليها فهذا جيد ولكن في معظم الأحيان تضيع أوقاتهم. أما الأطفال الصغار فيُمنع جلوسهم أمام التلفاز لمدة طويلة، لأنه أولا يؤثر في الرؤية إذا جلسوا لوقت طويل، ثانيا يقول الأطباء إنه يؤثر في تفكير الولد الأصغر من سنتَين بحيث تنصب اهتماماته في جانب ضيق واحد فقط، وفي بعض الأحيان تنشأ لديه أفكار سيئة.

باختصار، يقول المصلح الموعود رضي الله عنه: كان المسيح الموعود عليه السلام يُسمعنا قصصا، فالفائدة المرجوة من سرد القصص في ذلك الوقت كانت تحصل بالتأكيد. فإن لم يكن يسرد علينا قصصا فكنا نُثير ضجيجا ولم يكن حضرته  يستطيع أن يعمل. فكان من الضروري أن يُسكتنا بسرد قصص علينا، ولذلك كان يفرّغ نفسه ليحكي لنا قصصا في وقت الليل لكي نبقى نتسلّى وننام ويتمكن هو من أن يعمل. لا يعرف الطفل مدى أهمية العمل الذي يقوم به والداه، وإنما هو يثير ضجيجا إن لم يُعطَ وسائل التسلية والمتعة، ويكون الهدف من سرد القصة أن ينام الأولاد. كان الأبوان فيما مضى يجتهدان لتربية الأولاد، ولم تكن آنذاك تلك الأشياء التي جاءت في هذه الأيام وأغفلت الأبوَين عن تربية أولادهما من جهة، وأدّت إلى إضعاف علاقتهما بأولادهما من جهة أخرى، لذا ينبغي الانتباه لهذا الأمر. يقول : قد اعترف الجميع بهذه الغاية من سرد القصص، وإن كانت هذه الغاية مؤقتة وتكون فائدتها مقتصرة على أن يتلهّى الأولاد بالقصص ويناموا، ويهدف منها الأبوان ألا يضيع وقتهما لذلك يُضجعانهم ويسردان عليهم قصصا أو يسرد أحدهما ويبقى الآخر منشغلا بعمله، أو يسرد أحد من الأسرة ويعمل باقي أفراد الأسرة براحة. لو سُردت قصص فارغة وعابثة في ذلك الوقت لتحقَّقت هذه الغاية، ولكننا لا نرضى بذلك بل يجب أن تُسرد قصص تفيد في ذلك الوقت أيضا.

يقول المصلح الموعود رضي الله عنه: كان المسيح الموعود عليه السلام يُسمعنا قصة بأن دُبًّا كان صديقا لرجل، وكانت زوجة الرجل تنتقده بقولها: أي رجل أنت الذي صادق دبّا، وذات يوم تطاولت عليه بكلامها المسيء للدب وارتفع صوتها لدرجة سمعه الدبُّ أيضا، فأخذ الدب سيفا وقال لصديقه اضرب بهذا السيف في رأسي. لا ينبغي التعجب من هذا الكلام، إنها مجرد قصة تخبر بأن بعض الناس يكونون في صورة الدببة وبعضهم في صورة الإنسان، ولكل إنسان فطرته، ويكون بعض الناس مثل الدب والبعض مثل حيوانات أخرى مع كونهم بشرا. فأنكر ذلك الشخص كثيرا ولكن الدب أصر على ذلك، فاضطر الصديق ليحمل السيف ويضرب به على رأس الدب مما أدى إلى تضرُّج جسده بالدم، فرحل إلى الغابة، وبعد سنة عاد إلى صديقه وقال له: انظر إلى رأسي، هل من أثر للجرح، فلما نظر لم يجد أي أثر للجرح، حينها قال له الدب: في الغابة أعشاب عالجتُ بها جرحي فالْتَأم واندمل تماما، ولكن جرح لسان زوجتك وما كانت تفوّهت به عليّ، لا يزال نازفًا في قلبي، إذنْ، جروح اللسان أشد من جرح السنان في بعض الأحيان، وسيف اللسان يصيب بجرح لا يُنسى أبدا، فعلى الجميع أن يراعوا هذا الشيء أيضا لأمن المجتمع وسلامه كما يجب مراعاة عواطف الآخرين أيضا، ولا ينبغي أن تطلقوا بلا سبب سهام اللسان التي تبقى جروحها نازفة دوما، وهذا هو الدرس الذي يجب على كل أحمدي أن يحفظه ويتذكره.

ومن واجب كل أحمدي أن يحافظ على إيمانه بعد بيعته للمسيح الموعود عليه السلام، وفي بعض الأحيان تفضي أمور تافهة إلى ضياع الإيمان كما ذكرتُ قصة شخص ضيّع إيمانه بسبب إعانته لصديقه وارتد، وفي بعض الأحيان يقول المرء شيئا خلاف مشيئة الله تعالى فيضيع إيمانه، لذا لا بد لنا أن نظل نحاسب أنفسنا.

ثم من أهم واجبات أفراد الجماعة أن يقرأوا كتب سيدنا المسيح الموعود عليه السلام ويستفيدوا منها. لكن تذكروا أنه يجب أن تهتموا بهذه الأمور قصدَ العمل بها والاستفادة منها لا لمجرد الاستمتاع. فإذا قرأتم القرآن الكريم كاملا بنية الاستمتاع به فلن ينفعكم ذلك شيئا، أما إذا نطقتم بسبحان الله مرة واحدة متدبرين في صفات الله عز وجل وحبا له، فسوف تساعدكم على قطع أشواط التقدم الروحاني الكثيرة. فانظروا كيف بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا هذا المضمون بروعة. فمع أني لم أكن قرأتُ صحيح البخاري إلى ذلك الوقت لكن تجربتي كانت صحيحة. يقول رسول الله  كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ (حيث يستطيع الإنسان النطق بهما بسهولة دون أي صعوبة) ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ (أي حين توزَن الأعمال يوم القيامة سيكون لهما وزنٌ كبير حيث ترجِّحان الكفة التي هما فيها) سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ. يقول حضرته إني معتاد على ترديد هاتين الكلمتين ولاحظت أن روحي تقطع أشواط الرقي الكبير إثر النطق بهما حتى مرة واحدة. فالأصل أن نفكر في أوامر الله عز وجل بجدية ونسعى للعمل بها، فالحقيقة أن الإنسان يشعر بتأثير التسبيح والتحميد الذي يصدر من صميم الفؤاد. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا جميعا لذلك حتى يولد فينا القوة للعمل، ويجعلنا نفوز برضوان الله، وأن نقوم بالتسبيح والتحميد الذي يرتقي بأرواحنا إلى الرفعة والعلو وننال قرب الله.

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.